مخاطر المرحلة المقبلة.. تحولات سوق النفط العالمي وتداعياتها على الاقتصاد الوطني
الغد-يوسف محمد ضمرة
يشهد سوق النفط العالمي تحولاً عميقاً في طبيعة المخاطر التي تحكم حركة الأسعار والإمدادات، إذ لم تعد التحديات مرتبطة فقط بمستويات الإنتاج أو قدرة الدول المنتجة على ضخ كميات إضافية من الخام، بل أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بأمن طرق التجارة والطاقة، ولا سيما في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
ويشير تحليل معهد التمويل الدولي (IIF) إلى أن الحرب مع إيران أعادت تشكيل معادلة سوق النفط العالمية، حيث أصبح مضيق هرمز وباب المندب يمثلان عناصر رئيسة في تحديد استقرار الإمدادات، الأمر الذي قد يبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الأردني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة لتلبية احتياجاته من النفط والمشتقات النفطية. فالأردن، بصفته اقتصاداً مستورداً للطاقة، لا يستفيد من ارتفاع أسعار النفط كما هو الحال بالنسبة للدول المنتجة، بل يواجه انعكاسات مباشرة تتمثل في ارتفاع فاتورة الاستيراد، وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وظهور ضغوط إضافية على التضخم والمالية العامة والحساب الجاري.
ويكمن التحدي الأساسي في أن أزمة النفط الحالية لا ترتبط فقط بكمية النفط المتاحة في الأسواق، وإنما بقدرة العالم على نقل هذه الإمدادات بصورة مستقرة وآمنة. فحتى في حال عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها من الناحية الفنية، فإن استعادة التدفقات النفطية إلى مستويات ما قبل الأزمة قد تستغرق وقتاً أطول بسبب استمرار المخاطر الأمنية، وارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات، وتردد شركات الشحن في العودة إلى أنماط التشغيل السابقة. وهذا يعني أن الأسواق قد تواجه ما يمكن تسميته "علاوة مخاطر جيوسياسية" مستمرة، ترفع تكلفة النفط حتى في حال عدم حدوث انقطاع كامل للإمدادات.
بالنسبة للأردن، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية ينعكس مباشرة على الاقتصاد من خلال الواردات. فكل زيادة في سعر برميل النفط تؤدي إلى ارتفاع قيمة فاتورة الطاقة، الأمر الذي يضغط على الميزان التجاري. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، في حال استمرار الاضطرابات في الممرات البحرية، سيضيف أعباء إضافية فوق تكلفة الخام نفسه، ما يجعل التأثير النهائي على الاقتصاد أكبر من مجرد تغير سعر النفط في الأسواق العالمية.
ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة على قطاع النفط فقط، بل ينتقل إلى مختلف القطاعات الاقتصادية عبر سلسلة من التأثيرات المتتابعة. فارتفاع أسعار الوقود يزيد تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ويرفع كلفة إنتاج السلع الصناعية والزراعية، كما يؤثر على أسعار العديد من السلع والخدمات التي تعتمد على الطاقة في مراحل الإنتاج والتوزيع. ولذلك، فإن أي موجة ارتفاع طويلة في أسعار النفط قد تجعل من قدرة الاقتصاد الوطني بالحفاظ على مستويات منخفضة من التضخم أمرا ليس بالهين في ظل محافظة السياسية النقدية على معدلات منخفضة جعلتها من أقل الدول على مستوى العالم في هذا المجال.
وتتفاوت تداعيات الأزمة على الاقتصاد الأردني وفقاً للسيناريوهات التي طرحها معهد التمويل الدولي لمسار سوق النفط خلال عامي 2026 و2027. ففي السيناريو المتفائل، الذي يفترض تحسناً سريعاً في الوضع الأمني وعودة حركة الشحن إلى طبيعتها، يتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 80 دولاراً للبرميل في عام 2026 قبل أن ينخفض إلى حوالي 70 دولاراً في عام 2027. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الأردن سيكون أمام بيئة طاقة أكثر استقراراً، مع تحسن نسبي في فاتورة الاستيراد وتراجع الضغوط التضخمية، ما يمنح الاقتصاد مساحة أكبر لدعم النمو والاستثمار.
أما السيناريو الأساسي، الذي يعتبره التقرير الأكثر احتمالاً، فيفترض استمرار حالة عدم اليقين مع تعافٍ تدريجي للإمدادات، بحيث يبلغ متوسط سعر برنت نحو 87 دولاراً للبرميل في عام 2026 قبل أن يتراجع إلى 75 دولاراً في عام 2027. وهذا السيناريو يعني بالنسبة للأردن استمرار الضغوط ولكن ضمن مستويات يمكن إدارتها. فارتفاع أسعار الطاقة سيبقي فاتورة الاستيراد مرتفعة نسبياً، وقد يفرض تحديات على المالية العامة، لكنه لن يصل إلى مستوى الصدمة الكبيرة إذا استمرت الأسواق العالمية في العودة التدريجية إلى التوازن.
أما السيناريو الأكثر صعوبة، فيتمثل في استمرار التصعيد العسكري وتعطل حركة الشحن لفترة طويلة، بما يدفع أسعار النفط إلى متوسط يقارب 100 دولار للبرميل في عام 2026 ونحو 95 دولاراً في عام 2027. وفي هذه الحالة، قد يواجه الاقتصاد الأردني ضغوطاً أكبر نتيجة ارتفاع تكلفة الطاقة، وزيادة كلفة الإنتاج والنقل، واحتمال استمرار الضغوط التضخمية لفترة أطول. كما قد تتعرض المالية العامة لمزيد من التحديات نتيجة ارتفاع تكاليف تشغيل القطاعات الحكومية والحاجة إلى اتخاذ إجراءات تحد من انتقال الصدمة إلى المستهلكين.
ورغم هذه المخاطر، فإن الأردن يمتلك مجموعة من الأدوات التي يمكن أن تساعده على تقليل تأثير تقلبات أسواق الطاقة العالمية. فقد ساهم التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة خلال السنوات الماضية في تخفيف جزء من الاعتماد على الوقود المستورد، كما أن تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز النقل العام، وتطوير قدرات تخزين الطاقة، تمثل جميعها عوامل مهمة لتعزيز مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
وتكشف التطورات الحالية في سوق النفط أن أمن الطاقة لم يعد قضية مرتبطة فقط بتوفير الإمدادات، بل أصبح جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي للدول المستوردة. وبالنسبة للأردن، فإن التحدي خلال السنوات المقبلة لن يتمثل فقط في مستوى أسعار النفط، وإنما في القدرة على بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأساسي لأسعار النفط يمكن للاقتصاد الأردني استيعابه، لكنه سيبقي ضغوطاً قائمة على الميزان التجاري والتضخم والنمو. أما السيناريو المتشائم، فيمثل اختباراً أكبر يتطلب استجابة اقتصادية متكاملة تجمع بين إدارة المالية العامة، وتسريع التحول في قطاع الطاقة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع بيئة عالمية تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسواق السلع الأساسية.