أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    03-Feb-2026

ميزانية "عودة اللاجئين الطوعية".. نقطة في بحر الاحتياجات الفعلية

 الغد-عبدالرحمن الخوالدة

 بينما يترقب آلاف اللاجئين السوريين في الأردن مسار "العودة الطوعية" في 2026، تكشف الأرقام المخصصة لهذا الملف عن فجوة تمويلية حادة؛ فالميزانية المرصودة للاستعداد للعودة والبالغة 13.1 مليون دولار، تضع نصيب الفرد من العائدين المتوقعين خلال العام الحالي عند حاجز 175 دولارا فقط.
 هذا الرقم الضئيل يضع "خطة الاستجابة الإقليمية لأزمة اللجوء السوري" أمام اختبار حقيقي، ويثير علامات استفهام كبرى حول جدية المجتمع الدولي في دعم عملية عودة اللاجئين، فهل يكفي هذا المبلغ لبدء حياة جديدة في ظل بيئة اقتصادية منهارة؟ هذا المبلغ، الذي من المفترض أن يغطي تكاليف اللوجستيات، والنقل، والحماية القانونية، وصولاً إلى منح نقدية بسيطة، يبدو "نقطة في بحر" الاحتياجات الفعلية لـ75 ألف عائلة فقدت مساكنها وأعمالها في الداخل السوري قبل عقد ونيف وترغب في العودة إلى بلادها هذا العام، حيث يشير الخبراء إلى أن تكلفة إعادة التأسيس الأدنى لعائلة مكونة من 5 أفراد تتجاوز أضعاف هذا المبلغ المخصص.
 وأكد الخبراء أن المخصصات المالية المرصودة لـ"العودة الطوعية" للاجئين السوريين لا ترقى إلى مستوى تحفيز عودة آمنة وكريمة، فهو أقرب إلى معالجة شكلية لملف معقد ما يزال مفتوحاً اقتصادياً واجتماعياً.
 واعتبروا أن التلكؤ ما زال يسيطر على المجتمع الدولي في تعامله مع ملف اللاجئين السوريين، رغم مرور نحو عام ونصف على انتهاء الأزمة السياسية والأمنية في سورية تقريباً، مشيرين إلى أن نموذج الاستجابة الدولية ما زال غير قادر على توفير الشروط البنيوية لهذه العودة الطوعية.
وأشار هؤلاء إلى أن العودة الطوعية والتشجيع عليها لا يمكن أن تنجح دون توفير حزمة من المقومات اللازمة لخلق المحفزات الممكنة لتلك العودة، وذلك من خلال تمويل مشاريع تنموية واستثمارية داخل سورية قادرة على تشغيل واستيعاب العائدين وإدماجهم في الدورة الاقتصادية والاستهلاكية لبلادهم، إلى جانب أهمية تهيئة البيئة الخدمية التعليمية والصحية في عموم سورية، وتدشين المنشات اللازمة لذلك من مدارس ومراكز صحية ومستشفيات وغيرها.
مخصصات الخطة الإقليمية للاجئين السوريين 2026
وكانت الخطة الإقليمية للاستجابة لأزمة اللجوء السوري خصصت ميزانية بقيمة 654 مليون دولار لتمويل احتياجات اللاجئين السوريين في الأردن خلال عام 2026، حيث خُصِّص لبند العودة الطوعية للاجئين ضمن هذه الميزانية 13.125 مليون دولار.
 وتتوقع الخطة عودة 75 ألف سوري في المملكة إلى بلادهم خلال عام 2026، مشيرة إلى أن 80 % من اللاجئين السوريين في الأردن لديهم رغبة في العودة مستقبلاً، فيما يرغب 18 % بالعودة خلال العام الحالي. وسجّل العام المنقضي 2025 ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد العائدين طواعيةً من الأردن، حيث تجاوز العدد 177 ألف لاجئ، مقارنة بنحو 50 ألف شخص عادوا بين عامي 2018 و2024.
 وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد اللاجئين السوريين في الأردن يتجاوز مليون لاجئ، فيما يُقدَّر عدد المسجلين في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بما يقارب 400 ألف لاجئ.
ضرورة تغيير إستراتجية الأردن 
وقالت المديرة السابقة لمركز دراسات اللاجئين والنازحين والهجرة القسرية في جامعة اليرموك ريم الخاروف إن المبالغ المخصصة لتمويل خطة العودة الطوعية للاجئين السوريين من قبل الخطة الإقليمية للاجئين وتعزيز القدرة على الصمود (3RP)، تبدو متواضعة قياساً بالكلف التي تحتاجها الأسر لتجهز للعودة أو تغطية النفقات اللازمة لذلك من نقل وتجهيزات لوجستية.
وأكدت الخاروف أن على المجتمع الدولي مسؤولية توفير المقومات اللازمة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم وخلق المحفزات الممكنة لذلك، من خلال تمويل مشاريع تنموية واستثمارية داخل سورية قادرة على تشغيل واستيعاب العائدين وإدماجهم في الدورة الاقتصادية والاستهلاكية لبلادهم، إلى جانب أهمية تهيئة البيئة الخدمية التعليمية والصحية في عموم سورية، وتدشين المنشآت اللازمة لذلك من مدارس ومراكز صحية ومستشفيات وغيرها.
ولفتت الخاروف إلى أن ضعف القدرات المهاراتية والمهنية سيشكل عقبة كبيرة أمام اللاجئين للانخراط سريعاً في سوق العمل داخل سورية، رغم إنفاق المجتمع الدولي الكبير خلال السنوات الماضية على تمويل البرامج التدريبية والمهنية في الأردن والدول المستضيفة للاجئين، إلا أن المتدربين لم يتعاملوا مع هذه البرامج بجدية والتزام.
وأشارت إلى أن أولويات المجتمع الدولي في تغيير مستمر من عام لآخر، حيث لم يعد ملف اللاجئين ذا أهمية وأولوية ملحة كما كان في السنوات الأولى من عمر الأزمة، وهو ما انعكس على تقلص تمويل احتياجات خطط الاستجابة لأزمة اللجوء السوري في الأردن خلال السنوات الأخيرة، والتي لم تعد ترتقي مع حجم الضغوط على البنية التحتية والخدمية المحلية التي استُنزفت تماماً، خاصة في المحافظات التي يتكاثر فيها الوجود السوري.
وترى الخاروف بأنه في ظل تغيير الظروف السياسية والأمنية في سورية نحو الاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع، إضافة إلى محدودية دعم المجتمع الدولي للأردن في تحمل أعباء اللاجئين السوريين، يتطلب من الحكومة الأردنية تغيير إستراتيجية التعامل مع ملف اللاجئين، وذلك من خلال وضع إستراتيجية جديدة تقوم على العودة المخططة للاجئين، إضافة إلى وضع معايير معينة يتم على أساسها تحديد وضع بقاء اللاجئ بعد فترة سماح لثلاث سنوات.
وشُدد على أن استمرار أزمة اللجوء السوري من دون تحرك سيكون له تبعات كبيرة على الاقتصاد الوطني والبنى التحتية اللازمة له، والذي يتعرض منذ 14 عامًا لضغوط عديدة لا سيما على الخزينة العامة وإنفاقها على البنية التحتية.
تلكؤ المجتمع الدولي 
بدوره، اعتبر مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن الميزانية المخصصة لتمويل الإعادة الطوعية للاجئين السوريين تعكس عدم جدية المجتمع الدولي في حل أزمة اللجوء السوري وتخفيف حدتها على الدول المستضيفة كالأردن والقيام بمسؤولياته الإنسانية والأخلاقية المأمولة في هذا الملف.
 وأكد عوض أن هذه الموازنة محدودة ومتواضعة للغاية، وغير قادرة على تلبية أدنى المتطلبات التي يحتاجها اللاجئون للاستعداد للعودة، داعياً إلى أهمية رفع هذه الموازنة بما يكفي على الأقل في تلبية احتياجات أسر اللاجئين وتمكينهم من إعادة استصلاح ولو جزئي لبيوتهم وورشهم المهنية ومزارعهم في سورية.
 وأوضح أن التلكؤ ما زال يسيطر على المجتمع الدولي في تعامله مع ملف اللاجئين السوريين، حيث كان من المنتظر أن تكون هناك خطوات جادة وفعالة على أرض الواقع لمعالجة هذه الأزمة بعد مرور عام ونصف تقريباً على انتهاء الأزمة السياسية والأمنية في سورية.
 وشدد عوض على أن خلق ظروف مؤاتية لعودة اللاجئين السوريين مسؤولية دولية، يجب الإسراع في الإيفاء بها من خلال تسريع عملية إعادة الإعمار والبناء، لا سيما في مجالات الخدمات الصحية والتعليمية والمعيشية وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها.
 وحول رؤيته إلى طريقة تعامل الحكومة الأردنية مع ملف أزمة اللجوء السوري مع حل أزمة اللجوء السوري وتراجع التمويل والاهتمام الدولي بالأزمة، أشار عوض إلى أن على الحكومة التحرك في اتجاهين بشكل متوازٍ وهما: الاتجاه الأول إعادة طرح مقترح إنشاء صندوق يدعم العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى وطنهم الذي قدمته الحكومة في عام 2024 خلال مؤتمر بروكسل الثامن الخاص بأزمة اللجوء.
 أما الاتجاه الثاني فهو مطالبة المجتمع الدولي بضرورة زيادة مخصصات عملية إعادة اللاجئين وتوسيعها لتغطي مجموعة كبيرة من احتياجات اللاجئين، وأن يكون ذلك مبنياً على دراسة واقعية وشاملة للاجئين وظروفهم.
ملف اللجوء السوري في مرحلة انتقالية "مأزومة"
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن المخصصات المالية المرصودة لبرامج "الاستعداد للعودة" الطوعية للاجئين السوريين لا ترقى إلى مستوى تحفيز عودة آمنة وكريمة، واصفًا إياها بأنها أقرب إلى معالجة شكلية لملف معقد ما يزال مفتوحًا اقتصاديًا واجتماعيًا.
وأوضح عايش أن حجم التمويل المعلن، والذي يقدَّر بنحو 13 مليون دولار، يعني عمليًا حصول الفرد العائد على ما يقارب 175 دولارًا فقط، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية أكثر من أسابيع محدودة من الإنفاق في ظل ارتفاع كلف المعيشة داخل سورية، ولا سيما أسعار الكهرباء والخدمات الأساسية، مؤكدًا أن هذا الدعم لا يمكن أن يشكّل أساسًا لإعادة بناء حياة مستقرة.
وأكد أن ما يجري حاليًا يعكس تحولًا في نموذج الاستجابة الدولية، من تمويل استضافة اللاجئين في دول الجوار إلى تمويل عودتهم، دون توفير الشروط البنيوية لهذه العودة، محذرًا من أن هذا التحول لا يضغط فقط على اللاجئين، بل يفاقم أيضًا أزمات المجتمعات المستضيفة في الأردن، في ظل تراجع تمويل خطط الاستجابة ودعم الخدمات والبنية التحتية.
ولفت إلى أن العودة الطوعية والتشجيع عليها لا يمكن أن تنجح دون حزمة متكاملة من الضمانات، تشمل تسويات قانونية مسبقة، وضمانات بعدم الملاحقة الأمنية، وتوفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وتعليم ورعاية صحية، إلى جانب فرص عمل ودعم مشاريع صغيرة وحلول سكنية مستدامة، بدل الاكتفاء بمنح نقدية مؤقتة.
ودعا المانحين الدوليين إلى إعادة النظر في مقاربة تمويل العودة، معتبرًا أن المبالغ المرصودة حاليًا لا تؤسس لاستقرار فعلي، بل قد تدفع باتجاه عودة مبكرة وغير آمنة، في وقت تشير فيه الوقائع إلى هشاشة الاستقرار الأمني والاقتصادي داخل سورية، وحاجة ملايين السوريين هناك أصلًا إلى مساعدات إنسانية.
ويرى عايش أن ملف اللجوء السوري دخل مرحلة انتقالية "مأزومة"، لا هي إغلاق للملف ولا استمرار للنموذج السابق، مشيرًا إلى أن كلف هذه المرحلة تحمَّل للاجئين والمجتمعات المستضيفة والحكومة الأردنية معًا، فيما يسعى المانحون إلى تقليص التزاماتهم عبر حلول مالية محدودة لا تسمح بتأسيس حياة جديدة قابلة للاستمرار.