الغد-إبراهيم المبيضين
تتسارع وتيرة انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والعمل إلى الصحة والإعلام والخدمات، مدفوعة بسهولة استخدامها وقدرتها على إنجاز المهام بسرعة وكفاءة. غير أن هذا التوسع المتنامي يثير تساؤلات متزايدة حول حدود الثقة بهذه التطبيقات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقرارات الحساسة المرتبطة بالصحة والقانون والتعليم والمال.
وأكد خبراء محليون أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته المتقدمة، لا يزال أداة مساعدة وليست مرجعا نهائيا يمكن الاعتماد عليه بصورة مطلقة، محذرين من مخاطر الانبهار بقدرة هذه الأنظمة على تقديم إجابات تبدو دقيقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة أو مضللة.
وقالوا إن الاستخدام الأمثل لهذه التطبيقات يكمن في توظيفها كمساعد ذكي يدعم الإنتاجية والعصف الذهني وتنظيم الأفكار وصياغة المحتوى، مع ضرورة التحقق من المعلومات وعدم استبدال الخبرة البشرية في القضايا المصيرية.
وكانت شركة غوغل كشفت، في تقييم صريح عن مستوى موثوقية روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، أن هذه الأنظمة لا تزال بعيدة عن الكمال، حتى في أفضل حالاتها. ووفقاً لاختبارات أجرتها الشركة باستخدام معيارها الجديد FACTS Benchmark Suite، لم يتمكن أي نموذج ذكاء اصطناعي من تجاوز حاجز 70 % من الدقة الواقعية.
ويرى الخبير في بناء الهوية الرقمية خالد الأحمد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفا تقنيا أو أداة تقتصر على المختصين، بل تحول خلال أقل من ثلاث سنوات إلى جزء من الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم، ودخل بقوة إلى مجالات العمل والتعلم والبحث وصناعة القرار.
وأشار إلى أن الأردن بات جزءا واضحا من هذه الموجة، بعدما حل في المرتبة الثالثة عربيا والتاسعة والعشرين عالميا من بين 147 اقتصادا في تقرير انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي للنصف الثاني من عام 2025، بنسبة استخدام بلغت 27 % بين السكان في سن العمل، بعد الإمارات وقطر.
وأوضح الأحمد أن الانتشار السريع لهذه التطبيقات يعود إلى سهولة استخدامها ومجانيتها وقدرتها على اختصار ساعات من الجهد في دقائق، إضافة إلى مساهمتها في سد بعض الفجوات المتعلقة بالتعليم والخدمات والبحث.
وأضاف أن هذه التطبيقات أصبحت حاضرة اليوم في الكتابة والتلخيص والترجمة والتعليم والاستشارات الصحية الأولية والدعم النفسي والبرمجة والترفيه، محذرا في الوقت ذاته من تحولها لدى بعض المستخدمين إلى بديل عن المعلم أو الطبيب أو المفتي أو المستشار.
وأكد الأحمد أن المشكلة لا تكمن في انعدام فائدة هذه التطبيقات، بل في قدرتها الكبيرة على الإقناع، إذ تقدم الإجابات بلغة واثقة وسلسة توحي بالدقة حتى عندما تكون المعلومات غير صحيحة.
وأشار إلى أن دراسات حديثة أظهرت وجود أخطاء ومعلومات مضللة في مخرجات بعض التطبيقات، بينها دراسة منشورة في مجلة BMJ Open تناولت موضوعات مرتبطة بالسرطان واللقاحات والتغذية، وأظهرت أن نسبة كبيرة من الإجابات تضمنت محتوى إشكاليا ومراجع غير دقيقة.
كما لفت إلى دراسة أخرى صادرة عن كلية إيكان للطب في ماونت سيناي ونشرت في مجلة Communications Medicine، بينت أن بعض النماذج لا تكتفي بتكرار المعلومات الطبية الخاطئة، بل توسعها وتشرحها بثقة كاملة، بل وتنتج أحيانا تفسيرات لأمراض غير موجودة أساسا.
وأوضح الأحمد أن أغلب المستخدمين لا يدركون آلية عمل هذه التطبيقات، فهي لا "تفهم" كما يفهم الإنسان، بل تعتمد على تحليل كميات هائلة من النصوص وإعادة تركيبها في إجابات تبدو متماسكة ومقنعة.
وأضاف أن بعض الأنظمة تميل إلى مجاراة المستخدم حتى عندما يكون مخطئا، بدلا من تصحيح المعلومة بشكل واضح، ما قد يؤدي إلى ترسيخ الأخطاء وتقديمها بصورة موثوقة.
ودعا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة لا بديلا عن الخبرة البشرية، مؤكدا أن القرارات المتعلقة بالصحة والمال والقانون والدين وتربية الأبناء تتطلب الرجوع إلى مختصين والتحقق من المصادر.
من جهته، قال الخبير في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمثل نقلة نوعية في إنتاج المعرفة واتخاذ القرار، لكنها ليست بديلا عن الحكم البشري، بل أدوات داعمة تحتاج إلى استخدام واع قائم على التحقق والتفكير النقدي.
وأشار إلى أن العالم شهد خلال العامين الماضيين انتشارا غير مسبوق لهذه التطبيقات، حيث بدأت أكثر من نصف الشركات العالمية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل تجريبي أو فعلي، في وقت تجاوز فيه عدد مستخدمي بعض التطبيقات مئات الملايين خلال فترة قصيرة.
وأوضح البطش أن سهولة الاستخدام، والقدرة على إنتاج محتوى عالي الجودة بسرعة، وانخفاض تكلفة الوصول، كانت من أبرز أسباب هذا الانتشار.
وبيّن أن الاستخدامات اليومية لهذه التطبيقات باتت تشمل التعليم والصحة والأعمال والبرمجة وخدمة العملاء والكتابة والترجمة، لافتا إلى أن نحو 30 % من الموظفين عالميا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي أسبوعيا لرفع الإنتاجية، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مستقبلا.
وأكد البطش أن الثقة بهذه التطبيقات يجب أن تكون "مشروطة لا مطلقة"، موضحا أن النماذج اللغوية تعتمد على التنبؤ الإحصائي للنصوص، ما يجعلها قادرة على تقديم معلومات دقيقة أحيانا، ومضللة أحيانا أخرى فيما يعرف بظاهرة "الهلوسة".
وأضاف أن هذه الأنظمة تُدرّب على كميات ضخمة من البيانات تشمل الكتب والمقالات والمواقع الإلكترونية والأكواد البرمجية، لكنها لا تبحث في الإنترنت بشكل مباشر في كل مرة، ما قد يجعل بعض المعلومات غير محدثة أو غير ملائمة للسياق المحلي.
وشدد على ضرورة التعامل مع هذه التطبيقات باعتبارها "مساعدا ذكيا" وليس "مرجعا نهائيا"، مع أهمية التحقق من المعلومات واستخدام أكثر من مصدر وعدم مشاركة البيانات الحساسة.
بدوره، قال الخبير في الإعلام الرقمي إبراهيم الهندي إن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي في الأردن يعد أمرا طبيعيا في ظل وجود شريحة شبابية كبيرة وبيئة عمل تتطلب السرعة والإنجاز.
وأوضح أن أبرز الاستخدامات تتركز في الكتابة والتلخيص والتحليل والتعليم والصحة، إضافة إلى الترفيه والدعم النفسي، مشيرا إلى أن هذه الأدوات أصبحت تتسلل إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
وأكد الهندي أن المشكلة الأساسية تكمن في الثقة الزائدة بهذه التطبيقات، خاصة في المجالات الحساسة كالطب والقانون والمال، موضحا أنها تقدم معلومات عامة مفيدة لكنها لا تستطيع فهم الظروف الخاصة لكل حالة.
وأشار إلى أن النماذج اللغوية قد "تختلق" معلومات غير صحيحة وتعرضها بثقة عالية، وهي الظاهرة المعروفة باسم "الهلوسة"، حيث تنتج معلومات مضللة بصياغة تبدو مقنعة للمستخدم.
واستشهد بتجربة علمية نشرتها مجلة Nature تناولت مرضا وهميا جرى اختلاقه بالكامل، لتكشف النتائج أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي تعاملت معه وكأنه مرض حقيقي، وقدمت أوصافا للأعراض وطرق التشخيص والعلاج رغم عدم وجوده أساسا.
وأكد الهندي أن الذكاء الاصطناعي لم يُصمم ليكون خبيرا يعتمد عليه في كل شيء، بل أداة تزداد قيمتها بقدر وعي المستخدم بحدودها وكيفية توظيفها بشكل صحيح.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تطوير هذه الأنظمة، بل يمتد إلى كيفية دمجها بصورة آمنة ومسؤولة في القطاعات المختلفة، بما يضمن تحقيق الفائدة وتقليل المخاطر في الوقت ذاته.