أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    18-May-2026

كيف يمكن للبلديات تحويل الأولويات المناخية إلى مشاريع قابلة للتمويل؟

 الغد-فرح عطيات

 ارتكز عمل البلديات في الأردن تاريخياً على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، من تعبيد الطرق وجمع النفايات إلى تنظيم استعمالات الأراضي، لكن التحولات المناخية دفعت هذا الدور نحو مساحات أكثر تعقيداً تتصل بإدارة المخاطر والقدرة على حماية المجتمعات المحلية والموارد الطبيعية. 
 
 
ومع اتساع تأثيرات موجات الحر والفيضانات وشح المياه، لم يعد التعامل مع المناخ محصوراً بخطط عامة أو شعارات بيئية، بل بات مرتبطاً بقدرة السلطات المحلية على صياغة مشاريع واضحة تستجيب للاحتياجات الفعلية وتستقطب التمويل الدولي.
ويربط مختصون نجاح البلديات بالتعامل مع التغير المناخي بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء مشاريع تنموية قابلة للتمويل والتنفيذ، انطلاقاً من قراءة دقيقة للمخاطر المحلية المرتبطة بالفيضانات وموجات الحر وشح المياه والطاقة والنفايات. 
فالتحدي، بحسب تقديراتهم، لم يعد مرتبطاً فقط بضعف الموارد، بل بمدى امتلاك البلديات لخطط واضحة وبيانات محدثة ووحدات فنية قادرة على إعداد ملفات احترافية تستجيب لشروط الجهات المانحة، في وقت تتجه فيه مؤسسات التمويل الدولية إلى دعم المشاريع المناخية ذات الأثر القابل للقياس على المجتمعات والبنية التحتية والموارد الطبيعية.
وبرأي رئيسة قسم التغير المناخي في الجمعية العلمية الملكية ربى عجور، فإن البلديات إلى لا بد أن تنتقل من التعامل مع المناخ كملف "بيئي عام" الى آخر يبنى على "حزمة مشاريع" قابلة للقياس والتمويل المناخي. 
وهذه الخطوة يمكن أن تتحقق، بحد قولها لـ"الغد"، عبر تحديد وتحليل المخاطر المحلية، مثل الفيضانات، وموجات الحر، وشح المياه، والنفايات والطاقة، ليصار لتحويلها لمشاريع واضحة الكلفة والأثر، مع تسمية الجهة المنفذة، وصياغة مؤشرات قابلة للقياس عند التنفيذ.
ولفتت الى أن الأولويات المناخية للبلديات في الأردن تشتمل على إدارة مياه الأمطار والسيول والنفايات وخفض الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة بالمباني والإنارة، والتوسع بالطاقة المتجددة، وزيادة المساحات الخضراء، وحماية المجتمعات الأكثر هشاشة من موجات الحر والجفاف. 
وكل تلك الأولويات، كما وصفتها عجور، تنسجم مع التزامات الأردن، على رأسها هدف خفض الانبعاثات بنسبة 31% بحلول 2030، لكن الجزء الأكبر من تحقيقه يعتمد على التمويل والدعم الدولي. 
وعلى صعيد رفع قدرات البلديات، فتشدد على أنه رغم أهميته لكن لا يمكن الاكتفاء به بشكل مستقل، اذ لا بد أن يرافقه وجود بيانات محلية "دقيقة"، ووحدات فنية متخصصة قادرة على إعداد الدراسات، وعقد شراكات مع القطاع الخاص، بهدف تسهيل وصول البلديات إلى التمويل المناخي.
وأرجعت أسباب ضرورة وجود وحدات فنية مختصة الى "التفاوت" بعدد الكوادر المؤهلة، والرغبة بالتعلم وبناء القدرات في مجال العمل المناخي، والذي يعتمد بالدرجة الأولى على دعم القيادة المسؤولة والوعي الذي تمتلكه بشأن المخاطر المناخية وضرورة التعامل معها. 
وأشارت الى أن الجهات الداعمة في هذه الملفات (ماليا وفنيا) قد تكون مستندة على وزارات الإدارة المحلية، والبيئة، وبنك تنمية المدن والقرى، وصندوق المناخ الأخضر، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، وبرامج الأمم المتحدة، إضافة للقطاع الخاص عبر الشراكات.
وأصافت أن الأردن لديه أدلة وبرامج أعدت سابقا لإعداد مشاريع مناخية قابلة للتمويل، ويمكن للبلديات البناء عليها، وصياغة برامج تدريبية بدلاً من أن تبدأ من الصفر.
ومن وجهة نظر أمين سر المنتدى الأردني للتخطيط البيئي، د. مراد الكلالدة، فإنه بعد أن ظهرت ملامح مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، والذي أشار إلى أربعة مستويات من الخطط وهي الإستراتيجية التنموية، والحضرية العمرانية، والتنفيذية، والعمرانية الشمولية للبلدية، أصبح من الضروري البدء بتشكيل "فرق فنية متخصصة لإعداد هذه الخطط، بحيث تجد المجالس المنتخبة والمشكلة مستقبلاً أمامها برامج واضحة قابلة للتنفيذ والمتابعة".
وشدد لـ"الغد" على أن الخطة الاستراتيجية التنموية ترسم السياسات العامة للتنمية في المملكة، وهي تتقاطع بشكل مباشر مع التغير المناخي الذي بات يؤثر بصورة واضحة على جغرافية الأردن.
وضرب مثالاً على ذلك بأن مناطق الأغوار الواقعة تحت مستوى سطح البحر تشكل ما يقارب 8.5 % من مساحة المملكة، وتشهد "تراجعاً مستمراً" في منسوب مياه البحر الميت بمعدل يقارب متراً واحداً سنوياً، ما "ينذر بمخاطر بيئية واقتصادية" قد تصل إلى جفاف البحر الميت خلال العقود المقبلة إذا استمر الوضع القائم.
ولفت الى أن الأردن استثمر مليارات الدنانير في الشاطئ الشرقي للبحر الميت، إلا أن هذه المناطق باتت عرضة "للانهيارات الأرضية" الناتجة عن ذوبان الطبقات الملحية وتكوّن الحفر الانهدامية، كما حدث في منطقة النميرة، الأمر الذي يجعل مشاريع الحفاظ على البحر الميت، وإعادة تغذيته المائية جزءاً من أولويات التكيف المناخي.
ورغم أن منطقة الأغوار تخضع إدارياً لسلطة وادي الأردن، إلا أنها تبقى جزءاً من منظومة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المكانية، كما أن محافظات مثل إربد والكرك، والطفيلة والعقبة تمتد حدودها الجغرافية إلى الأغوار، ما يجعل آثار التغير المناخي عابرة للحدود الإدارية التقليدية، تبعا له.
وبناء عليه، فإن الكلالدة يؤكد على أن مجالس المحافظات والمجالس التنفيذية والبلديات لا بد أن تدرج مشاريع مرتبطة بالتكيف المناخي ضمن خططها التنفيذية، بما يتيح الاستفادة من التمويل الدولي المخصص للمناخ.
وقد يتم تنفيذ ذلك، بحسبه، سواء في مشاريع كبرى مثل قناة البحرين، أو في أخرى محلية كإعادة تأهيل حمامات عفرا وسيل الحسا، مع معالجة آثار الفيضانات الومضية على الطرق المحاذية للأودية ومجاري السيول.
وأضاف أنه لا بد أن يتضمن دليل الاحتياجات إعداد خرائط مناخية وجغرافية رقمية محدثة بشكل مستمر، لتساعد البلديات على تحديد "مناطق الخطورة"، وتوجيه استعمالات الأراضي، ورفع جاهزية البنية التحتية لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
ويمتد أثر التغير المناخي، وفق الكلالدة، أيضاً إلى سلسلة المرتفعات الشرقية والمناطق الصحراوية، الأمر الذي يجعل استضافة الأردن للمكتب الإقليمي لصندوق المناخ فرصة مهمة لبناء كوادر وطنية متخصصة قادرة على إعداد ملفات تمويل احترافية.
وهذا الأمر سيعزز فرص البلديات والمحافظات في الحصول على منح ومشاريع تشكل رافعة للتنمية المكانية والاقتصادية في مختلف مناطق المملكة، كما أفاد.
ويذهب الخبير في الشأن البلدي د. أسامة العزام الى أن تحويل الأولويات المناخية إلى مشاريع قابلة للتمويل يتطلب الانتقال لـ"نهج هندسي ومالي دقيق". 
وشدد لـ"الغد" على أن ما أسماه "بغضب الطبيعة"، وإن كان "محايداً" إلا أن "عواقبه تنحاز بقسوة ضد الفقراء"، إذ لم يعد التغير المناخي مجرد "تنبؤات" بل واقع نعيشه من جفاف للسيول وموجات للحر، لذا لا يمكن للأردن الاستمرار في التصميم بناءً على سجلات مناخية "قديمة". وحول الإجراءات الواجب اتباعها في هذه المرحلة، تكمن كما حددها العزام بإجراء مسح وتقييم لنقاط "الضعف المناخية" باستخدام البيانات المكانية، ثم إعداد "مذكرات مفاهيمية" متوافقة مع الاستراتيجيات الوطنية. 
بعد ذلك، وفق ما أوضح يجب إعداد دراسات جدوى شاملة فنية واقتصادية وبيئية لبناء نماذج مالية تثبت قدرة المشروع على استرداد التكاليف، كما يتطلب الأمر بناء قدرات الكوادر في البلديات لإعداد خطط عمل الطاقة المستدامة والمناخ، وتحديد التدخلات المناسبة للحد من استهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات.
ولعل مشروع قانون الإدارة المحلية، كما يرى، أوجد بيئة "تشريعية داعمة" تمكّن البلديات من إعداد خططها الاستراتيجية والتنموية، ودليل احتياجاتها، وموازنتها، إذ إنه يحمل بنوداً داعمة لتمكين البلديات من جذب الاستثمارات التي تعد المحرك الأساسي للاقتصاد. 
ولتحقيق غاية التمويل المناخي، اشترط العزام إحداث ثورة في "دليل الاحتياجات" لينتقل من المطالب الخدمية التقليدية إلى المرونة المناخية. 
وقدم شرحاً مفصلاً لفكرته بأنه من الواجب إدراج بنود مثل استبدال مشاريع تصريف المياه التقليدية بمشاريع "إدارة مياه الأمطار والحصاد المائي الحضري"، وتحويل بنود إنارة الشوارع إلى "الإنارة الذكية ومحطات الطاقة المتجددة"، واستبدال الطمر العشوائي بمشاريع "الاقتصاد الدائري وفرز النفايات"، فهذه التعديلات تحول الدليل إلى "وثيقة استثمارية جاذبة للممولين".
ويعد حصول بنك تنمية المدن والقرى على اعتمادية صندوق المناخ الأخضر كأول مؤسسة مالية للوصول المباشر في الأردن والشرق الأوسط  "إنجاز مفصلي"، إذ سيسمح للبنك بالحصول مباشرة على منح وقروض ميسرة تتراوح قيمتها بين 50 و250 مليون دولار لتمويل المشاريع المناخية، بحسبه.
ويتزامن هذا الإنجاز، وفقه، مع الخطوة الاستراتيجية المتمثلة باختيار الأردن لاستضافة المكتب الإقليمي للصندوق، الأمر الذي سيحول عمّان إلى" مركز إقليمي لتنسيق الجهود، وتسهيل تدفق التمويل المناخي، ودعم تنفيذ المشاريع".
وأما بخصوص الشق المتعلق بهيكلة بنك التنمية، فقد قام سابقاً بإجراء إصلاحات وإعادة هيكلة مؤسسية شاملة؛ إذ أكمل تنفيذ مشروع تحول رقمي متكامل، بحد قوله. 
والى جانب ذلك أقر البنك منظومة سياسات مؤسسية احترازية فائقة الصرامة لتلبية المعايير الدولية، شملت سياسة الإجراءات البيئية والاجتماعية، وسياسة النوع الاجتماعي، إلى جانب سياسات منع الفساد والاحتيال، ليغدو البنك اليوم "مؤسسة عصرية مؤهلة تماماً لقيادة هذا التحول"، كما يصفها اليوم العزام.
ويتابع قائلاً: "المشاريع المناخية ليست عبئاً، بل هي من أبرز الحلول للعجز المالي، فعلى سبيل المثال، تعمل مشاريع كفاءة الطاقة والإنارة الذكية على خفض فواتير الكهرباء بشكل هائل، الأمر الذي يحرر سيولة نقدية فورية للبلدية". 
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بحد قوله، بل إن مشاريع فرز وتدوير النفايات تحول قطاع النظافة من قطاع مستنزف للموازنة إلى مصدر للدخل. 
ولتعزيز ذلك، نوه الى أن قانون البنك جرى تعديله ليسمح بتمويل مشاريع الشراكة بين البلديات والقطاع الخاص، وهو ما يتيح للبلديات إيجاد مصادر دخل إضافية تنعكس "إيجاباً على تحسين الخدمات من دون مراكمة ديون جديدة". 
واقترح حزمة من المشاريع ذات الأولوية القصوى التي يجب أن تتجه إليها البلديات، وأبرزها الحلول القائمة على الطبيعة وتلك المعنية بالانتقال الطاقي، وتتضمن كفاءة الطاقة في المباني البلدية ومحطات الطاقة الشمسية. 
ومن بين مقترحاته كذلك تنفيذ مشاريع الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات؛ حيث يمكن للبلديات الكبرى بناء مصانع متكاملة لفرز النفايات تضمن لها عوائد مالية، وتخفف من البطالة بتشغيل الأيدي العاملة. 
ولفت الى مشروعات التكيف مع ندرة المياه تعد ضرورة ملحة، مثل إنشاء آبار التجميع وشبكات الحصاد المائي الحضري للتصدي لمخاطر السيول والفيضانات الومضية.