أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    18-May-2026

بين المسموح والممنوع لأغذية الأطفال.. تعدد الجهات الرقابية يربك التجار

 الغد-منى أبو حمور

 فيما تتم جولات تفتيشية على محال بيع سكاكر ومواد غذائية خاصة بالأطفال والمراهقين، تنفذها أكثر من جهة رقابية رسمية، يتكشف واقع يظهر تعدد هذه الرقابات على الأسواق، لا سيما وأن هناك مواد تدخل إلى السوق عبر المنافذ الحدودية، وسرعان ما يروج لها على أنها صحية وآمنة، لكن تأتي جهات رقابية فتتلف أنواعا منها أو تسحبها من الأسواق، أو تغلق المنشآت التي تتاجر بها، ما يتناقض مع ما يروج له حول سلامة هذه المواد، وعدم ضبطها لحظة دخولها للسوق.
 
 
وخلال جولات رقابية نفذتها المؤسسة العامة للغذاء والدواء منذ بداية العام الحالي، أتلفت مواد غذائية مخالفة، وأغلقت منشآت عديدة، بعد ضبط مخالفات فيها وصفت بـ"الحرجة"، بينما أكدت المديرة العامة للمؤسسة رنا عبيدات، أن عملية "الإتلاف لا تجري إلا بعد إثبات عدم صلاحية تلك المواد الغذائية للاستهلاك".
ففي أحد أسواق عمان الشعبية، يقول صاحب محل حلويات وسكاكر، رفض نشر اسمه إن "الرقابة تأتي من أكثر من جهة، وكل جهة تطلب شيئًا مختلفًا"، مضيفًا "أحيانًا تُسحب منتجات من السوق برغم أنها دخلت أصلًا على نحو نظامي". بينما يشير صاحب "سوبرماركت" في مدينة الزرقاء، إلى أن بعض السكاكر المستوردة "تصل مزينة بملصقات جاذبة للأطفال وادعاءات تسويقية مضللة، دون وضوح الجهة التي تتحمل مسؤولية الرقابة عليها".
وخلال حملات تفتيشية أخرى، أعلنت "الغذاء والدواء"، إتلاف أطنان من المواد الغذائية غير الصالحة، وضبط مخالفات، شملت مواد منتهية الصلاحية وعصائر مجهولة المصدر، ومشاغل حلويات غير ملتزمة بالشروط الصحية.
وبرغم اتساع المنظومة الرقابية بين المؤسستين: العامة للغذاء، والمواصفات والمقاييس، ودائرة الجمارك الأردنية ووزارات: الصناعة والتجارة والتموين، والصحة، والبلديات، يطرح استمرار ضبط هذه المخالفات تساؤلات حول ما إذا كان تعدد الجهات الرقابية، يشكل حماية إضافية للمستهلك، أم ثغرة تسمح بمرور أغذية قد تهدد الصحة، كما تحمل رسائل تسويقية مضللة، بخاصة تلك الموجهة إلى الأطفال.
تهديد المنظومة السلوكية 
لم تقتصر المخالفات التي ضبطتها "الغذاء والدواء" على الجوانب الصحية فقط، بل امتدت إلى منتجات اعتُبرت مهددة للمنظومة التربوية والسلوكية للأطفال. إذ سحبت المؤسسة في فترات سابقة، أنواعًا من السكاكر والحلوى صُممت بأشكال تحاكي علب السجائر وأدوات التدخين، وذلك بعد تحذيرات تربويين وأهالٍ اعتبروا بأنها تروّج بصورة غير مباشرة، لسلوكيات ضارة، وتُطبِّع أطفالا على قبول مشاهد التدخين، بينما يفترض أن يتسم سلوكهم وغذاؤهم بالأمان الصحي والتربوي. 
"الغذاء والدواء" أكدت حينها، أن تداول مثل هذه المنتجات، مخالف جراء ما تحمله من رسائل سلوكية وتربوية مضللة، وتسويقها لفئات عمرية صغيرة عبر أشكال وألوان جاذبة للأطفال مضلل وخطر، ما أعاد طرح تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن مراقبة، ليس فقط سلامة المنتج الغذائي، وإنما أيضًا الرسائل والقيم التي يروّج لها في الأسواق.
وفي ردها على أسئلة "الغد"، نفت "المواصفات والمقاييس"، على لسان ناطقها الإعلامي سالم الجبور، أن يكون لها دور رقابي مباشر على المنتجات الغذائية، مؤكدًا "أن لا دور للمؤسسة في الرقابة على المنتجات الغذائية"، ومشيرًا إلى أن الأسئلة المتعلقة بتضارب الصلاحيات أو وصول منتجات غير مطابقة إلى الأسواق، "يمكن توجيهها إلى الجهات الرقابية المعنية بالمنتجات الغذائية".
وبشأن المسؤولية عن سلامة المواصفات، أوضح الجبور، أن المواصفة القياسية الأردنية "أداة أساسية تتسم بالدقة والموثوقية، لضمان جودة وسلامة المنتجات الوطنية والمستوردة، وحماية صحة المستهلك"، مؤكدًا أن إعداد المواصفة يجري وفق أفضل الممارسات الدولية وفي إطار لجان فنية، تضم جهات معنية، إلى جانب مراجعتها على نحو دوري، لضمان توافقها مع المستجدات الدولية والإقليمية.
وأكد الجبور أن "أي منتج مطابق للمواصفة القياسية المعتمدة، يعتبر آمنًا ومستوفيًا لمتطلبات السلامة والجودة، ولا يحمل معلومات مضللة"، لكنه أشار إلى أن "المقاييس والمواصفات"، لا تمتلك إحصائيات حول حالات عدم المطابقة التي تكتشف بعد دخول المنتجات للأسواق، باعتبار أنها "ليست الجهة الرقابية على المنتجات الغذائية"، كما لا تملك صلاحية سحب المنتجات المخالفة.
تعدد الرقابات 
وبرغم أن "المواصفات والمقاييس"، تؤكد أن المنتج المطابق للمواصفة "آمن وخالٍ من التضليل"، إلا أنها تنفي امتلاكها أي صلاحيات رقابية أو إحصائية، تتعلق بمتابعته بعد دخوله إلى الأسواق، ما يثير تساؤلات حول الجهة التي تتحقق فعليًا من استمرار مطابقة المنتجات للمواصفات المعتمدة.
وعلى الحدود والمعابر، تتداخل أدوار الجمارك مع الجهات الرقابية الأخرى في التعامل مع الأغذية المستوردة، إذ تمر المواد الغذائية بإجراءات جمركية قبل إخضاعها لرقابة "الغذاء والدواء"، والفحوصات الفنية المرتبطة بالمواصفات والقواعد المعتمدة للكشف عن سلامة المنتج.
وتشير تعليمات الرقابة على الغذاء، إلى أن عمليات التفتيش وسحب العينات، تجري في المراكز الجمركية، بالتنسيق مع الجهات المختصة، بينما تعتمد إجراءات الفحص على نظام تصنيف للمخاطر وتدقيق للوثائق والشحنات المستوردة.
إلا أن هذا التشابك في الإجراءات، يفتح باب التساؤلات حول الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية عند دخول منتجات مخالفة أو مضللة إلى الأسواق، بخاصة مع استمرار ضبط مواد غذائية غير مطابقة للمواصفة بعد وصولها للمستهلك، إلى جانب دخول منتجات عبر طرود فردية أو عن طريق مسافرين، وهي قنوات يعتبرها تجار ومستوردون "منطقة رمادية"، تقع بين صلاحيات الجمارك والجهات الرقابية الأخرى.
ووفق قانون الرقابة على الغذاء، تعتبر "الغذاء والدواء"، هي "الجهة الوحيدة المختصة بالرقابة على الغذاء المحلي والمستورد في جميع مراحل تداوله"، بينما يقتصر دور الجمارك على الإجراءات الحدودية والتنظيمية، المرتبطة بدخول الشحنات وإحالتها إلى الجهات المختصة بالفحص والرقابة الفنية.
 
Image1_5202617214859346757616.jpg
 
تداخل في الأدوار
في المقابل، أوضحت وزارة الصناعة لـ"الغد"، أن دورها يرتبط بتنظيم السوق ومتابعة الالتزام بالتشريعات التجارية وحماية المستهلك، بينما تتولى جهات أخرى الجوانب الفنية والرقابية المعنية بسلامة الغذاء ومطابقته للمواصفات.
وأشارت الوزارة إلى أن الرقابة على المنتجات الغذائية تجري عن طريق منظومة، تضم عدة جهات رسمية، من بينها "الغذاء والدواء" و"الصحة"، كل ضمن اختصاصه، ما يفرض تنسيقًا مستمرًا بين المؤسسات المعنية.
ويعيد هذا التداخل في الأدوار، طرح تساؤلات حول حدود المسؤولية بين الجهات المختلفة، بخاصة في القضايا المتعلقة بالمنتجات الغذائية المخالفة أو المضللة التي تصل إلى الأسواق، برغم تعدد مستويات الرقابة.
ويرى تجار وأصحاب محال التقتهم "الغد"، أن اختلاف المرجعيات الرقابية أحيانًا، يخلق حالة من "تشتت المسؤولية"، بحيث تتوزع إجراءات المتابعة بين أكثر من جهة دون وضوح الجهة التي تتحمل القرار النهائي عند وقوع المخالفة.
وفيما تؤكد الوزارة أن حملاتها الرقابية تركز على ضبط المخالفات التجارية والغش والتلاعب بالأسعار والبيانات، تبقى الرقابة على سلامة المنتج نفسه ورسائله التسويقية، موزعة بين مؤسسات متعددة، في مشهد قد يخلق فجوات، تسمح بمرور منتجات تحمل مخاطر صحية، أو رسائل مضللة للمستهلكين، بخاصة الأطفال.
وفي ردها على استفسارات "الغد"، أكدت "الغذاء والدواء"، أن الرقابة الغذائية تخضع لمنظومة رقابية تكاملية محددة، بموجب التشريعات النافذة، وأن المؤسسة هي الجهة المرجعية الوطنية الرئيسة بشأن سلامة الغذاء ومتابعة تداول المنتجات الغذائية في الأسواق المحلية، استنادًا إلى قانون الغذاء رقم 30 لسنة 2015 وتعديلاته.
وأضافت المؤسسة، أن دورها يتكامل مع شركاء آخرين، من بينهم "المواصفات والمقاييس" و"الصناعة والتجارة" والزراعة"، استنادًا إلى قانون الرقابة والتفتيش على الأنشطة الاقتصادية رقم 33 لسنة 2017، الذي ينص على تحديد صلاحيات الجهات التنظيمية، ويمنع الازدواجية وتعزيز تبادل المعلومات والعمل المشترك.
إلا أن استمرار ضبط منتجات مخالفة في الأسواق، برغم هذا "التكامل" المعلن بين هذه الجهات، يعيد طرح تساؤلات حول مدى فعالية التنسيق الرقابي على أرض الواقع، بخاصة مع تبادل الجهات المختلفة لمسؤوليات المتابعة والرقابة.
وأكدت "المواصفات والمقاييس"، أن الأدوار الرقابية تنفذ وفق اختصاصات محددة وبالتعاون المشترك، بما يضمن استمرارية الرقابة على السلسلة الغذائية، مع بقاء المرجعية الفنية المتعلقة بسلامة الغذاء لـ"الغذاء والدواء".
وتعتمد "المواصفات والمقاييس"، بحسب ردها، إجراءات رقابية متعددة المراحل تشمل الرقابة على الاستيراد والتصنيع والتداول وسحب العينات الدورية، واتخاذ إجراءات فنية ورقابية متعلقة بمطابقة المنتجات الغذائية للاشتراطات الصحية والفنية وبطاقة البيان، بالإضافة إلى التحقق من الشكاوى الواردة، بينما تتخذ إجراءات قانونية بحق أي منتج يثبت عدم مطابقته.
كما أوضحت بأن الأغذية الواردة عبر المنافذ الحدودية والطرود والوسائل المختلفة، تخضع للرقابة وفق طبيعة المنتج والكميات والتعليمات النافذة، مؤكدة ضبط حالات لمحاولة إدخال أو تداول منتجات غير مرخصة أو غير مطابقة، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وبشأن منتجات "السكاكر على شكل علب سجائر"، أكدت "الغذاء والدواء"، أنها تمنع أي شكل أو تغليف أو رسائل ترويجية، قد تضلل الطفل أو تشجع على سلوكيات ضارة، مشيرة إلى أن إجراءاتها تشمل استهداف المواد المخالفة ومراجعة الوثائق وإجراء فحوصات مخبرية، وإحالة المنتجات إلى اللجان الفنية المختصة.
وقالت إنها نفذت العام الماضي، جولات تفتيشية على أسواق السكاكر والحلويات، نتج عنها ضبط وإتلاف كميات من سكاكر المخالفة، من بينها منتجات تحمل أشكالًا مشابهة لعلب السجائر. وفي إحدى القضايا، ضبطت منتج علكة مخالفًا على شكل سجائر داخل سوبرماركت في الرصيفة بمحافظة الزرقاء، ما أدى لإغلاق المنشأة.
وأوضحت في بيان صحفي، أن كوادر الرقابة والتفتيش، نفذت حملات ميدانية للتحري عن المنتج بعد ورود ملاحظات بشأنه، إذ جرى ضبط 17 علبة في المنشأة، وتبين بأن المنتج أُدخل إلى المملكة بطرق غير قانونية عبر التهريب.
وأضافت المؤسسة أنها تحفظت على الكمية المضبوطة، وأغلقت السوبرماركت وأحالت صاحب العلاقة إلى النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكدة استمرار عمليات المتابعة للتحقق من خلو السوق المحلي من المنتج.
من جهته، يؤكد الخبير التربوي عايش النوايسة، أن مثل هذه المنتجات "تبني سلوكًا استهلاكيًا سلبيًا وجاذبًا وخطرًا على الأطفال"، موضحًا بأن الأطفال والمراهقين يميلون بطبيعتهم إلى تقليد الكبار وتقمص سلوكياتهم.
ويضيف أن الطفل حين يشتري سكاكر على شكل علبة سجائر أو أدوات تحاكي سلوكيات ضارة، فإنه يقع بصورة مباشرة في عملية "تطبع" مع هذه السلوكيات، ما قد يعزز لديه لاحقًا تقبل التدخين أو غيره من السلوكيات الخطرة.
ويشدد النوايسة على أن الأصل هو "منع وتحريم تداول هذه المنتجات تشريعيًا وقانونيًا وتربويًا"، معتبرًا بأن الأجدى هو منع إنتاجها أو إدخالها إلى الأسواق بدلًا من الاكتفاء بسحبها بعد تداولها، بخاصة أنها تستهدف الأطفال على نحو مباشر.
ويلفت إلى أن هذه المنتجات، تتعارض مع برامج التوعية التي تنفذها الدولة لمحاربة التدخين، محذرًا من أن بعض أساليب الترويج الحديثة، قد تستخدم بطرق خفية تؤثر على الأطفال والمراهقين وتدفعهم تدريجيًا نحو سلوكيات خطرة.
خارج القنوات الرسمية 
وكانت "الغذاء والدواء" حذرت سابقًا من منتج حلوى على شكل سجائر، مؤكدة أنه غير مرخص ولا يسمح بتداوله، وأنه دخل إلى السوق بطرق غير قانونية خارج القنوات الرسمية المعتمدة.
كما شددت الرقابة على المعابر الحدودية لمنع إدخال هذه المنتجات، مشيرة إلى أن المنتجات التي تحمل دلالات ترويجية للتدخين، أو منتجات التبغ، ممنوعة من التداول والعرض بموجب قانون الصحة العامة رقم 47 لسنة 2008 وتعديلاته، ويعاقب كل من يثبت تورطه بتداولها وفق أحكام القانون.
وفي وقت تؤكد فيه كل جهة أنها تعمل ضمن حدود اختصاصها، تبقى المنتجات المخالفة والمضللة قادرة على الوصول إلى رفوف الأسواق وأيدي الأطفال، لتكشف أن الخلل لا يكمن فقط بوجود المخالفة، بل بضياع المسؤولية بين تعدد المرجعيات الرقابية. 
فبين جهة تضع المواصفة، وأخرى تفحص، وثالثة تراقب، ورابعة تنظم السوق، تتشكل فجوات تسمح بمرور منتجات لا تهدد الصحة العامة حسب، بل تمتد آثارها لتشكيل سلوكيات متدنية لدى الأطفال والمراهقين.
وبرغم الحديث الرسمي عن "تكامل الأدوار" ومنع الازدواجية، تظهر الوقائع الميدانية والتصريحات المتباينة، فإن المستهلك ما يزال يواجه منظومة رقابية تتقاطع فيها الصلاحيات أكثر مما تتوحد فيها المسؤوليات. 
وفي ظل استمرار ضبط سكاكر على شكل سجائر ومنتجات دخلت بطرق غير قانونية أو حملت رسائل مضللة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت كل جهة مسؤولة جزئيًا، فمن إذ يتحمل المسؤولية كاملة عندما يصل الخطر إلى المستهلك؟