أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    30-Jul-2026

الممرات الاقتصادية.. فرصة الأردن للانتقال لمركز إقليمي للتجارة

 دعوات لتطوير شبكة تربط ميناء العقبة بالسكك الحديد

 
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
 
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها خريطة التجارة العالمية، لم تعد الممرات الاقتصادية مجرد مسارات لنقل البضائع، بل أصبحت أدوات إستراتيجية لإعادة تشكيل حركة التجارة العالمية والاستثمار وسلاسل الإمداد بين القارات، وسط توجه متزايد من الدول لتنويع طرق النقل وتقليل مخاطر الاعتماد على ممرات محددة.
وفي خضم هذه المتغيرات، يبرز الأردن أمام فرصة إستراتيجية لتعظيم الاستفادة من موقعه الجغرافي وتحويله إلى منصة اقتصادية ولوجستية ذات تأثير إقليمي، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب اقتصادية مستدامة يطرح تساؤلات حول جاهزية المملكة، وحجم الاستثمارات والإصلاحات المطلوبة لترسيخ موقعها كمركز لوجستي وتجاري، والعوائد المحتملة على الصادرات والصناعة والنمو الاقتصادي.
إجماع اقتصادي: الموقع 
وحده لم يعد كافيا
أجمع خبراء اقتصاديون على أن الأردن يمتلك فرصة تاريخية للانتقال من مجرد نقطة عبور إلى منصة اقتصادية ولوجستية متكاملة، من خلال الاستفادة من الممرات الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الربط الأردنية–السورية–التركية، إلى جانب المبادرات الإقليمية الأخرى.
وأكد الخبراء، في تصريحات لـ"الغد"، أن الموقع الجغرافي لم يعد يشكل ميزة اقتصادية بحد ذاته، بل أصبحت القيمة الحقيقية ترتبط بما يحيط به من بنية تحتية متطورة، وسياسات اقتصادية فعالة، وكفاءة تشغيلية عالية، مشددين على ضرورة بناء منظومة متكاملة تحول الأردن من دولة عبور إلى دولة تقدم خدمات لوجستية وصناعية ذات قيمة مضافة.
بنية تحتية حديثة شرط
 أساسي للاستفادة
ويرى الخبراء أن تعظيم الاستفادة من الممرات الاقتصادية يتطلب تطوير شبكة متكاملة تربط ميناء العقبة بالسكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية والموانئ البرية والمعابر الحدودية، بالتوازي مع رقمنة الإجراءات الجمركية، وتطبيق نظام النافذة الواحدة، وتوسيع خدمات التخزين وسلاسل التبريد، وتحسين الربط البحري المباشر.
كما شددوا على أهمية إنشاء جهة وطنية موحدة تتولى تنسيق مشاريع الممرات الاقتصادية، إضافة إلى بناء شراكات تمويلية تجمع القطاعين العام والخاص والمؤسسات المالية الدولية.
خفض كلف النقل وتعزيز تنافسية الصناعة
ولفت الخبراء إلى أن أبرز المكاسب المتوقعة من الانخراط في الممرات الاقتصادية تتمثل في خفض كلف الشحن والنقل، وتقليص زمن وصول البضائع، وضمان استدامة سلاسل الإمداد خلال الأزمات، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الأردنية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على تنافسية الصناعات الوطنية، خصوصا الصناعات الدوائية والإلكترونيات والصناعات التحويلية.
الإستراتيجيات: الاستثمار في الممرات استثمار في الاقتصاد
وتؤكد ورقة سياسات صادرة عن منتدى الإستراتيجيات الأردني بعنوان "الأردن والممرات الاقتصادية: فرص إستراتيجية في اقتصاد عالمي متغير" أن استفادة المملكة من التحولات العالمية لا ترتبط فقط بمرور خطوط النقل عبر أراضيها، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة للخدمات اللوجستية والتجارة، بما يسهم في توسيع الصادرات الوطنية وخفض كلف الإنتاج.
وترى الورقة أن الممرات الاقتصادية الجديدة، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والمسار الأردني–السوري–التركي، تمنح الأردن فرصة للانتقال من مفهوم "الموقع الجغرافي" إلى "القيمة الاقتصادية"، عبر تطوير دوره كحلقة وصل بين الأسواق الخليجية والآسيوية والأوروبية.
وتقدر الدراسة كلفة الجزء الأردني من مشاريع الربط ضمن هذه الممرات بما يتراوح بين 1.6 و1.8 مليار دولار، مؤكدة أن هذه الاستثمارات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها إنفاقا على قطاع النقل فحسب، وإنما استثمار في قدرة الاقتصاد الوطني على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
5.6 مليار دولار فرص
 تصديرية غير مستغلة
وتشير الدراسة إلى أن تحسين الربط التجاري يمكن أن يمنح الصادرات الأردنية دفعة قوية، في ظل وجود فرص تصديرية غير مستغلة داخل أسواق دول الممر التكاملي تقدر بنحو 5.6 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 41 % من إجمالي الصادرات الأردنية الحالية.
كما ترى أن الممرات الاقتصادية تمثل فرصة لمعالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة الوطنية والمتمثل في ارتفاع كلف النقل والشحن، إذ تشكل هذه الكلف نحو 28 % من إجمالي الكلف الخدمية للصناعة، في وقت تعتمد فيه المصانع الأردنية على استيراد نحو 80 % من مدخلات الإنتاج.
ووفقا للتقديرات الدولية، فإن تطوير الممرات الاقتصادية قد يسهم في خفض كلف النقل بنحو 30 %، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص الكلف الخدمية للصناعات الوطنية بنحو 9 % إذا انتقلت آثار هذا الانخفاض بالكامل إلى القطاعات الإنتاجية، بما يعزز تنافسية الشركات الأردنية ويدعم توسعها في الأسواق الخارجية.
المطلوب إستراتيجية وطنية متعددة الممرات
واعتبر مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن التحولات الجارية في التجارة العالمية تمثل فرصة مهمة أمام الأردن لتحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية، شريطة الانتقال من التعويل على الموقع وحده إلى بناء إستراتيجية وطنية متعددة الممرات.
وأكد أن مصلحة الأردن تكمن في الاستفادة من مختلف المسارات التجارية واللوجستية والطاقوية والرقمية، وعدم الارتهان لممر واحد أو الانخراط في الاستقطابات السياسية والإستراتيجية بين القوى الراعية لهذه المشروعات، تجنبا لتحمل كلف سياسات اقتصادية ليس طرفا فيها.
وأوضح أن تحويل الأردن إلى مركز لوجستي إقليمي يتطلب تطوير شبكة متكاملة تربط ميناء العقبة بشبكات السكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية والموانئ البرية والمعابر الحدودية، إلى جانب رقمنة الجمارك، وتطبيق النافذة الواحدة، وتوسيع خدمات التخزين وسلاسل التبريد، وتحسين الربط البحري المباشر، فضلا عن إنشاء جهة وطنية موحدة للتنسيق، وبناء شراكات تمويلية تضم القطاعين العام والخاص والمؤسسات الدولية.
وأشار عوض إلى أن الفرص التصديرية غير المستغلة داخل أسواق الممر التكاملي تعكس قدرة قطاعات الأدوية والأسمدة والفوسفات والبوتاس والصناعات الغذائية والكيماوية والهندسية على التوسع، إلا أن استثمار هذه الفرص يتطلب سياسات صناعية وتصديرية واضحة، وتحسين الجودة والتسويق، وربط الشركات الأردنية بسلاسل القيمة العالمية.
وأضاف أن خفض كلف النقل والشحن سينعكس مباشرة على تقليل كلف الإنتاج، وتحسين هوامش الربح، وتعزيز تنافسية الصادرات، ورفع قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد، بما يجعل الممرات الاقتصادية أداة لتعزيز المنعة الاقتصادية وليس مجرد مشاريع نقل وعبور.
الانتقال من "العبور" إلى "المنصة" ضرورة اقتصادية
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الأردن يمتلك فرصة تاريخية للتحول إلى منصة اقتصادية ولوجستية متكاملة من خلال الاستفادة من الممرات الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الربط الأردنية–السورية–التركية، إلى جانب المبادرات الإقليمية الأخرى.
وقال إن اغتنام هذه الفرصة يتطلب تبني سياسة اقتصادية تحويلية ترتكز على الاستثمار في البنية التحتية، وخفض كلف النقل والشحن، وتعزيز القطاعات التصديرية الواعدة، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، مؤكدا أن المطلوب هو الانتقال من مفهوم "العبور" إلى مفهوم "المنصة" التي تقدم خدمات لوجستية وصناعية واستثمارية متكاملة.
وشدد عايش على أن عامل الوقت أصبح حاسما، إذ ما تزال العديد من المشاريع في مرحلة الدراسات والتخطيط، بينما يحتاج الأردن إلى تسريع التنفيذ واستقطاب التمويل والاستثمارات، وإنشاء جهة وطنية عليا تشرف على مشاريع الممرات الاقتصادية وتنسق تنفيذها.
وأضاف أن خفض كلف الشحن يمثل أحد أبرز المكاسب المنتظرة، إذ تشكل هذه الكلف نحو 28 % من الكلف الخدمية للصناعات الأردنية، فيما تشير التقديرات إلى إمكانية تقليص زمن النقل بنسبة تتراوح بين 40 و50 %، وخفض كلف النقل بنحو 30 %، الأمر الذي يعزز تنافسية الصناعات الأردنية، وخاصة الصناعات الدوائية والإلكترونيات والصناعات التحويلية.
وأوضح أن القطاعات الأكثر استفادة من هذه الممرات تشمل الصناعات التعدينية والكيماوية، والأدوية، والزراعة، وقطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية، مؤكدا أن الأردن يمتلك المقومات اللازمة ليصبح مركزا إقليميا للخدمات اللوجستية والتقنية إذا ترافقت مشاريع البنية التحتية مع تطوير الكفاءات البشرية، والرقمنة، وتحديث المعابر الحدودية، وتحسين الإجراءات الجمركية.
وأكد أن نجاح الأردن في استثمار الممرات الاقتصادية يتطلب تنويع مسارات الربط الإقليمي، وتعزيز الشراكات مع دول الخليج وأوروبا وآسيا، بما يحول المملكة إلى نقطة تقاطع إستراتيجية بين الممرات التجارية العالمية ومركز إقليمي للتوزيع والتخزين والصناعات التحويلية.
القيمة في الخدمات لا في الموقع
من جهته، أكد عضو غرفة صناعة عمان، موسى الساكت، أن الموقع الجغرافي لم يعد يشكل ميزة اقتصادية بحد ذاته، وإنما أصبحت القيمة ترتبط بالبنية التحتية والسياسات وكفاءة التشغيل.
وأوضح أن الأردن يقع في قلب المنطقة، لكنه يحتاج إلى التحول من دولة عبور إلى دولة تقدم خدمات ذات قيمة مضافة، من خلال ربط ميناء العقبة بشبكة سكك حديدية حديثة، وإنشاء مناطق صناعية ولوجستية متخصصة، وتطوير المعابر الحدودية وربطها بمنظومة جمركية رقمية متطورة.
وأشار إلى أن الاضطرابات الإقليمية المتكررة تستدعي تبني إستراتيجية متعددة الممرات، بما يتيح للأردن الاستفادة من مختلف المبادرات الإقليمية والدولية، وتنويع الأسواق، وتقليل المخاطر الجيوسياسية، وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف الربط البحري المباشر، ومحدودية الخدمات اللوجستية المتقدمة، وغياب جهة وطنية موحدة تقود ملف الممرات الاقتصادية وتنسق بين المؤسسات المختلفة.
وأكد الساكت أن الأردن يمتلك قاعدة صناعية قادرة على المنافسة، خاصة في الصناعات الدوائية والأسمدة والكيماويات والصناعات الغذائية والهندسية، إضافة إلى قطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات.
وأوضح أن الصادرات الأردنية لا تعاني من ضعف جودة المنتج بقدر ما تواجه تحديات تتعلق بارتفاع كلف الوصول إلى الأسواق، وارتفاع تكاليف النقل، وطول زمن الشحن، وضعف التسويق الدولي، وعدم الاستفادة الكاملة من اتفاقيات التجارة الحرة، مستشهدا بالعجز الكبير في الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي.
وشدد على أن تطوير الخدمات اللوجستية يجب أن يتزامن مع سياسة صناعية تستهدف زيادة الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، وليس فقط رفع أحجام التصدير.
ولفت إلى أن اعتماد الصناعة الأردنية على مدخلات إنتاج مستوردة يجعل كلف النقل تؤثر مرتين؛ الأولى عند استيراد المواد الخام، والثانية عند تصدير المنتج النهائي، مبينا أن نجاح الممرات الاقتصادية في خفض كلف الشحن بنحو 30 % سينعكس مباشرة على انخفاض الكلف الخدمية للصناعة بنحو 9 %، وهو ما يمثل فارقا كبيرا في بيئة المنافسة الدولية.
 
 
 
واختتم الساكت بالتأكيد على ضرورة تركيز السياسات الاقتصادية على إنشاء مناطق صناعية ولوجستية مرتبطة بالممرات، وتحفيز الصناعات التصديرية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية الموجهة للأسواق الإقليمية والعالمية، وتطوير الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات قطاع الخدمات اللوجستية، إلى جانب تأسيس مجلس وطني للربط الاقتصادي يتولى قيادة هذه الرؤية وضمان تكامل مشاريع النقل والطاقة والصناعة والاستثمار.