أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    29-Aug-2026

النقل العام يغير المعادلة.. استثمار في الوقت وكلفة المعيشة وربط المحافظات

 الغد-محمود خضر الشبول

 بالنسبة إلى آلاف الأردنيين الذين يتنقلون يوميا بين المحافظات، لم تعد رحلة النقل العام مجرد وسيلة للوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من تفاصيل الحياة اليومية، بما تحمله من انعكاسات مباشرة على الوقت والكلفة ومستوى الراحة، وبالتالي على قدرة الأفراد والأسر على إدارة نفقاتهم والتزاماتهم اليومية.
 
 
فالوقت الذي يتم اختصاره على الطريق لا يمثل مجرد دقائق إضافية في يوم المواطن، بل يتحول اقتصاديا إلى وقت يمكن استثماره في العمل أو الدراسة أو الراحة أو رعاية الأسرة، فيما يؤدي خفض كلفة التنقل إلى تخفيف بند متزايد الأهمية من النفقات الشهرية للأسر، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات المالية.
من هنا، بات تطوير النقل العام في الأردن يتجاوز مفهوم تحسين وسيلة مواصلات إلى كونه جزءا من البنية الاقتصادية والخدمية التي تؤثر في حركة العمالة والطلبة والمرضى والمراجعين، وتدعم قدرة المواطنين على الوصول إلى فرص العمل والخدمات الأساسية في مختلف مناطق المملكة.
وعلى مدار سنوات طويلة، ارتبط التنقل بين المحافظات بمشاهد أصبحت مألوفة لدى المستخدمين؛ انتظار طويل إلى حين امتلاء الحافلة، وازدحام داخل المركبات، وتعدد وسائل النقل للوصول إلى الوجهة النهائية، إلى جانب التعامل النقدي ومشكلة "الفكة"، وما يرافق ذلك من تفاوت في أوقات الانطلاق والوصول وصعوبة بناء جدول يومي مستقر.
غير أن تطوير خدمات النقل المنتظم خلال العامين الماضيين بدأ في تغيير جانب من هذه الصورة، مع إدخال حافلات حديثة وأنظمة دفع إلكتروني ومسارات أكثر تنظيما، إلى جانب التوسع التدريجي في الربط المباشر بين المحافظات، وفق ما تؤكده تجارب مستخدمين التقتهم "الغد".
الوقت يتحول إلى مكسب اقتصادي
إيمان السعودي، التي تستخدم الباص السريع بشكل شبه يومي بين الزرقاء وعمان والسلط، تقول إن أبرز ما لمسته من التطور في الخدمة هو استعادة جزء من وقتها الذي كان يهدر في الطريق.
وتوضح أن الرحلة التي كانت تستغرق نحو ساعتين أصبحت تُقطع خلال قرابة ساعة إلا ربعا، وهو فارق زمني يمنحها وقتا إضافيا للعمل والراحة ومتابعة شؤونها اليومية.
ورغم أن اختصار الرحلة بنحو ساعة قد يبدو للوهلة الأولى مكسبا شخصيا، فإن أثره الاقتصادي يصبح أكبر عند النظر إلى عدد المستخدمين وتكرار الرحلات بصورة يومية؛ إذ إن توفير الوقت في وسائل النقل يرفع من كفاءة استخدام وقت المواطنين، ويقلل من الساعات غير المنتجة التي يقضونها في التنقل.
وترى أن تعميم هذه التجربة على مختلف خطوط النقل العام في المملكة سيشكل نقلة مهمة للمستخدمين، خصوصا أن جودة الخدمة لا ترتبط بسرعة الحافلة وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل انتظام الرحلات وسهولة الدفع والراحة والأمان وإمكانية الاعتماد على مواعيد واضحة.
انتظام الرحلات يعيد تنظيم يوم المواطن
أما هدى الزعاترة، فتصف تجربة استخدام الحافلات الحديثة بأنها أكثر تنظيما وسلاسة مقارنة بالنقل التقليدي، موضحة أن البطاقات الذكية اختصرت وقت الصعود إلى الحافلات، فيما ساهم التزام الحافلات بمواعيد الانطلاق والوصول في مساعدتها على تنظيم يومها بصورة أفضل.
وتقول إن المسارات المخصصة للحافلات خففت من أثر الازدحامات المرورية على زمن الرحلة، إلا أن ذلك لا يلغي وجود بعض التحديات، وأبرزها الازدحام الذي تشهده بعض الخطوط خلال ساعات الذروة، والحاجة إلى زيادة عدد الرحلات لتلبية الطلب المتزايد.
وهنا تبرز إحدى أهم القضايا الاقتصادية في تطوير النقل العام، وهي أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بعدد الحافلات التي تم تشغيلها أو عدد الرحلات المنفذة، وإنما بقدرته على الاستجابة للطلب الفعلي في أوقات الذروة.
فزيادة الطلب على خطوط معينة قد تكون مؤشرا إيجابيا على ارتفاع ثقة المواطنين بالنقل العام، لكنها في الوقت نفسه تفرض على المشغلين والجهات المنظمة ضرورة إعادة توزيع الرحلات والحافلات بما يتناسب مع أنماط الاستخدام، لتجنب تحول نجاح الخط إلى مصدر ازدحام جديد داخله.
"مادبا- عمان".. خفض الكلفة وتعزيز الاعتماد على النقل العام
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى الطالبة الجامعية أميرة أيوب، التي تعتمد على خط مادبا- عمان بشكل شبه يومي للوصول إلى جامعتها. وتؤكد أن تشغيل الباص السريع بين المدينتين وفر عليها وقتا وجهدا كبيرين، وساهم في تقليل تكاليف التنقل مقارنة بوسائل النقل الأخرى. وتضيف أن سهولة الدفع الإلكتروني ووجود حافلات حديثة أكثر أمانا وتنظيما عززا ثقتها باستخدام النقل العام، كما أسهما في الحد من مشكلات كانت شائعة سابقا، مثل تحميل أعداد زائدة من الركاب داخل المركبات.
خط مباشر يختصر المسافة على المرضى والمراجعين
وفي مجمع الشمال، ينتظر محمود الكفيري، وهو موظف متقاعد، موعد انطلاق الحافلة المتجهة إلى المدينة الطبية في عمان.
بالنسبة إليه، لا تتعلق أهمية الخدمة بالراحة فقط، وإنما بالكلفة أيضا، إذ كان الوصول إلى وجهته يتطلب سابقا استخدام أكثر من وسيلة نقل، ما يرفع النفقات ويطيل زمن الرحلة.
ويقول إن تشغيل خط مباشر بين إربد والمدينة الطبية سهّل تنقل المرضى والمراجعين القادمين من شمال المملكة، لكنه يرى أن الاستفادة ستكون أكبر إذا توسعت الخدمة لتشمل مزيدا من الألوية والقرى، مع توفير مظلات ومرافق انتظار تليق بالمواطنين.
وهذه النقطة تحمل بعدا اقتصاديا واجتماعيا مهما؛ فالوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية لا يمثل رحلة اعتيادية بالنسبة إلى المرضى والمراجعين، وقد تكون الحاجة إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل عبئا ماليا إضافيا على الأسر، خصوصا عندما تتكرر الرحلات نتيجة المراجعات الطبية.
وتبرز هنا أهمية مفهوم "الربط المتكامل" في النقل العام، فوجود خط رئيس سريع ومنتظم لا يكفي وحده لتحقيق الاستفادة القصوى ما لم تتوافر شبكة تغذية فعالة تربط الأحياء والقرى والألوية بالمحطات والمسارات الرئيسية.
وبمعنى آخر، فإن نجاح النقل العام بين المحافظات يرتبط بقدرته على حل "الرحلة كاملة"، وليس فقط جزء منها.
الدفع الإلكتروني.. خطوة نحو تشغيل أكثر كفاءة
ولا تقتصر آثار التحول في قطاع النقل على الركاب، إذ يرى سائقون عاملون على خطوط النقل المنتظم أن التحول نحو الأنظمة الذكية أسهم في تحسين بيئة العمل وتقليل المشكلات اليومية المرتبطة بالدفع النقدي والخلافات حول "الفكة". ويؤكدون أن تطبيق أنظمة الدفع الإلكتروني على نطاق أوسع سيعزز كفاءة التشغيل ويرفع مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
ولا يمثل الدفع الإلكتروني مجرد وسيلة أكثر راحة للمستخدم، بل يمكن النظر إليه باعتباره جزءا من عملية التحول الرقمي في إدارة قطاع النقل، لما يوفره من إمكانات أكبر لتتبع حركة الاستخدام وفهم الطلب على الخطوط وأوقات الذروة، بما يساعد الجهات المشغلة والمنظمة على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن توزيع الحافلات والرحلات.
كما أن تقليل الاعتماد على النقد يمكن أن يخفف من بعض الإجراءات التشغيلية اليومية ويحد من الوقت الضائع في عملية الدفع داخل الحافلة، الأمر الذي ينعكس في النهاية على سرعة الصعود والانطلاق.
1.6 مليون راكب.. مؤشرات على توسع الطلب
في المقابل، تظهر الأرقام الرسمية حجم التوسع الذي يشهده قطاع النقل بين المحافظات. فبحسب بيانات هيئة تنظيم النقل البري، نقلت المرحلة الأولى من مشروع تطوير النقل بين المحافظات نحو 1.6 مليون راكب خلال عام 2025، عبر أكثر من 139 ألف رحلة، فيما ارتفع عدد الحافلات العاملة إلى 152 حافلة ضمن أربعة مسارات رئيسة تشمل إربد وجرش والبلقاء والكرك، مع تحقيق أداء تشغيلي تجاوز 95 %.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية اقتصادية لأنها تعكس انتقال المشروع من مرحلة التشغيل المحدود إلى خدمة أعداد كبيرة من المستخدمين، كما أن ارتفاع معدل الأداء التشغيلي يشير إلى قدرة المسارات القائمة على الحفاظ على مستوى مرتفع من الانتظام.
المرحلة الثانية توسع شبكة الربط بين المحافظات
ومع بداية شهر آب الحالي، أطلقت الهيئة التشغيل التجريبي للمرحلة الثانية من المشروع، التي شهدت إضافة تسعة مسارات جديدة، منها سبعة مسارات رئيسة تضم خطوط عمان- معان، وعمان- الطفيلة، وعمان- عجلون، إلى جانب خطوط مباشرة بين عدد من المحافظات تشمل إربد- الزرقاء، والزرقاء- المفرق، وجرش- إربد، وجرش- المفرق.
كما تشمل المرحلة مساري الكرك- الزرقاء والكرك- العقبة، على أن يعلن عن موعد تشغيلهما حال استكمال الإجراءات اللوجستية. وبحسب البيانات المعلنة، سيصل إجمالي عدد حافلات المشروع في المرحلتين إلى 357 حافلة، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 13,500 راكب يوميا.
ويعني هذا التوسع أن المشروع لم يعد يركز فقط على تحسين خطوط محددة، وإنما يتجه تدريجيا نحو بناء شبكة نقل أكثر ترابطا بين المحافظات، وهو ما يمكن أن يرفع من سهولة انتقال العمالة والطلبة والمراجعين، ويقلل الاعتماد على السيارات الخاصة ووسائل النقل الفردية في الرحلات الطويلة.
النقل العام كأداة في مواجهة كلفة التنقل
اقتصاديا، تمثل كلفة التنقل أحد البنود التي تؤثر بصورة مباشرة في الدخل المتاح للأسر، خصوصا بالنسبة إلى الموظفين والطلبة الذين يتنقلون بصورة يومية.
وعندما تتطلب رحلة واحدة استخدام وسيلتين أو ثلاث وسائل نقل، فإن إجمالي الكلفة لا يرتفع فقط بسبب تعدد الأجور، وإنما أيضا بسبب الوقت الإضافي الذي تستهلكه عمليات الانتظار والانتقال بين المركبات.
لذلك، فإن توفير خطوط مباشرة ومنتظمة يمكن أن يؤدي إلى خفض الكلفة الإجمالية للرحلة، حتى عندما لا يكون التخفيض في أجرة التذكرة نفسها كبيرا، لأن الوفر يتحقق من خلال تقليل عدد وسائل النقل المستخدمة وتقليص الوقت الضائع.
كما أن تحسين النقل العام يمكن أن يكون عاملا مؤثرا في قرار المواطن بشأن استخدام السيارة الخاصة؛ فكلما أصبحت الحافلة أكثر انتظاما وراحة وأمانا وأقل كلفة، زادت قدرتها على منافسة السيارة الخاصة، خصوصا في الرحلات المتكررة.
ويترتب على ذلك، في حال اتساع نطاق الاستخدام، آثار محتملة على الازدحام واستهلاك الوقود وكلفة التنقل اليومية، إضافة إلى تقليل الضغط على البنية التحتية للطرق.
رؤية التحديث الاقتصادي تضع النقل في قلب التنمية
وتؤكد هيئة تنظيم النقل البري أن المشروع يأتي ضمن تنفيذ إستراتيجيتها للأعوام 2024-2026 ورؤية التحديث الاقتصادي، التي تضع تطوير النقل العام ورفع كفاءته ضمن أولوياتها لتحسين جودة الخدمات وتعزيز الربط بين المحافظات.
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن النقل ليس قطاعا منفصلا عن بقية الاقتصاد؛ فسهولة انتقال الأشخاص تؤثر في سوق العمل، والوصول إلى التعليم، والاستفادة من الخدمات الصحية، وحركة النشاط التجاري والخدمي.
ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار في النقل العام يمكن النظر إليه باعتباره استثمارا في كفاءة الاقتصاد المحلي، لأن تقليص الوقت والكلفة المرتبطين بالتنقل يزيد قدرة الأفراد على الوصول إلى الفرص الاقتصادية والخدمية، ويقلل العوائق الجغرافية أمام الحركة اليومية.
التحدي المقبل.. من نجاح المسارات إلى شمولية الشبكة
وبين الأرقام الرسمية وتجارب المواطنين، يبقى التحدي الأهم أمام مشاريع النقل العام في الأردن هو تحويل النجاحات التشغيلية التي تحققت على بعض المسارات إلى تجربة شاملة تغطي مختلف المحافظات والألوية والقرى، بحيث يصبح النقل العام خيارا يوميا موثوقا للمواطن، لا مجرد بديل محدود في بعض المناطق.
فالتجربة الحالية تظهر أن المواطن يستجيب للخدمة عندما تكون أكثر سرعة وتنظيما وراحة وأقل كلفة، وهو ما تعكسه أعداد الركاب وحجم الاستخدام في المسارات التي شهدت تطويرا.
لكن التوسع العددي في الحافلات والمسارات يجب أن يترافق مع توسع موازٍ في البنية التحتية، وتحسين محطات الانتظار، وتوفير المظلات والمرافق، وضمان الربط بين المناطق الطرفية والمسارات الرئيسة، إلى جانب زيادة الرحلات في أوقات الذروة حيث يتركز الطلب.
كما أن نجاح المرحلة المقبلة سيتطلب مراقبة مستمرة لأنماط الاستخدام، بحيث لا يكون التوسع قائما فقط على عدد السكان أو المسافة بين المدن، وإنما على بيانات فعلية توضح أين يتركز الطلب، ومتى ترتفع أعداد الركاب، وأين يحتاج المواطن إلى رحلات إضافية أو خطوط تغذية.
وفي المحصلة، فإن مستقبل النقل العام في الأردن لن يقاس فقط بعدد الحافلات التي تدخل الخدمة، وإنما بمدى قدرة هذه الحافلات على تغيير تجربة المواطن اليومية بصورة ملموسة.
فكل ساعة يتم اختصارها من رحلة يومية، وكل عملية انتقال يتم الاستغناء عنها، وكل مبلغ يتم توفيره من كلفة التنقل، يمثل مكسبا اقتصاديا واجتماعيا للمواطن.
ومع وصول عدد حافلات المشروع في المرحلتين إلى 357 حافلة، وارتفاع الطاقة الاستيعابية المستهدفة إلى نحو 13,500 راكب يوميا، تبدو المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة منظومة النقل العام على الانتقال من مشاريع وخطوط منفصلة إلى شبكة متكاملة تجعل التنقل بين المحافظات أكثر سهولة وانتظاما، وتمنح المواطن سببا عمليا لاختيار النقل العام باعتباره وسيلة أساسية للحياة اليومية، وليس مجرد خيار بديل عند الحاجة.