من استهلاك المعلومة إلى إنتاجها.. أدوار جديدة للذكاء الاصطناعي
الغد- آلاء مظهر
يفرض الذكاء الاصطناعي على التعليم أسئلة جديدة حول المهارات التي يحتاج إليها الطلبة للاستعداد لعالم تتسارع فيه المعرفة وتتعدد مصادرها وأدوات إنتاجها. فمع سهولة الوصول إلى المعلومات والإجابات، تبرز أهمية تمكين الطلبة من مهارات التفكير والتحليل وحل المشكلات والإبداع، إلى جانب الاستخدام الواعي والمسؤول للتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التعلم، وتنمية مهارات الطلبة، وبناء كفاياتهم للمستقبل، وإعادة صياغة أدوار المدرسة والمعلم والطالب.
ويرى خبراء تربويون أن الطالب في المستقبل لن يكون بحاجة إلى معرفة المعلومات فقط، وإنما إلى امتلاك القدرة على البحث والتحقق والتحليل والمقارنة، وتوظيف المعرفة في مواقف جديدة، واتخاذ القرار عندما لا تكون الإجابة جاهزة، معتبرين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محفزا لهذه النقلة في المنظومة التعليمية.
وبيّنوا، في أحاديثهم المنفصلة لـ"الغد"، أهمية الانتقال بالطالب من كونه متلقيا ومستهلكا للمحتوى إلى منتج له، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في تدريبه على كتابة قصة، أو تصميم مشروع، أو تحليل بيانات، أو ابتكار حلول لمشكلة معينة، بما يسهم في تطوير مهاراته وإمكاناته وقدراته.
إعادة تفكير
وفي هذا الشأن، قال الخبير التربوي فيصل تايه إن الحديث عن دور الذكاء الاصطناعي في بناء مهارات الطلبة للمستقبل ينبغي أن يتجاوز فكرة إدخال أدوات تقنية جديدة إلى الغرفة الصفية، لافتا إلى أن التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي يرتبط بطبيعة المعرفة نفسها، وطرق الوصول إليها وإنتاجها وتوظيفها، ما يستدعي إعادة التفكير في وظيفة المدرسة وما ينبغي أن تركز عليه في ظل وفرة المعلومات وسهولة الوصول إليها.
وأوضح تايه أن المدرسة كانت تاريخيا المكان الذي يحصل فيه الطالب على المعرفة المنظمة، فيما كان المعلم يمثل مصدرا أساسيا للمعلومة، وكانت الكتب والمناهج الوسيلة الرئيسة للوصول إليها، إلا أن الطالب اليوم يعيش في بيئة معرفية مفتوحة تتيح له الوصول إلى كم هائل من المعلومات والتفسيرات والأمثلة والأفكار خلال وقت قصير. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكانه الحصول بصورة شبه فورية على شرح لمفهوم، أو تحليل لمشكلة، أو مقترح لحل، أو نموذج لمشروع.
وأشار إلى أن هذا التحول لا يقلل من قيمة المدرسة، بل يجعل مهمتها أكثر عمقا، إذ لم يعد التحدي الرئيس يتمثل في الوصول إلى المعرفة، وإنما في بناء قدرة الطالب على التعامل معها، مؤكدا أهمية الانتقال بصورة أكثر وضوحا من نموذج يقوم على نقل المعرفة إلى نموذج يركز على بناء الكفايات.
وبيّن أن الطالب في المستقبل لن يكون بحاجة إلى معرفة المعلومات فقط، وإنما إلى امتلاك القدرة على البحث والتحقق والتحليل والمقارنة، وتوظيف المعرفة في مواقف جديدة، واتخاذ القرار عندما لا تكون الإجابة جاهزة، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محفزا لهذه النقلة في المنظومة التعليمية.
وأكد أن التفكير النقدي ينبغي أن يكون في قلب العملية التعليمية خلال المرحلة المقبلة، لأن الطلبة لن يواجهوا نقصا في المعلومات بقدر ما سيواجهون فائضا منها، وقد تكون بعض المعلومات دقيقة، فيما تكون أخرى مضللة أو منقوصة أو خارج سياقها. ومن هنا تبرز أهمية امتلاك الطالب القدرة على التحقق من المصادر، واكتشاف التحيز، وتحليل الحجج، ومقارنة البدائل، واختبار صحة النتائج، بما يعزز قدرته على اتخاذ قرارات سليمة.
دور المعلم
وحول دور المعلم، أكد تايه أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي المعلم، لكنه قد يعيد تشكيل دوره، بحيث يصبح الاقتصار على الدور التقليدي في تقديم المعلومات أقل ملاءمة في ظل توافر المعلومات أمام الطالب من مصادر متعددة.
وأوضح أن أهمية المعلم ستزداد بوصفه موجّها للتعلم، ومصمما للمواقف التعليمية، وميسّرا للحوار، وبانيا للتفكير، ومقوّما للفهم، وداعما لقدرة الطالب على تحويل المعرفة إلى ممارسة.
وأشار إلى أن تطوير مهارات الطلبة للمستقبل يبدأ أيضا من تطوير المعلم نفسه، موضحا أن تدريب المعلم على استخدام منصة أو تطبيق للذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي، وإنما المطلوب مساعدته على إعادة تصميم الموقف التعليمي، بحيث يستخدم الطالب الأداة ثم يناقش نتائجها، ويتحقق من الإجابة، ويتحول من متلقٍ إلى باحث، من خلال أنشطة لا تكون الإجابة الجاهزة فيها هي الهدف، وإنما التفكير الذي يقود إليها.
ورأى تايه أن هذا التحول يقود بالضرورة إلى إعادة النظر في المناهج وأساليب التقويم، لافتا إلى أنه إذا ظلت المناهج تركز على المعلومات التي يُطلب من الطالب حفظها واسترجاعها، وبقيت الاختبارات تقيس بصورة أساسية قدرته على تذكر الإجابة، فسيكون هناك تناقض بين طبيعة العالم الجديد وما تطلبه المدرسة من الطالب. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مساحة أكبر للمشروعات والاستقصاء والتطبيق وحل المشكلات وتحليل المواقف وربط المعرفة بالحياة.
وشدد على ضرورة ألا يتحول توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اندفاع غير محسوب نحو التكنولوجيا، مبينا أن الذكاء الاصطناعي ليس هدفا تربويا بحد ذاته، وإنما أداة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة إذا خدمت أهداف التعلم. وبالتالي، لا ينبغي استخدام التكنولوجيا لمجرد إمكانية استخدامها، بل عندما تضيف قيمة إلى العملية التعليمية لا يمكن تحقيقها بالطريقة التقليدية بالفاعلية نفسها.
وقال إن السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير التعليم، إذ إنه بدأ بالفعل في إحداث هذا التغيير، وإنما يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كانت المنظومة التعليمية ستكتفي بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة، أم ستستفيد منه لإعادة بناء المدرسة نفسها.
الذكاء الاصطناعي كأداة
بدوره، قال الخبير التربوي محمد أبو عمارة إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في بناء مهارات الطلبة للمستقبل، إذا جرى الانتقال من التعامل معه كأداة للوصول المباشر إلى الإجابات والمعلومات، إلى توظيفه بوصفه أداة للتعلم والتفكير والإبداع.
وأوضح أن الصورة النمطية الحالية لاستخدام الذكاء الاصطناعي تقتصر في كثير من الأحيان على طرح الأسئلة والبحث عن المعلومات والتعامل معه باعتباره مرجعا، رغم أن هذه التقنيات ما تزال في مراحل تطور ونضج، وقد تقدم أحيانا معلومات غير دقيقة أو إجابات تحتاج إلى التحقق منها.
وأشار أبو عمارة إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم يمكن أن يتم من عدة زوايا، أولها بناء عقلية التعلم المستمر، إذ يساعد الطالب على أن يصبح أكثر استقلالية في تعلمه من خلال البحث والسؤال والتجربة وإعادة المحاولة، وهي مهارات أساسية في عالم سريع التغير.
وأكد أهمية الانتقال بالطالب من كونه متلقيا ومستهلكا للمحتوى إلى طالب منتج له، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في تدريبه على كتابة قصة، أو تصميم مشروع، أو تحليل بيانات، أو ابتكار حلول لمشكلة معينة، بما يسهم في تطوير مهاراته وإمكاناته وقدراته.
وأضاف أن عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب كذلك تطوير قدرة الطلبة على طرح الأسئلة الجيدة، لأن الوصول إلى إجابة جيدة يبدأ من صياغة سؤال جيد، وبالتالي أصبحت القدرة على صياغة السؤال مهارة بحد ذاتها، ولا يكفي أن يعرف الطالب الإجابة فقط.
وأكد أبو عمارة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز استعداد الطلبة للحياة وليس للاختبارات فقط، من خلال استخدامه في محاكاة مواقف الحياة والعمل، مثل اتخاذ القرارات، وإدارة المشاريع، وتحليل المشكلات، وإعداد العروض، بما يجعل المدرسة أكثر ارتباطا بمتطلبات الحياة الواقعية.
وشدد على أهمية بناء الوعي الأخلاقي والمسؤولية الرقمية لدى الطلبة بالتوازي مع استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يشمل قضايا الخصوصية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحيز الخوارزمي، والتمييز بين المحتوى الموثق والمحتوى المضلل، إلى جانب تعزيز الأمانة العلمية ونسب المعلومات والاقتباسات إلى أصحابها.
وختم أبو عمارة بالتأكيد أن الهدف لا ينبغي أن يكون تعليم الطالب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما بناء طالب قادر على التفكير معه، ومناقشة مخرجاته، والتحقق منها، وتوظيفها لإنتاج قيمة جديدة.
بناء المهارات
من جانبه، رأى الخبير التربوي عايش النوايسة أن الذكاء الاصطناعي يشكل اليوم حلقة مهمة في تطوير عمليات التعلم والتعليم، ولا سيما في بناء مهارات المستقبل لدى الطلبة، من خلال الانتقال بهم من مجرد امتلاك المعرفة وحفظها إلى تحليلها وتقييمها وتوظيفها بصورة نقدية وابتكارية.
وقال النوايسة إن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل أدوات توليد النصوص، تدفع الطلبة إلى التركيز على تقييم المدخلات والمخرجات والتحقق من دقة المعلومات، بدلا من الاكتفاء بحفظها، الأمر الذي يسهم في بناء مهارات التفكير النقدي والتحقق من صحة المعلومات.
كما تتيح هذه الأدوات للطلبة التعامل مع كميات كبيرة من البيانات خلال وقت قصير، بما يعزز قدرتهم على تحليل البيانات واستخلاص الأنماط والرؤى الاستراتيجية، وهي مهارات أساسية في عالم العمل والقيادة، تبعا له.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يسهم كذلك في تطوير قدرة الطلبة على حل المشكلات متعددة الأبعاد، من خلال إتاحة بيئات محاكاة واقعية تمكنهم من اختبار الحلول وتعديلها دون مخاطر، ما يعزز التفكير المنهجي والقدرة على التعامل مع المشكلات غير المهيكلة.
وأكد النوايسة أن فهم الطلبة للذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على استخدام الأدوات، بل يجب أن يمتد إلى فهم آليات عملها، بما في ذلك الخوارزميات والنماذج اللغوية، بما يعزز سيطرتهم الواعية على التكنولوجيا، ويؤهلهم لأدوار مهنية وقيادية مستقبلية.
وتابع: "وفي الوقت ذاته، فإن تراجع المهام الروتينية والتحليلية بفعل الذكاء الاصطناعي يزيد الحاجة إلى مهارات يصعب على الآلة محاكاتها، مثل القيادة والتعاطف والتفاوض وإدارة الفرق والتعامل مع البيئات متعددة الثقافات."
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح أيضا الانتقال نحو تعلم أكثر شخصية وذاتية، من خلال تحليل نقاط القوة والضعف لدى الطالب في الوقت الفعلي، وتعديل مستوى المحتوى بما يتناسب مع احتياجاته، الأمر الذي يسهم في بناء مهارات إدارة الذات ويحد من الإحباط الناتج عن نمط التعلم الموحد. كما يوفر للطالب، عبر أدوات المساعدة الذكية، دعما تعليميا متاحا بصورة مستمرة، بما يعزز استقلاليته وقدرته على طرح الأسئلة واستكشاف الإجابات والتعلم بصورة ذاتية، وهي مهارة تمتد آثارها إلى التعلم مدى الحياة.
التغذية الراجعة
ولفت النوايسة إلى أهمية التغذية الراجعة الفورية والبناءة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، من خلال تصحيح الأخطاء وشرح أسبابها، بما يساعد الطلبة على إجراء تعديلات سريعة وتطوير ما يعرف بعقلية النمو، وتعزيز تقبل النقد والتقييم.
ونوه بأن الذكاء الاصطناعي يفتح مساحة أوسع أمام الإبداع والابتكار، من خلال كسر حاجز "الصفحة البيضاء"، إذ يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تعمل كشريك في العصف الذهني، عبر تقديم أفكار أولية ومحفزات ينطلق منها الطالب للتطوير والتحسين، بما يعزز مهارات التفكير التصميمي. كما يتيح دمج تخصصات ومجالات مختلفة، كالفنون والبرمجة والعلوم، بما يدعم التفكير الابتكاري متعدد التخصصات الذي يتطلبه سوق العمل المستقبلي.
وبين أن الذكاء الاصطناعي يحرر كذلك مساحة إدراكية لدى الطلبة من خلال تولي بعض المهام المتكررة، مثل التنسيق وجمع المصادر، ما يمنحهم وقتا أكبر للتركيز على الابتكار وصياغة الأفكار وحل المشكلات.
وفي المقابل، أكد النوايسة أن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم يجب أن يترافق مع بناء الوعي الأخلاقي والرقمي لدى الطلبة، خصوصا في ما يتعلق بالتحيز الخوارزمي وخصوصية البيانات وحقوق النشر. كما ينبغي أن يتعلم الطالب حدود الذكاء الاصطناعي، وألا يتعامل مع مخرجاته باعتبارها مرجعا مطلقا، بل أن يمتلك القدرة على تقييمها بصورة نقدية ومنطقية، وأن يدرك متى يمكن الاعتماد على الآلة، ومتى يصبح الرجوع إلى الحس البشري والخبرة ضروريا.
وخلص النوايسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يبني مهارات الطلبة بمجرد تقديم الإجابات أو إنجاز الواجبات نيابة عنهم، وإنما من خلال تغيير جوهر العملية التعليمية؛ إذ ينقل الطالب من متلقٍ للمعلومات إلى مدير وموجه ومقيّم للمعرفة، ومفكر ومبدع، وهو ما يمثل جوهر المهارات التي يحتاجها للبقاء والتطور في المستقبل.
وعلى مستوى المدرسة، رأى أن الذكاء الاصطناعي يفترض أن يدفع إلى إعادة بناء دور المدرسة بما يتوافق مع متطلبات استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في التعليم، بحيث تتحول المدرسة إلى حاضنة للابتكار تتجاوز حدودها المادية، وتنتقل من كونها إطارا تقليديا لعمليات التعلم والتعليم إلى بيئة مرنة ومنفتحة، ضمن ضوابط واضحة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
وأشار إلى أن هذا التحول يتطلب إعادة النظر في البنية التحتية والاستثمار التعليمي، بحيث لا يقتصر التطوير على الأدوات التقليدية، وإنما يتجه بصورة أكبر نحو المنصات الذكية والأجهزة والأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في عمليات التعلم والتعليم. كما يرتبط ذلك بتبني مفهوم المرونة الشاملة، من خلال تطوير جداول أكثر مرونة، وأنظمة تقييم غير تقليدية، وزيادة التركيز على التعلم القائم على المشاريع والإنتاج، بدلا من الاقتصار على الاختبارات التقليدية.
أما بالنسبة إلى المعلم، فيؤكد النوايسة أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل دوره باتجاه أن يصبح موجها وميسرا ومهندسا لعمليات التعلم والتعليم، وليس مجرد ناقل للمعلومات. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفف عن المعلم جزءا من الأعباء والمهام الروتينية، مثل بعض أعمال التصحيح والتقييم وإعداد المواد، ليصبح مساعدا مهما له، ويتيح له في المقابل مساحة أكبر للتركيز على بناء مهارات الطلبة، وتنمية التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات والمهارات الإنسانية.
وبذلك، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم، وفق النوايسة، لا يعني استبدال المعلم أو إضعاف دوره، وإنما إحداث نقلة نوعية في طبيعة هذا الدور، بحيث يصبح المعلم أكثر تركيزا على ما لا تستطيع الآلة القيام به، وعلى رأسه بناء شخصية المتعلم، وتوجيه تفكيره، وتنمية مهاراته وقدرته على التعلم المستقل والتفاعل الإنساني.