حظر الصيد لمدة 4 أشهر.. كيف يحمي الثروة السمكية في العقبة؟
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة - مع دخول خليج العقبة مرحلة حظر الصيد السنوي مطلع الشهر الحالي، تبدأ إحدى أكثر الفترات حساسية في العلاقة بين الإنسان والبحر، فعلى امتداد أربعة أشهر، يتوقف الصيادون الذين تشكل مهنتهم جزءا من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، عن ممارسة نشاطهم التقليدي، في مقابل رهان بيئي طويل الأمد تتبناه سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، ضمن حزمة سياسات تهدف إلى حماية النظم البحرية في البحر الأحمر.
ويعد هذا التوازن الدقيق بين حماية المخزون السمكي والحفاظ على سبل العيش، مقاربة تقدم اليوم كنموذج لإدارة بحرية متكاملة، تضع العقبة في موقع متقدم إقليميا، عبر مواءمة التشريعات البيئية مع الواقع الاجتماعي للصيادين، في مواجهة تحديات الصيد الجائر، التغير المناخي، الضغط المتزايد على أحد أكثر الخلجان تنوعا بيولوجيا في العالم.
قرار الإيقاف، الذي يستمر حتى مساء 30 نيسان (أبريل) المقبل، يأتي للسنة الرابعة على التوالي، مستندا إلى نتائج علمية وميدانية أثبتت أن "الراحة البيولوجية" للبحر هي الاستثمار الأنجح، لضمان استدامة الثروة السمكية للأجيال القادمة.
وبهذا الخصوص، تشير الدراسات البحرية إلى أن خليج العقبة، يعد بيئة بحرية فريدة من نوعها، حيث يتميز بتنوع حيوي هائل وحساسية بيئية عالية، نظرا لكونه نظاما شبه مغلق، وخلال الفترة الممتدة من كانون الثاني (يناير) إلى نيسان (أبريل)، تمر الأسماك المتوطنة في الخليج بمرحلة حرجة وحاسمة من دورة حياتها، وهي فترة وضع البيوض والتكاثر.
وبحسب الخبراء في علم البحار، فإنه في هذه الأشهر تقترب الأسماك من المياه الضحلة أو مناطق الشعاب المرجانية لوضع بيوضها، مما يجعلها سهلة الصيد وعرضة للاستنزاف، مؤكدين أن قرار إيقاف الصيد لمدة أربعة أشهر يهدف بشكل رئيسي إلى حماية "الأمهات" لضمان نجاح عملية التكاثر، وحماية "اليرقات" و"الإصبعيات" الصغيرة حتى تكبر وتصبح قادرة على التكاثر هي الأخرى.
وأظهرت الدراسات التي أجرتها سلطة العقبة والجهات البحثية الشريكة، أن مواسم الحظر السابقة (في السنوات الثلاث الماضية) أدت إلى نتائج ملموسة، تمثلت في زيادة أحجام الأسماك التي تم اصطيادها بعد انتهاء فترة الحظر، وعودة أنواع كانت تناقصت أعدادها بشكل مقلق.
استدامة المخزون السمكي
وأشار الدكتور محمد الزبدة، أستاذ علم البحار والبيئة البحرية، إلى أن قرار إيقاف الصيد الموسمي لمدة أربعة أشهر يمثل خطوة علمية استراتيجية لضمان استدامة المخزون السمكي في المياه الأردنية، مؤكدا في الوقت ذاته، أنه في هذه الفترة من السنة، تهاجر الأسماك إلى المياه الضحلة ومناطق الشعاب المرجانية لتضع بيوضها، ما يجعلها أكثر عرضة للصيد الجائر، كما أن حماية اليرقات والإصبعيات الصغيرة تسمح لها بالنمو والوصول إلى مرحلة النضج، ما يضمن استمرار دورة الحياة الطبيعية للأسماك ويحقق توازنا بيئيا في النظام البحري.
وأضاف الزبدة، أن هذه الإجراءات هي استثمار طويل المدى في الموارد البحرية، حيث إن التقيد بها يساهم في رفع الإنتاجية السمكية مستقبلا ويعزز الأمن الغذائي البحري، مع الحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية الشعاب المرجانية التي تشكل بيئة حيوية للعديد من الكائنات البحرية.
من جهته، أكد مفوض البيئة والسلامة العامة في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، الدكتور نضال العوران، أن قرار إيقاف الصيد ضرورة بيئية ملحة تمليها المسؤولية الوطنية تجاه حماية التنوع الحيوي في خليج العقبة، مشيرا إلى أن سلطة العقبة لا تمنع الصيد لمجرد المنع، بل تدير عملية استغلال الموارد الطبيعية بطريقة مستدامة.
وأشار، إلى أن التجربة في السنوات الماضية أثبتت أن البحر يستجيب بسرعة للحماية، وخلال فترة الإيقاف نسمح للأسماك المتوطنة بإتمام دورتها التكاثرية بأمان دون ضغوط الصيد الجائر.
وأضاف العوران، أن السلطة استندت إلى تعليمات تنظيم صيد الأسماك رقم (ز/1) لسنة 2020، وتحديدا البند الثامن من الملحق الأول، الذي يمنع الصيد إطلاقا في هذه الفترة". مضيفا، لكننا، ومن باب التشاركية والمرونة، سمحنا بصيد الأسماك المهاجرة فقط (التونا والفرس) للصيادين المرخصين، لأن هذه الأسماك عابرة ولا تتكاثر في مياهنا الإقليمية بالطريقة نفسها التي تتكاثر بها الأسماك المتوطنة، وبذلك نحافظ على باب رزق جزئي للصيادين دون الإضرار بالبيئة المحلية.
ولعل من أحد الجوانب الأكثر إشراقا في هذا قرار إيقاف الصيد مؤقتا، هو البعد الاقتصادي الذي لم تغفله سلطة العقبة الخاصة، فقد أدرك صناع القرار أن إيقاف الصيد يعني قطع مصدر الرزق الوحيد لعشرات العائلات التي تعتاش من البحر، ولذلك تم إقرار تعويض مالي شهري قدره 400 دينار للصيادين المرخصين، الذين يلتزمون بالتوقف التام عن الصيد خلال فترة الحظر.
وقال رئيس جمعية صيد الأسماك في العقبة، بدر ياسين "نحن كصيادين أبناء هذا البحر، ونعلم جيدا متى يمرض ومتى يتعافى"، مؤكدا أنهم في السابق كانوا يعارضون أي إيقاف للصيد خوفا على أرزاقهم، لكن الحوار المفتوح مع السلطة والتعويض المالي العادل (400 دينار)، جعلهم شركاء في القرار لا ضحايا له، وأن هذا المبلغ يضمن الحد الأدنى من الكرامة للصياد وعائلته خلال أشهر التوقف، ويجعلهم حراسا للبحر بدلا من مستنزفين له.
وأضاف بدر، أن الصيادين يلاحظون أنه بعد كل موسم منع، يعودون إلى البحر ليجدوا الخير قد ازداد، وأصبحت أحجام الأسماك أكبر، مؤكدا أن البحر يحتاج إلى إجازة، وهم أيضا يحتاجون إلى إعادة صيانة قواربهم ومعداتهم، وأن هذا التوقيت مناسب للجميع.
فرصة للنمو والتكاثر
وأكد الخبير في صيد الأسماك محمد المحتسب، أن ما يلاحظه الصيادون يعكس واقعا علميا مدعوما بالدراسات البحرية، إذ إن فترات الإيقاف الموسمية تمنح المخزون السمكي فرصة للنمو والتكاثر بعيدا عن الضغط الناتج عن الصيد المستمر، مشيرا إلى أن التوقيت يتزامن مع فترة مناسبة للصيادين لإجراء صيانة للقوارب والمعدات، ما يعكس تناغما بين المصلحة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ويؤكد أن هذه الإجراءات تحقق التوازن بين استدامة الموارد البحرية والحياة المهنية للصيادين، ما يجعل البحر والمجتمع البحري كلاهما مستفيدا.
ورغم أنها مدينة ساحلية، إلا أن إنتاج العقبة المحلي من الأسماك الطازجة لا يغطي سوى جزءا يسيرا من حجم الاستهلاك الكلي، خصوصا في ظل النمو السكاني والحركة السياحية، حيث تشير التقديرات الاقتصادية وبيانات غرفة تجارة العقبة إلى أن حجم الاستهلاك اليومي من الأسماك في المدينة يتراوح بين 3 إلى 5 أطنان يوميا، ويرتفع هذا الرقم بشكل ملحوظ خلال العطلات والمواسم السياحية.
وأشار نائب رئيس غرفة تجارة العقبة، أحمد سالم الكسواني، إلى أنه خلال فترة إيقاف الصيد يتم تعويض النقص في الأسماك "البلدية" الطازجة عبر مصادر بديلة تضمن استقرار السوق، من أبرزها الأسماك المستوردة، حيث تعتمد العقبة والمملكة بشكل كبير على الأسماك المبردة والمجمدة من اليمن وعُمان ومصر ودول شرق آسيا، إضافة إلى مزارع الأسماك التي تساهم في رفد السوق بأسماك طازجة يوميا، إلى جانب الأسماك المهاجرة، حيث يسمح بصيد التونا والفرس، مما يوفر نوعا من الأسماك الطازجة الفاخرة، وإن كانت موسمية.
وقال تاجر الأسماك سعيد بسيط "إن الزبون العقباوي يفضل السمك البلدي، لكنه يتفهم فترة المنع"، مضيفا نحن نوفر بدائل ممتازة، والأسعار قد تشهد ارتفاعا طفيفا فقط في الأنواع الفاخرة، بسبب قلة العرض، لكن بشكل عام السمك متوفر ولم ينقطع يوما عن العقبة.