أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    21-Aug-2026

كيف ننقل التسويق الزراعي لآفاق تنهض بالقطاع وتعزز دور المزارعين؟

 الغد-عبدالله الربيحات

 أكد خبراء في الزراعة أن أهم قيمة للنظام المعدل لنظام أسواق الجُملة للخضار والفواكه لسنة 2026، الذي أقره مجلس الوزراء أول من أمس، ضبطه لعملية نقل سياسة التسويق الزراعي من "تنظيم مكان البيع" إلى مفهوم أوسع هو "تنظيم سلسلة التسويق"، ما يعني أن تحقق ذلك، سيلقي بأثره الهام على صغار المزارعين بالذات، وعلى التنمية الريفية والأمن الغذائي، فتحسين التسويق، يحمي دخل المزارع وضمان استمرار الإنتاج الزراعي، وليس فقط تنظيم حركة البيع في السوق.
 
 
وبينو لـ"الغد"، أن إصلاح أسواق الجملة، قد يصبح أحد أهم إصلاحات القطاع الزراعي، لكنه لن ينجح إذا تعاملنا معه باعتباره مشروعاً عقارياً أو بلدياً. مبينين أن هذا يتطلب بناء منظومة تسويق حديثة، تسهم برفع دخل المزارع، وتحسين كفاءة التوزيع، وحماية المستهلك، وتقليل الهدر، وتعزيز تنافسية المنتجات.
تسويق المنتجات الزراعية
وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري، بين أن النظام، إيجابية لما يحمله من توجه لتطوير البنية المؤسسية والتشغيلية لتسويق المنتجات الزراعية المحلية، بخاصة عبر تجاوز قيود كانت قائمة في النظام السابق، وإتاحة إنشاء أسواق جملة إقليمية مشتركة، تخدم أكثر من بلدية ومنطقة إنتاجية.
وأضاف المصري، أن من أبرز تحسينات النظام، السماح بإنشاء أسواق جملة في نطاق البلديات أو خارجها، بما يتيح اختيار مواقعها وفق اعتبارات الإنتاج الزراعي وشبكات الطرق وحركة النقل والخدمات اللوجستية، بدلاً من التقيد بالحدود الإدارية للبلدية. مشيرا لأهمية إتاحته لبلديتين أو أكثر، التشارك بإنشاء سوق واحد، بموجب اتفاقية رسمية تبرم فيما بينها.
ولفت إلى مثل هذا الطرح، سيخفف الأعباء عن البلديات، بخاصة تلك التي لا تستطيع إنشاء أسواق مستقلة، وسيحد من إقامة أسواق صغيرة متفرقة، تفتقر للإمكانات والخدمات، وسيدفع لإنشاء أسواق إقليمية كفؤة تستوعب مرافق التبريد والتخزين والفرز والتدريج والتعبئة والنقل.
وقال المصري، إن السماح بإشراك القطاع الخاص في إنشاء الأسواق أو إدارتها أو استثمار مرافقها، أفق يوفر التمويل والخبرات والتقنيات، لكن ذلك يجب أن تخضع لقواعد حوكمة واضحة، تضمن حماية المصلحة العامة، ومنع الاحتكار وتضارب المصالح، وعدم تحميل المزارعين رسوماً أو عمولات إضافية، ترفع كلف التسويق وتضعف قدرتهم التنافسية.
وأوضح بأنه مع أهمية هذه التعديلات، كتعزيز الرقابة، وضمان حقوق المزارعين والمستهلكين، وتحقيق التوازن في الأسعار، وتفعيل أدوات رقابة حديثة، فإن تحقيقها يتطلب تعليمات تنفيذية واضحة وآليات عملية قابلة للقياس والمتابعة. مبينا أن النظام السابق كان يتضمن أصلاً تمثيل وزارة الزراعة والمزارعين والتجار والمصدرين في لجان إدارة الأسواق، ويلزم الوكيل بتزويد المزارع بكشف يبين الكميات والأوزان والأسعار والاقتطاعات، وينظم أعمال الدلالة والتخزين والتبريد والتحميل والتنزيل، ويخضع حسابات السوق لتدقيق محاسب قانوني وديوان المحاسبة. لذلك فإن التطوير يتطلب ضمان تطبيق النصوص الرقابية في النظام، بصورة فعلية وشفافة.
وقال المصري، لتحويل النظام الجديد إلى أداة تحمي المزارع وتنظم السوق، يجب استكماله بمنظومة إلكترونية تسجل يومياً كل ما يريد السوق وأسعارها وأوزانها ودرجات جودتها، وتصدر للمزارع كشف بيع إلكتروني فوري، يبين السعر الحقيقي والعمولات والرسوم والاقتطاعات. وكذلك يجب ربط الموازين بمنصة السوق، ونشر مؤشرات يومية وشفافة للأسعار والكميات، واعتماد أسس موحدة لفرز المنتجات وتدريجها وتصنيفها.
وبين أنه من المهم وضع سقوف واضحة لعمولات الوكلاء والدلالين، ومنع أي اقتطاعات غير معلنة، وإنشاء آلية سريعة وفاعلة لتسوية النزاعات بين المزارعين والوكلاء أو الجهات المشغلة، وأن تتضمن الاتفاقيات المبرمة بين البلديات قواعد دقيقة للمساءلة والرقابة، وكيفية توزيع الإيرادات والنفقات، ومعالجة الخسائر أو الديون، وتحديد مسؤولية كل طرف، مع إخضاع الأسواق المشتركة والجهات الخاصة المشاركة فيها لرقابة مالية وإدارية منتظمة.
وبين المصري أن النظام، خطوة صحيحة للانتقال من نموذج الأسواق البلدية المنفردة إلى أسواق إقليمية مشتركة كفؤة، لكنه لن يحقق بمفرده التوازن في الأسعار أو يحمي المزارعين والمستهلكين ما لم تصدر بموجبه تعليمات تنفيذية، تقوم على الرقمنة والشفافية والإفصاح والحوكمة والمساءلة.
وأضاف أن الغاية الأساسية ليست إنشاء مبانٍ جديدة لأسواق الجملة حسب، بل إقامة منظومة تسويقية حديثة تقلل الفاقد والكلف وحلقات الوساطة غير الضرورية، وتحفظ حقوق المزارعين، وتضمن سلامة المنتج ووضوح الأسعار للمستهلكين، وتدعم تنافسية الإنتاج الزراعي الأردني في الأسواق المحلية والتصديرية.
الرقابة على الأسواق
الخبير بالتنمية الريفية والأمن الغذائي د. نائل الظاهر، أوضح أن أهمية النظام الجديد كبيرة، إذا ما نفذ بفعالية، فهو يعالج جزءاً من الحلقة الأضعف في القطاع، وهي التسويق بعد الإنتاج. مبينا أن المزارع قد ينجح في الإنتاج، لكنه يخسر جزءاً كبيراً من عائده إذا كانت الأسواق غير منظمة، أو كانت تكاليف النقل والوساطة مرتفعة، أو لم تتوافر له معلومات واضحة عن الأسعار والكميات والطلب. من هنا يكمن تعزيز الرقابة على الأسواق وتنظيم تداول المنتجات، برفع كفاءة تلك الأسواق. 
وأضاف الظاهر أن أهم فائدة محتملة للمزارعين في هذا النظام، تتبلور بتوسيع الوصول لأسواق رسمية منظمة، بدلاً من الاعتماد على قنوات بيع عشوائية أو ضيقة، مبينا بأن وجود أسواق أكثر تنظيماً وقرباً من مناطق الإنتاج، يقلل مسافات النقل وكلفتها، ويحد من التلف الناتج عن طول فترة التداول، ويمنح المزارعين خيارات أكبر في تسويق منتجاتهم. وهذا مهم بخاصة لصغار المزارعين الذين لا يملكون وسائل نقل أو تخزين أو قدرة تفاوضية كبيرة. 
ومن الناحية التسويقية، قال الظاهر إن النظام يمكنه الإسهام بتحسين الشفافية السعرية إذا ارتبط تطبيقه بجمع ونشر بيانات دقيقة عن الكميات والأسعار اليومية، مبينا أن أمانة عمّان تبث نشرة بيانات وأسعار يوميا، ما يشكل أساساً لتحسين قرارات البيع والإنتاج، لكن الفائدة الحقيقية ستكون أكبر إذا ربطت أسواق الجملة بقاعدة بيانات موحدة، تمكن المزارعين كافة بصورة فورية، من معرفة الأسعار والكميات في أكثر من سوق، بحيث لا يضطرون للاعتماد فقط على معلومات الوسطاء.
وأضاف أن السماح التشارك بين البلديات في التشارك بإنشاء أسواق جملة، قد يعالج التشتت وضعف الأسواق الصغيرة ضعيفة الإمكانات في كل بلدية، وسيهم بإقامة سوق إقليمي أكبر، يخدم عدة مناطق إنتاجية، ويوفر المرافق التي يحتاجها المزارع والمحصول، بحيث لا يغدو السوق الجديد ساحة لبيع الصناديق، بل مركزاً لوجستياً، ينتقل من تجارة المنتجات إلى إدارة سلسلة قيمة أكثر كفاءة.
ولفت لوجوب الانتباه إلى أن هذا النظام وحده لن يحل مشكلة التسويق، وأن نجاحه يعتمد على كيفية تنفيذه، مبينا أنه إذا اقتصر الأمر على إنشاء أسواق جديدة وتنظيم الرسوم والجهات المشغلة، فسيكون الأثر محدودا. أما إذا ارتبط النظام بمنظومة أوسع تشمل المعلومات السوقية، وربط المزارعين بالتعاونيات والشركة الأردنية الفلسطينية لتسويق المنتجات الزراعية، فقد يشكل ذلك تحولا مهما.
أما من ناحية الأمن الغذائي، فقال الظاهر: تكتسب أسواق الجملة أهميتا من كونها تشكل حلقة من حلقات البنية التحتية للأمن الغذائي، الذي لا يتحقق بقدرة النظام على نقل الغذاء من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك بكفاءة، وتقليل الفاقد، ومنع الاختناقات، وتوفير بيانات مبكرة عن العرض والأسعار. 
وأكد أن أهم قيمة لهذا النظام، نقله سياسة التسويق الزراعي من "تنظيم مكان البيع" إلى مفهوم أوسع هو "تنظيم سلسلة التسويق". فإذا تحقق ذلك، فسيكون أثره مهماً على صغار المزارعين بالذات، وعلى التنمية الريفية والأمن الغذائي، ومن يحمي دخل المزارع ويضمن استمرار الإنتاج لا الاقتصار على تنظيم حركة السوق. 
إعادة تنظيم سلسلة التسويق
المهندس الزراعي سليمان تيم، قال إن النظام الجديد، جاء في توقيت مهم للقطاع، لأن المشكلة لم تعد في الإنتاج وحده، بل في كيفية انتقال المنتج من المزرعة إلى المستهلك. مضيفا أن المطلوب من النظام الجديد، ألا يكون مجرد تعديل إداري، بل خطوة لإعادة تنظيم سلسلة التسويق بما يحقق سعراً أكثر عدالة للمزارع والمستهلك معاً.
وبين تيم أن الأرقام تكشف حجم أهمية هذه الأسواق، ففي العام 2022 مرّ نحو 48 % من إنتاج الأردن المحلي الزراعي عبر أسواق الجملة، كما تمر الصادرات عبرها، لكن المشكلة تكمن في أن هوامش التسويق يمكن أن تصل في بعض المحاصيل لمستويات مرتفعة؛ فقد قُدّر هامش التسويق للطماطم بـ44 % من إجمالي تكاليفها بما يعادل 78 % من سعرها عند باب المزرعة. في المقابل، يبلغ متوسط صافي الدخل لكل طن في سوق عمان المركزي نحو 12 ديناراً فقط، وهو مؤشر على ضآلة العائد مقارنة بحجم النشاط والمخاطر. 
وبين انه في هذا النطاق تبدى أهم فوائد النظام الجديد بـ: خفض كلفة التسويق عبر اقتصاديات الحجم. فالسوق المشترك قد يوفر مرافق أفضل لعمليات الفرز والتدريج والتعبئة والتخزين والنقل، ويقلل تكرار الخدمات والاستثمارات بين البلديات. كما يوفر منصة منظمة للمزارعين، خصوصاً صغارهم، موضحا بأن المشكلة الأساسية تكمن في كفاءة سلسلة القيمة بأكملها، وقد سجلت بيانات رسمية وصول أكثر من 2708 أطنان للسوق المركزي في يوم واحد، ما يكشف عن حجم التدفقات التي تحتاج إلى إدارة لوجستية متقدمة.
أما المحاذير، فأهمها أن تتحول الأسواق الجديدة إلى حلقات إضافية بدلاً من تقليل حلقات الوساطة. فقد أشارت دراسة حول القطاع إلى ضعف تبادل المعلومات السعرية بين المزارعين والتجار وتجار التجزئة، وارتفاع الفاقد نتيجة فائض المعروض ورفض جزء من المنتجات. كما أظهرت تقارير محلية أن المنتج قد يمر بعدة عمليات بيع قبل وصوله إلى المستهلك. 
لذلك، بحسب تيم، فإن الاختبار الحقيقي للنظام يجب أن يكون ضمن مؤشرات قابلة للقياس: انخفاض الفرق بين سعر المزرعة وسعر المستهلك، وارتفاع حصة المزارع من السعر النهائي، وانخفاض الفاقد والكلف التسويقية. ومن الضروري أيضاً اعتماد نظام رقمي موحد لنشر الأسعار والكميات اليومية، وربط الأسواق بالإنتاج المتوقع، وتطوير المزادات الإلكترونية والتتبع والفرز والتدريج.
وقال تيم إن إصلاح أسواق الجملة، يمكن أن يصبح أحد أهم إصلاحات القطاع، لكنه لن ينجح إذا تعاملنا معه باعتباره مشروعاً عقارياً أو بلدياً. والمطلوب بناء منظومة تسويق زراعي حديثة تجعل السوق أداة لرفع دخل المزارع، وتحسين كفاءة التوزيع، وحماية المستهلك، وتقليل الهدر، وتعزيز تنافسية المنتجات الأردنية، عندها فقط يصبح تعديل النظام جزءاً حقيقياً من تحديث الزراعة والأمن الغذائي، وليس مجرد تغيير في آلية إدارة الأسواق.