مضيق باب المندب تحت المجهر.. هل تتأثر موانئ العقبة في حال إغلاقه؟
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة- بعد أزمة مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى مضيق باب المندب، مع دخول جماعة الحوثي اليمنية على خط الحرب الدائرة منذ نحو شهر بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تذهب العديد من التوقعات إلى تعرض "باب المندب" لأزمة كالتي يشهدها "هرمز".
ويمثل مضيق باب المندب الذي يمر منه نحو 10 % من تجارة النفط العالمية، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويصله بخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ويشكل حلقة مهمة في الطريق التجاري البحري الأقصر والأقل تكلفة، الذي يربط شرق آسيا بأوروبا.
وفي حال إغلاق "باب المندب"، فإن ناقلات النفط ستضطر إلى الدوران حول جنوب أفريقيا مما يزيد زمن النقل من 10 إلى 15 يوما، ويرفع أسعار النفط ويضاعف حالة عدم اليقين الاقتصادي.
ورغم المخاوف المشروعة التي تضرب سلاسل الإمداد العالمية، أثبتت المملكة قدرة فائقة على امتصاص الصدمة الأولى، وتحويل التحدي الذي فرضته الجغرافيا السياسية إلى فرصة لتعزيز مكانة العقبة كمركز إقليمي للترانزيت والتجارة، وسط تطمينات رسمية وتجارية بأن الأسواق الأردنية قادرة على الصمود، بل والتكيف مع أعتى العواصف الملاحية.
بهذا الخصوص، يؤكد نائب رئيس غرفة تجارة العقبة، التاجر أحمد سالم الكسواني، أن الأمور في الأسواق المحلية "مطمئنة نسبيا"، مشيرا إلى أن هناك ارتفاعات في بعض البضائع التي يحتاجها المستهلك الأردني، وهذه الارتفاعات ليست وليدة نقص في المواد، إنما هي ناتجة عن عوامل مركبة تبدأ بارتفاع أسعار الوقود العالمي، وزيادة كلف النقل البري والطاقة في بلدان المنشأ، وتصل إلى الارتفاع الكبير في بوالص التأمين التي فرضها واقع الحال والحرب الدائرة.
وكشف عن أرقام تعكس حجم الضغط المالي الذي تتحمله سلاسل التوريد، مشيرا إلى أن شركات الشحن رفعت أجورها على التجار بواقع 2000 إلى 3000 دولار للحاوية الواحدة، كرسوم تأمين إضافية (مخاطر حرب)، مؤكدا أنه تم تحويل العديد من المسارات من باب المندب إلى قناة السويس عبر البحر الأبيض المتوسط، أو الالتفاف حول أفريقيا، وهذه الإضافات المادية، وزيادة الوقت المستغرق في توصيل البضائع، أدت بطبيعة الحال إلى انعكاسات سعرية على بعض المواد بنسب تتراوح بين 20 إلى 30 بالمائة.
ويطلق الكسواني تحذيرا من أن إطالة أمد الأزمة قد ينذر بزيادات إضافية، لكنه يسارع إلى طمأنة الشارع بأن الأمور ما تزال مريحة في الأسواق، داعيا التجار إلى تعزيز مخزوناتهم الإستراتيجية، وفي الوقت ذاته، يدعو المواطنين إلى عدم الهلع وتخزين المواد، بل ترشيد الاستهلاك والسيطرة عليه.
ولم يغفل الكسواني عن الإشارة إلى التطورات العسكرية في باب المندب وتأثيرها المباشر، داعيا الجهات المعنية في العقبة إلى استغلال الموقف بذكاء عبر "تسهيل مرور الترانزيت"، كاشفا عن ظاهرة إيجابية تتمثل في لجوء تجار أردنيين وعراقيين إلى تحويل حاوياتهم إلى ميناء العقبة بدلا من موانئ أخرى، مما يؤكد الموقع الإستراتيجي للميناء وأهمية قربه من دول الخليج والعراق.
"التحرك الحكومي السريع"
ومن زاوية فنية بحتة، يقرأ الخبير الملاحي ناجي العلي المشهد بتفاصيله الدقيقة، ويرى أن قطاع الشحن البحري، وتحديدا الحاويات، يواجه "تحديات غير مسبوقة" في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر.
ويفصل العلي خريطة الاستيراد الأردنية، موضحا أن ميناء العقبة هو الشريان الحيوي للمملكة، في حين أكد أن المسار الرئيسي للسفن القادمة من آسيا (الصين، الهند، شرق آسيا) يمر عبر المحيط الهندي، ثم باب المندب، فالبحر الأحمر وصولا إلى العقبة، وهذا المسار وحده يمثل ما يقارب 80 % من واردات الأردن من إلكترونيات ومواد خام وملابس ومعدات صناعية، خاصة من الصين التي ندرك جميعا مدى حاجتنا لمنتجاتها.
ومع تعقد المرور في هذا المسار، يشيد العلي بالتحرك الحكومي السريع بالشراكة مع شركات الملاحة، حيث تم ابتكار "حلول وسطية" ذكية للتغلب على الأزمة، إذ تم إيجاد موانئ بديلة ومحطات تفريغ وسطية مثل جبل علي، وخورفكان، وبورسعيد، بحيث تفرغ الحاويات الضخمة هناك، ثم تنقل إما برا (كما هو الحال من جبل علي)، أو بحرا عبر بواخر صغيرة تعرف باسم (الفيدر) لتصل إلى العقبة، مشيرا إلى أن هذا التغيير التكتيكي لم يأت دون ثمن، فمعظم السفن العملاقة غيرت مسارها قسرا نحو "رأس الرجاء الصالح"، مما أضاف مدة زمنية تتراوح بين 10 إلى 20 يوما إضافيا للرحلة، وهو ما يعني تلقائيا ارتفاعا في كلف التشغيل والتأمين، وتأخيرا في وصول الحاويات.
ورغم ذلك، يذكر العلي بأن خطوط الإمداد من أوروبا (ألمانيا، إيطاليا، تركيا، هولندا) عبر قناة السويس، ومن الولايات المتحدة، ودول الخليج، ما تزال تعمل وتضخ السيارات والمعدات والأدوية والوقود إلى السوق الأردني.
من جهته، يشير رئيس نقابة أصحاب شركات التخليص في العقبة، محمد جلال، إلى أن كافة العمليات في ميناء العقبة تسير بشكلها الطبيعي، والبواخر ترد حسب الجداول المعدة مسبقا، كاشفا عن مفارقة إيجابية وسط الأزمة، تتمثل في أن ميناء العقبة يشهد زيادة في حجم العمل والطلب، إثر طلب دول شقيقة مجاورة استخدام الميناء كبديل آمن، بينما أكد أن حركة ميناء الحاويات طبيعية جدا، حيث تم مؤخرا تحميل نحو 22 ألف حاوية واردة للسوق المحلي.
إلا أن جلال يضع إصبعه على الجرح المالي الذي ينزف بصمت في قطاع التخليص؛ إذ إن فرض خطوط الملاحة لرسوم "مخاطر الحرب" التي تتراوح بين 2000 إلى 4000 دولار لكل حاوية أربك حسابات الشركات، خصوصا المتوسطة والصغيرة منها، ورغم هذه التحديات، يؤكد جلال ما ذهب إليه الكسواني، مشيرا إلى عودة ملحوظة للتجار العراقيين والسوريين لاستخدام ميناء العقبة لاستلام بضائعهم، مما يعزز من مكانة العقبة كطوق نجاة لوجستي للمنطقة بأسرها.
أما أمين سر نقابة ملاحة الأردن، محمد عبد الهادي، فيقدم تحليلا إحصائيا دقيقا ينسف فكرة توقع "الإغلاق الشامل" لباب المندب، مؤكدا أن المضيق لم يغلق فعليا حتى اللحظة، وأن ما يجري هو استهداف ممنهج لبواخر أو خطوط محددة، مما دفع البعض لتجنب المرور طوعا.
ويستعرض عبد الهادي تراجع أعداد السفن العابرة لباب المندب في الربع الأول من السنوات الأخيرة، مقابل تصاعد استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، مؤكدا أن حركة الملاحة في المنطقة شهدت تحولا لافتا خلال السنوات الأخيرة، في حين أشار إلى تراجع أعداد السفن العابرة لمضيق باب المندب بشكل حاد، مقابل تصاعد واضح في استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، وأن عدد السفن العابرة لباب المندب انخفض من نحو 5800 سفينة في الربع الأول من عام 2023 إلى قرابة 3000 سفينة في 2024، ثم إلى حوالي 2600 سفينة في 2025، قبل أن يسجل نحو 2700 سفينة في الربع الأول من 2026، ما يعكس استمرار حالة الحذر في هذا المسار الحيوي.
خريطة النقل البحري
في المقابل، يؤكد عبد الهادي أن طريق رأس الرجاء الصالح يشهد نموا متسارعا، إذ ارتفع عدد السفن من نحو 3400 سفينة في 2023 إلى مستويات قياسية تتراوح بين 6600 و7000 سفينة في الربع الأول من عام 2026، في مؤشر واضح على إعادة تشكيل خريطة النقل البحري عالميا.
ويشدد على أن المؤشر الأهم بالنسبة للأردن لا يتمثل في عدد السفن العابرة للمضائق بقدر ما يصل إلى العقبة من حجم البضائع، لافتا إلى أن المستوردات واصلت ارتفاعها رغم هذه التحولات، وأن حجم مستوردات ميناء العقبة ارتفع من 9.3 مليون طن في 2023 إلى 10.2 مليون طن في 2024، وصولا إلى 10.8 مليون طن في 2025، من بينها نحو 1.5 مليون طن من النفط الخام، ما يعكس قدرة عالية على التكيف مع المتغيرات الإقليمية.
بدوره، يؤكد رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، شادي رمزي المجالي، أن الأوضاع في ميناء العقبة تسير بشكل طبيعي وبانسيابية عالية، مشددا على أن سلاسل التوريد تعمل بكفاءة، والبواخر تصل بانتظام دون أي اختناقات.
واعتبر أن ما يجري لا يشكل تهديدا مباشرا للعقبة، بل هو انعكاس لـ"حالة من التخوفات العالمية" التي رفعت كلف التأمين والشحن على كافة موانئ المنطقة دون استثناء.
ويضيف المجالي أن الأردن أثبت، من خلال ميناء العقبة، قدرته الفائقة على التعامل مع الأزمات الإقليمية المتعاقبة، وأن البدائل اللوجستية والخطط التشغيلية الاستباقية التي وضعت، أسهمت في تعزيز مرونة القطاع، وحافظت على تدفق السلع دون انقطاع، مشيرا إلى أن حركة الشاحنات داخل وخارج الميناء لم تسجل أي تعطل، مما يعكس جاهزية البنية التحتية، وأن ميناء العقبة سيبقى بوابة آمنة ومستقرة للتجارة في المنطقة، مهما بلغت التحديات الجيوسياسية المحيطة.