أولويات جديدة.. الشباب يعيدون صياغة مفهوم البدايات الاقتصادية
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
طرأت في العقد الأخير تحولات تدريجية في مسار التأسيس الاقتصادي للفئة العمرية بين 30 و39 عاما. فبينما يحافظ الاقتصاد على معدلات نمو متواضعة تتراوح بين 2 و3 في المائة سنويا، تتباطأ قدرة هذه الفئة على تحقيق ما كان يعد تقليديا محطة مبكرة في الحياة الاقتصادية: وظيفة مستقرة، سكن مستقل، قدرة على الادخار، وبداية أسرية ضمن إطار زمني واضح.
لا ترتبط الظاهرة بمتغير واحد، بل تتقاطع فيها عوامل عدة، فبعضها يعكس تغير أولويات هذا الجيل في ضوء المتطلبات الحياتية الحديثة، والبعض الآخر ناجم عن عوامل اقتصادية هيكلية وأزمات متكررة، تشمل تباطؤ توليد الوظائف ذات القيمة المضافة، ضعف نمو الأجور الحقيقية مقارنة بارتفاع تكاليف السكن والتمويل، وتحولات في طبيعة الاقتصاد باتجاه قطاعات خدمية منخفضة الإنتاجية نسبيا. وبالتوازي، ارتفع متوسط سن الدخول إلى عمل مستقر، واتسعت مساحة العقود المؤقتة والعمل غير المنظم، فضلا عن تبعات جائحة "كورونا"، ما أعاد تشكيل منحنى التأسيس الاقتصادي لهذه الفئة.
حالات نموذجية توضح الظاهرة
عاطف أحمد، 35 عاما، تخرج قبل نحو عقد من الزمن، ولم يحصل على وظيفة مستقرة إلا قبل عام ونصف. اليوم، يدرك أن بناء حياة اقتصادية تقليدية من امتلاك مسكن إلى تأسيس أسرة سيحتاج إلى سنوات إضافية من العمل والادخار، وهو ما بات أمرا معتادا بين الكثير من أبناء جيله.
أحمد غالب، يرى أن تأخر التأسيس الاقتصادي أصبح "أمرا طبيعيا" للشباب اليوم. وأضاف أن الشباب أعادوا صياغة مفهومهم للبدايات الاقتصادية بما يتوافق مع متطلبات الحياة الحالية، وتغيرت أولوياتهم: التركيز على الاستقرار الوظيفي قبل الادخار الكبير، وتأجيل شراء السكن أو المركبة، وربما تأجيل الزواج، إلى أن تتوفر لديهم قدرة مالية أفضل. ويؤكد غالب أن هذا التحول ليس خيارا فرديا، بل انعكاس لهيكل الاقتصاد الأردني وبطء توليد الفرص العملية والدخل المستقر لهذه الفئة العمرية.
نور عودة أنهت دراسة الهندسة، وفضلت متابعة مسارها الأكاديمي قبل الانخراط الكامل في سوق العمل، مما أخر تأسيس حياتها الاقتصادية إلى ما بعد سن الثلاثين. وترى نور أن هذا الاختيار يعكس تغير أولويات الشباب، حيث أصبح التأهيل العلمي المهني أولوية قبل الانخراط في مشاريع اقتصادية مثل، شراء المسكن أو الادخار لتأسيس أسرة، وهو توجه واسع بين الشباب الأردني اليوم.
تغيير الأولويات الشبابية
وفي تعقيبه على هذا التحول، قال المختص في الاقتصاد الاجتماعي حسام عايش "إن مؤشرات الأداء الاقتصادي وسلوكيات الشباب في الأردن تشير إلى حدوث تأخر في التأسيس الاقتصادي وأصبحت ظاهرة متنامية بين جيل الثلاثينات. فالكثير من الشباب باتوا يميلون إلى الانتظار قبل البدء في مشاريعهم الاقتصادية أو تأسيس حياتهم المالية، وهو توجه مرتبط بتغير الأولويات والحياة اليومية الحديثة، وليس مجرد تردد فردي".
وأكد عايش أن التحولات الرقمية والثورة التكنولوجية أدتا إلى إدراك الشباب لقدرات ومهارات يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب سريعة، مقارنة بالعمل التقليدي طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، تواجههم الضغوطات الاقتصادية ارتفاع معدلات البطالة، بطء توليد الوظائف ذات القيمة المضافة، ضعف نمو الأجور الحقيقية، وارتفاع تكاليف السكن والتمويل، ما يعقد مسار التأسيس المالي التقليدي.
إضافة إلى ذلك، يعاني كثير من الشباب من ضعف الثقافة المالية والرقمية، ما يحد من قدرتهم على إدارة مشاريعهم أو تطوير ريادة أعمالهم بشكل مستدام. والتغيرات الاقتصادية المتسارعة تجعل من الصعوبة بمكان التخطيط طويل الأمد، إذ إن أي فكرة لمشروع يمكن أن يسبقها آلاف آخرون أو تتغير ظروف تنفيذها بسرعة.
وأردف عايش، النتيجة أن جزءا كبيرا من الشباب يميل إلى البقاء في الوظائف الحالية، حتى لو كانت محدودة الأفق، لتجنب المخاطرة الاقتصادية والاجتماعية. هذا السلوك له تبعات واسعة: انخفاض ريادة الأعمال، تباطؤ النمو الاقتصادي، ضعف الابتكار، زيادة الاعتماد على القطاع العام، وتأخر تكوين الثروة الشخصية، فضلا عن تأثيره السلبي على استقرار الأسرة والتخطيط للحياة المستقبلية، وحتى على احتمالات الهجرة.
ولفت عايش، إلى البيانات الاكتوارية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، تشير إلى فجوة متزايدة بين أعداد المنتفعين والمتوقعين في المستقبل، نتيجة هذا الانسحاب الجزئي للشباب من النشاط الاقتصادي، ما يمثل تهديدا للاستفادة من الفرصة السكانية خلال السنوات المقبلة.
للحد من هذه الظاهرة، دعا عايش إلى أهمية وجوب توفير برامج تدريب وإرشاد للشباب، تسهيلات لتأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تحفيز التمويل بأسعار فائدة منخفضة، فضلا عن ضرورة إدخال الثقافة المالية وريادة الأعمال ضمن التعليم الرسمي، وذلك بهدف تقليل المخاطر النفسية والمالية والاجتماعية، وتمكين الشباب من الانطلاق في مشاريعهم الاقتصادية في سن الثلاثين، حيث يصبح هذا العمر نقطة انطلاق للتأسيس المستدام للقاعدة الإنتاجية للفرد والأسرة والمجتمع بأكمله.