الدستور
كنت جائعاً- محمد شكري، الخبز الحافي.
رصد المستهلكون ارتفاعا لافتا في أسعار المواد الغذائية، يحيله التجار إلى الاضطرابات التي تعصف بسلاسل التوريد جراء التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز. غير أن المواطن العادي يجد نفسه في حيرة مشروعة، متسائلا عن الرابط الذي يجمع سلته الغذائية بذلك الممر البحري البعيد الذي لا يمر عبره غذاؤه.
في حين تتصدر المشهد الإعلامي أخبار التصعيد العسكري وأزمة الطاقة، يظل بعد آخر أشد خطورة وأعمق أثرا بعيدا عن الأضواء، متجاهلا في أغلب التحليلات والتصريحات الرسمية. ذلك أن إغلاق المضيق لا يعني مجرد تعطل حركة الملاحة، بل يعني في حقيقته قطع الشريان الحيوي الذي تسلكه نحو 35% من حجم تجارة الأسمدة الكيماوية على المستوى العالمي، وفي مقدمتها اليوريا.
تحتل اليوريا مكانة محورية في منظومة الأسمدة الزراعية، إذ تعد المادة الفاعلة الأكثر استخداما وتأثيرا في تعزيز الإنتاجية الزراعية. وهي مادة تصنع وفق عمليات كثيفة الاستهلاك للهيدروجين المستخلص من الغاز الطبيعي، مما يجعل إنتاجها رهينا بالجدوى الاقتصادية المرتبطة بوفرة الغاز ورخص تكلفته. ولهذا تتمركز أقطاب الإنتاج العالمي لهذه المادة في دول تمتلك احتياطيات غازية ضخمة ومنخفضة الكلفة، في مقدمتها دول الخليج العربي.
تخضع اليوريا داخل التربة لعمليات تحلل حيوي تحولها إلى صور نيتروجينية قابلة للامتصاص النباتي، فتضطلع بدور محوري في بناء البروتينات وتخليق الكلوروفيل، وهما العمليتان اللتان تشكلان ركيزة النمو الخضري. وفي غيابهما، تتهاوى إنتاجية المحاصيل الزراعية بما قد يبلغ نصف طاقتها الإنتاجية الكاملة.
منذ عام 2022، انتهجت أسعار اليوريا مسارا تصاعديا متواصلا، تضافرت في تغذيته عوامل متعددة؛ في مقدمتها أزمة الغاز الطبيعي، والتداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، فضلا عن القيود الصارمة التي فرضتها الصين على صادراتها. بيد أن الأزمة الراهنة تتخطى سابقاتها حدة وعمقا؛ إذ قفز سعر الطن إلى نحو 720 دولارا في ارتفاع حاد ومفاجئ، فيما تجاوزت نسب الزيادة في بعض الأسواق الإقليمية حاجز 80 %، متصدرة بذلك وتيرة ارتفاع أسعار النفط ذاتها.
باتت التداعيات الميدانية لهذه الأزمة تتكشف بجلاء في كبرى الدول الزراعية حول العالم؛ ففي الهند تراجع إنتاج الأرز بما يناهز 15% في مؤشر ينذر بتحولات هيكلية في الأمن الغذائي. وفي شرق إفريقيا، يقف الموسم الزراعي على حافة الانهيار الكامل، في ظل تهديد حقيقي يطال نحو 28 مليون شخص بشبح المجاعة. وعلى الصعيد التجاري، تراجعت صادرات تايلند من الأرز بنسبة 20 %، في حين ترجح توقعات دولية أن تشهد الأسعار العالمية للغذاء خلال العام المقبل ارتفاعا قد يبلغ ضعف مستوياتها الراهنة.
في ضوء هذه المعطيات المتسارعة، تتشكل ملامح أزمة غذائية كبرى تلوح في الأفق، تنذر بتداعيات ممتدة قد تطال مناطق شاسعة من العالم. وما يزيد الأمر خطورة أن هذا السيناريو لم يعد ضربا من التكهن، بل بات احتمالا راسخا يحدق بعدد متنام من الدول التي تجد نفسها أمام تهديد وجودي حقيقي.
هذا الممر المائي الضيق، الذي لا تتعدى مسافة عرضه 35 كيلومترا، تحول إلى بؤرة صراع محتدم تتصادم فيه الإرادات الأمريكية والإيرانية، وتستعرض على ضفافه أحدث منظومات التسليح وأشد أدوات الردع فتكا. في المقابل، يترك مليارات البشر في مهب هذا الصراع، يقفون على حافة معاناة إنسانية بالغة الوطأة، بعيدا عن دوائر القرار وأجندات الأقوياء. لقد تخطت أزمة مضيق هرمز حدودها الجغرافية الضيقة، لترتقي إلى مصاف التهديدات الوجودية ذات الطابع الكوني، التي تمس حياة الإنسانية في أرجاء المعمورة كافة.