تسرب "الأمونيا" بالعقبة.. استجابة سريعة تمنع اتساع الحادث وتؤكد قوة منظومة الأمان
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة - بعد نحو ثلاثة أعوام على إنشاء مركز الرقابة والسيطرة في موانئ العقبة، إثر حادثة انفجار صهريج غاز الكلورين التي شكلت واحدة من أقسى الحوادث الصناعية في تاريخ المدينة، أعاد التسرب المحدود لغاز الأمونيا في المجمع الصناعي أمس وضع خطط الطوارئ والاستجابة السريعة أمام اختبار ميداني جديد، غير أن الفارق بين الحادثتين بدا واضحا في سرعة اكتشاف الخطر، وتفعيل الإخلاء الاحترازي، والسيطرة على مصدر التسرب، ومنع انتقال آثاره إلى نطاق أوسع.
وبحسب مفوض السلامة العامة في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، د. نضال العوران، فقد وقع التسرب أثناء صيانة وحدة قديمة في المجمع الصناعي، جراء تجمع سابق لغاز الأمونيا، قبل أن تتدخل فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية والجهات الفنية المختصة، وتغلق مصدر التسرب في وقت قصير، بينما أُخلي الميناء احترازيا، وسُجلت 11 حالة اختناق تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة، من دون تسجيل إصابات خطرة.
وأكد العوران أن الفرق المعنية تعاملت مع الحادث فور وقوعه، وأن كمية الغاز المتسربة كانت محدودة، فيما تمكنت الفرق الفنية من السيطرة على المصدر وإغلاقه، مشيرا إلى أن إخلاء الميناء جاء كإجراء احترازي يحمي العاملين ويمنع تعرضهم لأي مخاطر محتملة.
وأوضح أن مصابين تلقوا الإسعافات الطبية في عيادة المجمع، بينما نُقل آخرون إلى المستشفى لاستكمال الرعاية، مؤكدا عدم وجود إصابات خطرة، واستمرار فرق الاختصاص في متابعة الموقع والتحقق من استقرار الظروف البيئية ومستويات السلامة العامة، تمهيدا لعودة العمل إلى طبيعته.
من جانبه، قال محافظ العقبة أيمن العوايشة إن الفرق المختصة سيطرت فورا على التسرب، مبينا أن الكوادر العاملة في الموقع بادرت إلى إغلاق المحبس الرئيس وإيقاف التسرب في حينه، مشيرا إلى أنه، إلى جانب إصابة 11 شخصا في الحادث بإصابات خفيفة ومتوسطة، نقل كوادر الدفاع المدني 4 منهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج، بينما جرى التعامل مع باقي الإصابات ميدانيا في العيادات الداخلية للمجمع.
وأضاف العوايشة أن الجهات المعنية نفذت إجراءات إخلاء وقائية إلى نقاط آمنة في نطاق المنشآت وفق خطة الطوارئ، تحسبا لأي تطورات، ودون تسجيل إخلاء كامل للمنطقة.
وفي السياق ذاته، قال مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ د. محمود خليفات لـ”الغد”، إن الشركة فعّلت خطة الطوارئ المعتمدة فور رصد حادثة التسرب، ونفذت إجراءات الإخلاء الاحترازي لكوادر الميناء خلال فترة زمنية قياسية، حفاظا على سلامة العاملين واتخاذ الإجراءات الوقائية.
وأضاف خليفات أن الإخلاء جرى وفق الخطط المقررة للتعامل مع الحالات الطارئة، وبالتنسيق مع الجهات المعنية، مؤكدا أن سلامة العاملين والموجودين في مرافق الميناء أولوية، إذ باشرت فرق الطوارئ إجراءاتها، وتابعت تطورات الحادث ميدانيا، بما يضمن عدم العودة إلى العمل قبل التأكد من زوال مسببات الخطر.
وتكتسب سرعة الإخلاء أهمية خاصة في بيئة مينائية وصناعية، تتداخل فيها حركة العمال والآليات والسفن والشاحنات مع منشآت لتخزين ونقل النفط والغاز والأسمدة والمواد الكيميائية، إذ يمكن لدقائق قليلة أن تصنع فارقا حاسما بين حادث محدود وكارثة واسعة، بينما يعتمد نجاح الإخلاء على وضوح مسارات الخروج، وسرعة وصول التنبيهات، ومعرفة العاملين بنقاط التجمع، وقدرة غرف العمليات على اتخاذ القرار من دون تأخير.
وكان العوران قد أكد أن قياسات جودة الهواء والمؤشرات البيئية في المنطقة الجنوبية بقيت ضمن الحدود الطبيعية، وأن فرق الاختصاص واصلت عمليات الرصد للتحقق من استقرار الوضع، موضحا أن التسرب وقع في المجمع الصناعي لشركة مناجم الفوسفات الأردنية، وأن الإجراءات الفنية والأمنية نُفذت وفق خطط السلامة المعتمدة.
ولا تقتصر أهمية هذه القياسات على بعدها البيئي، بل تشكل أداة رئيسة لاتخاذ القرار التشغيلي، ذلك أن إعادة فتح الميناء أو استمرار إخلائه يجب أن تستندا إلى بيانات دقيقة حول تركيز الغاز واتجاه الرياح ومدى انتشاره، وليس إلى تقديرات بصرية أو انطباعات عامة، ما يعكس انتقال إدارة الحوادث من رد الفعل التقليدي إلى الاستجابة المبنية على الرصد والبيانات.
من "الكلورين" إلى "الأمونيا"
قبل ثلاثة أعوام، كان النقاش في العقبة يدور حول ما إذا كان إنشاء مركز الرقابة والسيطرة بعد حادثة الكلورين (حزيران “يونيو” 2022 أدت لوفاة 13 شخصا وإصابة عدة عاملين) قادرا على تعزيز عنصر الأمان، وربط المنشآت الصناعية والمينائية واللوجستية بمرجعية موحدة، وقد كشفت هذه الحادثة عن الحاجة إلى مركز قادر على رؤية المشهد كاملا، وتوحيد الاتصال بين الموانئ والمؤسسات الأمنية والدفاع المدني وسلطة العقبة والشركات الصناعية. كما دفعت إلى مراجعة إجراءات السلامة والصيانة، وإلزام المنشآت بتصويب الملاحظات وإعادة تأهيل مرافق يمكنها أن تشكل مصدرا للخطر.
ومع إنشاء مركز الرقابة في نهاية العام 2022، صار الهدف يتجاوز مراقبة حركة البضائع إلى بناء مظلة تشغيلية وأمنية، تتابع النشاط في المنطقة الجنوبية، وتساعد على اكتشاف المخاطر، وتسريع تمرير المعلومات، وتنسيق الاستجابة، وتقليل الزمن الفاصل بين لحظة رصد الحادث وبدء التعامل معه.
وتظهر الحادثة يوم أمس أن عددا من هذه الأهداف وجد طريقه إلى التنفيذ، فالبلاغ تبعته استجابة ميدانية، ثم إخلاء احترازي، وسيطرة فنية على مصدر التسرب، وإسعاف للمصابين، وقياسات لجودة الهواء، ومتابعة لاتخاذ قرار العودة إلى العمل، وهي حلقات مترابطة تعكس وجود خطة تتوزع فيها المسؤوليات بين الجهات المعنية.
غير أن الحكم على نجاعة المنظومة لا ينبغي أن يتوقف عند سرعة السيطرة وحدها، فالاستجابة الناجحة تخفف نتائج الحادث، بينما تمنع الوقاية وقوعه من الأصل. من هنا، فإن السؤال الأهم بعد انتهاء الحالة الطارئة يجب أن يتجه نحو السبب الجذري للتسرب، ولماذا بقي تجمع سابق للأمونيا داخل الوحدة القديمة، وما إذا كانت إجراءات العزل والتهوية والفحص قد نُفذت بالكامل قبل بدء أعمال الصيانة.
وفي قراءة تحليلية تحاكي تقييم خبراء السلامة الصناعية، فإن وقوع إصابات محدودة من دون وفيات أو حالات خطرة، مع منع انتشار الغاز خارج نطاقه، يمكن اعتباره دليلا على تحسن الاستجابة، لكنه لا يمثل شهادة نهائية بكفاءة الوقاية، إذ إن النجاح الحقيقي يكتمل فقط عندما تتحول نتائج التحقيق إلى تعديلات فنية تمنع تكرار السيناريو ذاته.
الإخلاء السريع معيار حاسم
وفي هذا الصدد، اعتبر الخبير في إدارة الأزمات محمد المهندس أن قرار إخلاء الميناء يشكل أحد أبرز المؤشرات على تغير الثقافة المؤسسية تجاه المخاطر، إذ كانت بعض بيئات العمل الصناعية تنظر سابقا إلى الإخلاء باعتباره إجراء مكلفا قد يؤدي إلى تعطيل العمليات، بينما بات ينظر إليه حاليا كاستثمار مباشر في حماية الأرواح، وكخيار وقائي مشروع، حتى لو تبين لاحقا أن نطاق الخطر كان محدودا.
ويشير إلى أن الإخلاء في مثل هذه الحالات يقاس بالزمن الذي استغرقته العملية، ومدى انضباط الحركة، وعدم حدوث تدافع أو ارتباك، وقدرة المشرفين على التأكد من وصول العاملين إلى نقاط آمنة، فضلا عن إبقاء الطرق مفتوحة أمام سيارات الدفاع المدني والإسعاف والفرق الفنية.
ويضيف المهندس أن نجاح الإخلاء الاحترازي في فترة قياسية يعني أن العاملين لم يتلقوا التعليمات للمرة الأولى أثناء الحادث، بل إن هناك تدريبا سابقا ومسارات اتصال معروفة، غير أن الحفاظ على هذه الجاهزية يتطلب تمارين دورية تشمل الورديات والعاملين والمتعهدين، وليس الموظفين الدائمين وحدهم.
وأشار إلى أن هذا الجانب يكتسب أهمية مضاعفة في الموانئ، إذ تعمل شركات متعددة داخل مساحة واحدة، وقد يوجد عمال تابعون لمقاولين أو سائقون وزوار وأطقم سفن لا يمتلكون الدرجة نفسها من المعرفة بخطط الطوارئ، ما يجعل توحيد التعليمات واللوحات الإرشادية وأنظمة الإنذار جزءا أساسيا من أي استجابة فعالة.