الغد-فرح عطيات
ارتبطت الرمال في الأردن لعقود طويلة بصورة الصحراء الممتدة والموارد غير المحدودة، إلا أن التحولات العمرانية المتسارعة منذ سبعينيات القرن الماضي، والتوسع في قطاعي الإسكان والبنية التحتية، أعادا تقديمها بوصفها موردا يدخل في قلب معادلة التنمية والبيئة معا.
فالمملكة التي تُصنف من بين أكثر الدول جفافا في العالم، تواجه أيضا ضغوطا متراكمة على أنظمتها البيئية الهشة، في وقت تشير فيه تقديرات رسمية وبيئية إلى أن أكثر من 90 % من مساحة الأردن تقع ضمن المناطق الجافة والمتصحرة أو المعرضة للتصحر بدرجات متفاوتة.
ومع اتساع المدن، وارتفاع الطلب على مشاريع الإسكان والطرق والإنشاءات، تحولت الرمال والمواد الإنشائية إلى أحد المكونات الأساسية في الاقتصاد العمراني المحلي، سواء عبر استخدامات الخرسانة والإسفلت أو الصناعات المرتبطة بالبناء.
وتُظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة ونقابة مقاولي الإنشاءات أن قطاع الإنشاءات ما يزال من القطاعات المحركة للاقتصاد الوطني خلال 2025، مدفوعا باستمرار التوسع العمراني ومشاريع البنية التحتية، وهو ما يرفع الطلب على الرمال والحصويات والمواد الخام المرتبطة بالبناء.
تحذيرات عالمية
يأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات جديدة لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن الطلب العالمي المتسارع على الرمال، المدفوع بالنمو السكاني والاقتصادي والتوسع العمراني ومشاريع البنية التحتية، بات يتجاوز مستويات الإمداد المستدام، ما يهدد النظم البيئية وسبل العيش التي تعتمد عليها المجتمعات حول العالم.
وأوضح التقرير، الصادر أول من أمس، والذي حمل عنوان "الرمال والاستدامة: مورد أساسي للطبيعة والتنمية"، أن العالم يستهلك نحو 50 مليار طن من الرمال سنويا، في وقت استغرقت فيه الطبيعة مئات آلاف السنين لتكوينها عبر عمليات التعرية الجيولوجية البطيئة.
ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على الرمال المستخدمة في قطاع البناء وحده بنسبة تصل إلى 45 % بحلول العام 2060، ما يعمّق ما وصفه التقرير بـ"فجوة الرمال"، أي استخراجها بوتيرة أسرع من قدرتها الطبيعية على التجدد.
أدوار حيوية
وأشار التقرير إلى أن الرمال لا تُستخدم فقط في الخرسانة والزجاج والإسفلت والبنية التحتية التي تقوم عليها الحياة الحديثة، بل تؤدي أيضا دورا بيئيا حيويا.
وهذا الدور يكمن بتوفير موائل طبيعية للأسماك والسلاحف والطيور وسرطانات البحر والعديد من الكائنات الأخرى، وتسهم في الحفاظ على التنوع الحيوي والتوازن البيئي، فضلا عن دعم قطاعات السياحة والثروة السمكية والأمنين الغذائي والمائي.
وبيّن أن الإبقاء على الرمال داخل النظم البيئية الطبيعية يسهم في تحقيق أهداف الإطار العالمي للتنوع الحيوي "كونمينغ – مونتريال"، الهادفة إلى حماية وإدارة 30 % من اليابسة والمياه والبحار بحلول عام 2030.
مورد إستراتيجي
على الصعيد المحلي، أكد أمين شر الجمعية الأردنية لمكافحة التصحر وتنمية البادية م. إسلام المغايرة، أن الاستغلال غير المستدام للرمال يمثل "تهديدا بيئيا" يتطلب معه "تدخلا عاجلا" على المستويات الوطنية، وحتى الإقليمية والدولية.
وشدد على أن الرمال يجب أن تُعامل باعتبارها "موردا إستراتيجيا"، وعنصرا من عناصر الطبيعة، وليس "مجرد مادة خام للبناء".
وتشكل الرمال للأردن، وفق قوله، موردا أساسيا لاستمرار التنمية البشرية، لكنّها في الوقت ذاته عنصر حيوي "لاستقرار" البيئة وحماية التنوع الحيوي.
وحذر، في تصريحات لـ"الغد" من أن استمرار "استنزاف الرمال" بوتيرة تفوق قدرتها على التجدد سيؤدي إلى "أزمات بيئية واقتصادية متفاقمة".
ولذلك يرى المغايرة أن تبني سياسات مستدامة لإدارة الرمال أصبح "ضرورة ملحة" لضمان التوازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة للأجيال القادمة.
ومن أجل تحقيق ذلك، طالب المغايرة بوضع تشريعات صارمة لتنظيم استخراج الرمال والحد من "التجريف العشوائي"، ودمج اعتبارات التنوع الحيوي في سياسات إدارة الرمال، وتطوير أنظمة مراقبة وخرائط بيئية لتحديد المناطق الحساسة بيئيا.
ومن بين مقترحاته كذلك تعزيز الشفافية في منح تصاريح الاستخراج وتمويل المشاريع، وتشجيع استخدام بدائل مستدامة في قطاع البناء، ودعم التعاون الدولي والإقليمي لإدارة الموارد الرملية بصورة مستدامة، وحماية المناطق البحرية والساحلية من أنشطة التجريف المفرط.
الرمال واستدامة الطبيعة
بدوره، دعا التقرير الأممي الحكومات والقطاع الصناعي إلى الاعتراف بالقيمة الحيوية للرمال، ليس فقط كمورد اقتصادي، بل كعنصر أساسي لاستدامة الطبيعة والخدمات البيئية، مطالبا بدمج اعتبارات التنوع الحيوي بشكل كامل ضمن سياسات إدارة الرمال وحوكمتها.
وفي تصريحات صحفية لمدير قاعدة البيانات العالمية للموارد التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في جنيف، باسكال بيدوتسي، أكد أن الرمال توصف أحيانا بأنها "البطل غير المرئي للتنمية"، إلا أن دورها في دعم الخدمات الطبيعية التي تعتمد عليها البشرية ما يزال أقل تقديرا.
وأضاف أن الرمال تمثل "خط الدفاع الأول" في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف، وتملح المياه الجوفية الساحلية، وهي مخاطر تتفاقم بفعل تغير المناخ.
وسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ"المعضلة الأساسية للرمال"، موضحا أن الرمال بعد استخراجها وتحويلها إلى خرسانة أو زجاج أو إسفلت تصبح فعليا خارج الدورة الطبيعية، وهو ما سماه التقرير "الرمال الميتة".
في المقابل، تبقى الرمال الموجودة في الأنهار والدلتا والمناطق الساحلية "رمالا حية" تؤدي وظائف بيئية حيوية، تشمل تنقية المياه، وتنظيم تدفق الأنهار، وحماية السواحل من التآكل والعواصف، ومنع تملح المياه الجوفية، والحفاظ على التنوع الحيوي.
وأشار إلى أن الطلب على الرمال "الميتة" المستخدمة في البناء يتنافس بشكل مباشر مع الحاجة إلى الحفاظ على الرمال "الحية" داخل النظم البيئية، ما يستدعي تحسين عمليات جمع البيانات والرصد، ورسم الخرائط لتحديد المناطق ذات القيمة البيئية العالية، إضافة إلى تعزيز الشفافية في منح تراخيص الاستخراج والموافقات على المشاريع وتدفقات التمويل.
وأكد التقرير أن إدارة الرمال بشكل مستدام تتطلب حوكمة منسقة بين القطاعات المختلفة، مدعومة بتخطيط طويل الأمد يوازن بين تلبية احتياجات التنمية وحماية النظم البيئية.
كما حذر من أن الاستخراج غير المستدام للرمال بدأ يتسبب في نقص بالإمدادات وتدهور بيئي متزايد، إلى جانب تصاعد احتجاجات المجتمعات المحلية المتضررة من تهديد مصادر رزقها.
وأظهرت بيانات منصة "Marine Sand Watch" التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن نحو نصف شركات التجريف البحري تعمل داخل مناطق بحرية محمية، وتمثل نحو 15 % من إجمالي كميات الرمال المستخرجة عالميا.
وأشار التقرير إلى أن ضمان فعالية حماية هذه المناطق يتطلب إجراء تقييمات أثر بيئي صارمة، وشفافية في اتخاذ القرار، وأنظمة مراقبة طويلة الأمد، لمنع تحول المناطق المحمية فعليا إلى مواقع لاستخراج الرمال.
ودعا الدول إلى إعداد خرائط طريق وطنية وقطاعية لإدارة الرمال بشكل مسؤول، بالاستفادة من الأدوات والمنصات التي طورها برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مؤكدا أن التدخل المبكر والمنسق لمعالجة أزمة الرمال ما يزال ممكنا وأقل تكلفة من التعامل مع تداعياتها مستقبلا.
وخلص التقرير، الذي أعده 27 خبيرا من مختلف أنحاء العالم، إلى أن الرمال تمثل موردا أساسيا لمستقبل التنمية والطبيعة معا، ما يستدعي "اختيارات أكثر حكمة واستخداما أكثر حذرا" لهذا المورد الحيوي.