سكة العقبة-الشيدية-معان.. كيف تصنع التضاريس حلولا هندسية جديدة؟
الغد-محمد الكيالي
يمثل مشروع سكة حديد العقبة-الشيدية-معان خطوة إستراتيجية لتعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة نقل الموارد الوطنية، مع استهداف نقل نحو 13 مليون طن من خامات الفوسفات سنويا.
وتمنح طبيعة جنوب المملكة الجيولوجية والتضاريسية والمناخية الخاصة المشروع فرصة لتقديم نموذج متقدم في تصميم وتنفيذ مشاريع السكك الحديدية، عبر توظيف أحدث الحلول الهندسية والمعايير العالمية بما يضمن السلامة والكفاءة والاستدامة على امتداد عمره التشغيلي.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنشاء خط نقل حديث، بل تمتد إلى تعزيز دور الخبرات والكفاءات والشركات الأردنية في مختلف مراحله، والاستفادة من المعرفة المتخصصة والتقنيات الحديثة لتطوير قدرات وطنية في هندسة السكك الحديدية والجيولوجيا والجيوتقنية، بما يفتح المجال أمام توطين التكنولوجيا وابتكار حلول أردنية يمكن البناء عليها في مشاريع البنية التحتية المستقبلية.
خطوة نوعية في البنية التحتية
وتعليقا على الاتفاقية، أشار نقيب المهندسين م. عبدالله غوشة إلى الجهود التي أفضت إلى توقيع اتفاقية مشروع سكة حديد ميناء العقبة، معتبرا أنها تمثل خطوة نوعية في مسيرة البنية التحتية الوطنية، وتعكس رؤية تستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية للثروات الطبيعية الأردنية.
وقال غوشة إن المشروع يقوم على استثمار يبلغ 2.3 مليار دولار لإنشاء شبكة سككية بطول 360 كيلومترا، وبطاقة تقارب 16 مليون طن سنويا، مشيرا إلى أن أهميته تتعزز في ضوء امتلاك الأردن احتياطيات من الفوسفات تقدر بنحو 3.7 مليار طن، تضعه في المرتبة الخامسة عالميا.
وأضاف أن تنفيذ المشروع عبر شراكة مناصفة بين الأردن والإمارات يحمل دلالة خاصة، باعتباره نموذجا للتكامل الاقتصادي العربي القائم على الثقة وتقاسم الرؤية والمستقبل.
وأكد أن مشروعا بهذا الحجم يستحق توظيف أفضل ما لدى الأردن من علم وخبرة، مشددا على أهمية إيلاء طبيعة البيئة التي سيعمل فيها عناية خاصة في جميع مراحله.
وقال: "جنوب المملكة يتميز بخصوصية جيولوجية وطبوغرافية، وبنشاط زلزالي يستدعي حضوره الدائم في الحسابات الهندسية، كما تشهد المنطقة سيولا موسمية مفاجئة قد تأتي بعد فترات جفاف طويلة، وتعيش ظروفا مناخية تتسم بالحرارة العالية والرياح المحملة بالرمال".
وأضاف إلى ذلك قرب المشروع من البيئة البحرية في خليج العقبة، بما تحمله من قيمة بيئية وسياحية واقتصادية تستوجب الحماية والصون.
وتابع: "قد أثبتت التجارب أن التعامل الواعي مع هذه الجوانب منذ المراحل الأولى هو ما يصنع الفارق بين مشروع ناجح ومشروع مستدام يخدم الأجيال القادمة".
وأضاف: "نرى أن ذلك يتحقق بمنظومة متكاملة من الممارسات الهندسية الرشيدة، أولها دراسات أساسية معمقة تمنح المصممين صورة دقيقة وشاملة عن الموقع وطبيعته، ويليها اعتماد أفضل المعايير العالمية في تصميم السكك الحديدية للنقل الثقيل، بما ينسجم مع كودات البناء الوطنية، والاستعانة بالمراجعة الهندسية المتخصصة للعناصر الحرجة في المشروع".
وقال: "نرى كذلك أهمية أن تُدرج في التصميم أنظمة حديثة للرصد والإنذار المبكر، تتابع الحالة الإنشائية للخط وتستجيب للظروف الطبيعية الطارئة بما يحفظ سلامة التشغيل والعاملين، وأن تُبنى خطط تشغيل وصيانة واضحة منذ مرحلة التصميم، لا بعد اكتمال الإنشاء، وأن يُنظر إلى كلفة المشروع على امتداد عمره التشغيلي الطويل، لا عند حدود كلفة إنشائه، فالاستثمار المدروس في الجودة اليوم هو ما يوفر الكثير غدا".
وعلى الصعيد البيئي، قال غوشة: "نتطلع إلى أن يكون المشروع نموذجا في الاستدامة، من خلال تقييم شامل للأثر البيئي والاجتماعي، وحلول تحد من الغبار والانبعاثات، وتحمي الموارد المائية والتنوع الحيوي في المناطق التي يمر بها. ونؤكد في هذا السياق أن الجامعات ومراكز البحث والخبراء الأردنيين يمتلكون معرفة متراكمة بطبيعة المنطقة وخصائصها الجيولوجية والمناخية".
وأكد: "نأمل أن يكونوا شركاء فاعلين في هذه الجوانب، فتتكامل الخبرة المحلية مع الخبرة العالمية لما فيه مصلحة المشروع واستدامته. ونحن على ثقة بأن الجهات القائمة عليه تولي هذه الاعتبارات ما تستحقه من اهتمام، والنقابة على استعداد دائم لتقديم الرأي الفني والمساندة المهنية متى دعت الحاجة".
وأوضح أن المشروع يحمل آثارا اقتصادية واسعة، مبينا: "إن نقل 13 مليون طن من الفوسفات بالشاحنات يتطلب أكثر من 300 ألف رحلة سنويا، أي قرابة 900 رحلة يوميا. وانتقال هذه الكميات إلى السكة سيسهم في تخفيف الضغط على شبكة الطرق، وتعزيز السلامة المرورية، وخفض كلف الصيانة والانبعاثات".
واعتبر أن ذلك سيمنح قطاع التعدين منظومة نقل أكثر انتظاما وكفاءة، "تدعم قدرة صادراتنا على المنافسة، وتعزز حضور الأردن في سلاسل الإمداد العالمية للأسمدة والأمن الغذائي".
وشدد على الترحيب بتوجه الحكومة نحو ربط المشروع بمنطقة معان التنموية والميناء البري، "لما يفتحه ذلك من آفاق لتنمية محافظات الجنوب وتوفير فرص عمل نوعية لأبنائها".
وتابع: "نتطلع في نقابة المهندسين إلى أن يكون هذا المشروع مساحة رحبة لمشاركة الكفاءات الأردنية. فالمكاتب الهندسية والمقاولون الوطنيون يمتلكون خبرات متراكمة أثبتت حضورها في مشاريع المملكة والمنطقة، وبإمكانهم أن يقدموا إسهاما مميزا في مراحل الدراسة والتصميم والإشراف والتنفيذ".
وأضاف: "نأمل أن تتضمن آليات تنفيذ المشروع ما يعزز المحتوى المحلي، ويتيح شراكات بناءة بين بيوت الخبرة العالمية والشركات الأردنية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها، ويدعم الصناعة الوطنية حيثما توفرت الجودة والمواصفة".
وأشار إلى أن المشروع يمثل فرصة لتطوير تخصصات تقنية وهندسية في مجال السكك الحديدية في الأردن، قائلا: "كما نرى في المشروع فرصة طيبة لتطوير تخصصات تقنية وهندسية في السكك الحديدية في الأردن، بمجالاته المتعددة من التصميم والإشارات والاتصالات إلى التشغيل والصيانة وإدارة الأصول".
وأكد أن النقابة على أتم الاستعداد "للتعاون مع الجهات المعنية والجامعات الأردنية، وفي مقدمتها جامعات الجنوب، في إعداد برامج تدريب وتأهيل معتمدة ترافق المشروع منذ بداياته، فتكون كوادرنا الوطنية جاهزة للمساهمة في تشغيله وصيانته. كذلك تفتح التقنيات الحديثة، كالتوائم الرقمية والصيانة الذكية والتصنيع المتقدم، آفاقا واعدة أمام الشركات الناشئة الأردنية لتقديم حلول مبتكرة تخدم هذا القطاع".
أهمية اقتصادية وتنموية كبيرة
بدوره، قال نقيب الجيولوجيين خالد الشوابكة إن توقيع اتفاقية مشروع سكة حديد العقبة-الشيدية-معان يمثل خطوة إستراتيجية مهمة لتعزيز منظومة النقل والبنية التحتية في الأردن، خصوصا في ظل أهمية المشروع في نقل نحو 13 مليون طن من خامات الفوسفات سنويا من منطقة الشيدية، بما يدعم قطاع التعدين ويعزز كفاءة نقل الموارد الوطنية.
وأكد أن المشروع يحمل أهمية اقتصادية وتنموية كبيرة، وأن نجاحه واستدامته يتطلبان الاستناد إلى دراسات جيولوجية وجيوتقنية وتكتونية متكاملة، بما ينسجم مع طبيعة التضاريس والخصائص الجيولوجية في جنوب الأردن، ويضمن تنفيذ مسار السكك الحديدية وفق أعلى المعايير الفنية والهندسية.
وزاد أن إعداد نموذج جيولوجي وجيوتقني وزلزالي متكامل للمسار، مدعوما بالمسوحات الجيولوجية والجيوفيزيائية والآبار الاستكشافية والاختبارات الحقلية والمخبرية، سيسهم في الوصول إلى أفضل الحلول الهندسية للقطوع والمنحدرات والجسور والعبارات والردميات، وتعزيز استقرار الخط واستدامته أمام الأحمال المتكررة وحجم النقل المستهدف.
وأشار إلى أن اعتماد هذه الأسس العلمية منذ المراحل الأولى للمشروع من شأنه أن يرفع كفاءة التنفيذ والتشغيل، ويعزز مستويات السلامة، إلى جانب الإسهام في الحد من تكاليف الصيانة مستقبلا.
وأضاف أن المشروع يوفر فرصة مهمة لتعزيز مشاركة الكفاءات والشركات الأردنية، عبر إشراك الجيولوجيين والمهندسين والشركات المحلية في أعمال الدراسات والاستشارات والمسح الجيولوجي والجيوتقني والجيوفيزيائي، فضلا عن المختبرات وأعمال المراقبة.
وشدد على أهمية أن تتضمن عقود الشركات الدولية برامج لنقل التكنولوجيا والتدريب وبناء القدرات الوطنية، بما يتيح للأردنيين اكتساب خبرات متقدمة يمكن توظيفها في مشاريع مستقبلية.
وأكد أن سكة حديد العقبة-الشيدية-معان تتجاوز كونها مشروعا لنقل الفوسفات، لتشكل مشروعا وطنيا متكاملا للبنية التحتية والنقل، وفرصة لتعزيز المعرفة والتكنولوجيا وتطوير خبرات أردنية متخصصة في جيولوجيا السكك الحديدية وإدارة المخاطر الجيولوجية، بما يخدم مشاريع التعدين والنقل والبنية التحتية في مختلف مناطق المملكة.