ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة.. كيف تتحول لأداة في مواجهة البطالة؟
الغد-هبة العيساوي
تتحول ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة في الأردن تدريجيا من خيار فردي إلى أداة لمواجهة البطالة وخلق فرص العمل، في ظل محدودية الوظائف التقليدية وارتفاع معدلات التعطل.
ويرى خبراء أن توسع هذا القطاع يمكن أن يساهم في تشغيل الباحثين عن عمل وأفراد أسرهم، إلا أن نجاحه لا يرتبط بعدد المشاريع التي تبدأ، بل بقدرتها على الاستمرار والنمو وتوظيف الآخرين، ما يتطلب بيئة داعمة للتمويل والتسويق والتكنولوجيا والتصدير، إلى جانب تبسيط الإجراءات.
وفي هذا السياق، تتجه مؤسسات حكومية إلى تعزيز التعاون لدعم المشاريع الريادية والصغيرة،
إذ بحث صندوق التنمية والتشغيل وبنك تنمية المدن والقرى سبل توحيد الجهود وتبادل الخبرات لتمكين الشباب وأصحاب المشاريع، وتحسين الخدمات المقدمة لهم، بما يعزز فرص التشغيل ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، انسجامًا مع أولويات رؤية التحديث الاقتصادي في تمكين الشباب وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل.
محرك وطني للاقتصاد
من ناحيته، قال الرئيس التنفيذي لجمعية شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات "إنتاج"، إن ريادة الأعمال تشكل أحد المحركات الحيوية والاستراتيجية للاقتصاد الوطني، إلا أنها "ليست مساراً يناسب الجميع"، ولا تعني أن على كل شاب تأسيس مشروعه الخاص.
وأضاف، أن ريادة الأعمال الحقيقية تتطلب سمات وصفات استثنائية، أبرزها المرونة العالية، والقدرة على تحمل المخاطر، والمثابرة، والرؤية الاستراتيجية، مبيناً أن الشركة الناشئة ليست مجرد مشروع تجاري صغير، إنما يجب أن تقوم على الابتكار والتكنولوجيا، وأن تكون قادرة على النمو السريع والتوسع وخلق فرص عمل ذات قيمة ومستدامة.
وأوضح، إن الشركات الناشئة تكمل النماذج الوظيفية التقليدية التي تظل ركيزة أساسية لسوق العمل، وتستهدف بصورة خاصة استيعاب الكفاءات ذات التوجه الابتكاري، بما يسهم في مواجهة تحديات البطالة.
وقال إن "إنتاج" تعتز بإدارة المنصة الوطنية للشركات الناشئة «Startupsjo.com»، التي تمثل شراكة إستراتيجية بين القطاعين العام والخاص، بدعم من وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة ورعاية الصندوق الأردني للريادة، مشيراً إلى أن المنصة صممت لتكون بوابة مركزية للمبتكرين، وتختصر عليهم التعقيدات عبر توحيد جهود الجهات الداعمة وبناء بيئة أعمال جاذبة للاستثمار والنمو.
وأضاف أن المنصة توفر خرائط تفاعلية وقواعد بيانات، وتسهل الربط مع الشبكات الاستثمارية وحاضنات ومسرعات الأعمال، إلى جانب برامج تساعد على الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ، وبرامج تدريب وتشغيل لخريجي القطاع، وخدمات قانونية ومالية، وشراكات مع شركات عالمية توفر حلولاً سحابية وتسهيلات تساعد الشركات المبتكرة على التوسع محلياً وإقليمياً.
وأشار إلى أن المنصة تضم اليوم أكثر من 575 شركة ناشئة مسجلة تعمل في قطاعات ابتكارية، من بينها التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، والصحة، والتجارة الإلكترونية، إضافة إلى عشرات المستثمرين ومزودي الخدمات.
وأكد أن هذا الحضور يعكس قدرة الاستثمار في رواد الأعمال المبتكرين على إنتاج مشاريع ذات قيمة مضافة، وإعادة تشكيل خريطة التوظيف، وبناء اقتصاد معرفي مستدام.
ونصح الشباب بعدم الانسياق وراء "ضجيج" ريادة الأعمال باعتبارها المسار الوحيد أو الأسهل للنجاح، داعياً إياهم إلى عدم تأسيس شركات ناشئة دون امتلاك الاستعداد الشخصي والمهارات المطلوبة، ودراسة أفضل الممارسات العالمية في بناء نماذج الأعمال بصورة احترافية ومبتكرة.
وقال: «لا تهرولوا نحو المستثمرين قبل الأوان»، داعياً الشباب إلى التركيز أولاً على إعداد دراسات جدوى وافية، والتأكد من اكتمال عناصر الفكرة، وإثبات قدرتها على البيع وخلق قيمة حقيقية في السوق.
وأضاف أن النجاح في ريادة الأعمال "لا يُصنع بالمصادفة"، وإنما يبنى بالتخطيط الدقيق، والابتكار الجذري، والإصرار على التميز.
متنفس للتقليل من البطالة
من جانبه قال أستاذ الاقتصاد د.قاسم الحموري، إن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة تدفع الناس بشكل متزايد إلى إنشاء المشاريع الصغيرة، باعتبارها وسيلة لتوفير فرص عمل ذاتية برأس مال متواضع، دون الحاجة إلى خبرات طويلة.
وأضاف أن هذه المشاريع تمثل في كثير من الحالات "المتنفس" لتشغيل أصحابها أو بعض أفراد أسرهم، مشيرا إلى أن حجم الإقبال عليها يرتفع كلما اشتدت البطالة.
وأوضح، أن الفترة الممتدة من عام 2000 وحتى عام 2008، وقبل اندلاع الأزمة المالية العالمية، شهدت توفرا أكبر في فرص العمل، ولذلك لم يكن الإقبال على المشاريع الصغيرة بالحجم نفسه، إلا أن تراجع فرص التوظيف دفع المزيد من الناس لاحقا إلى هذا الخيار.
وأشار إلى أن جزءا من هذه المشاريع يفشل، مستشهدا بتجربة "الغارمات" الأردنيات، حيث انتهى وضع عدد منهن إلى السجن بسبب تعثر المشاريع والالتزامات المالية.
وقال إن التحديات لا تقتصر على إقامة المشروع نفسه، بل تمتد إلى تسويق المنتجات، فضلا عن تعدد الجهات الرقابية، والأنظمة الضريبية، والإجراءات البيروقراطية التي قد تعيق استمرارية بعض المشاريع.
وأكد أن انتشار المشاريع الصغيرة يرتبط أساسا بمحاولة مواجهة البطالة، لافتا إلى أن مبدأ "التشغيل بدلا من التوظيف" بدأ يترسخ في الأردن، في ظل محدودية فرص التوظيف، وأن إنشاء المشاريع الصغيرة يعد من أسهل أشكال التشغيل الذاتي.
ضرورة اقتصادية
بدوره قال الخبير في قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال وصفي الصفدي، إن ريادة الأعمال أصبحت ضرورة اقتصادية وليست خيارًا إضافيًا، لا سيما مع وصول البطالة بين الأردنيين إلى 21% في الربع الثاني من 2026، ما يجعل الاعتماد على القطاع الحكومي والشركات الكبرى وحدها لتوفير فرص العمل غير كافٍ.
وأضاف أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تشكل أكثر من 90 % من المنشآت في الأردن، ما يجعلها قاعدة أساسية يمكن البناء عليها في معالجة مشكلة التشغيل، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تأسيس المشروع وإنما في تحويله إلى شركة تنمو وتوظف.
وأوضح أن أكثر من 80 % من رواد الأعمال الجدد يدخلون هذا المسار جزئيًا بسبب ندرة فرص العمل، فيما لا يزال الخوف من الفشل مرتفعًا، إذ يمتنع نحو 59 % ممن يرون فرصًا جيدة للأعمال عن بدء مشروع بسبب الخوف من الفشل.
وتابع، إن معيار نجاح برامج ريادة الأعمال يجب أن ينتقل من عدد المشاريع التي حصلت على تمويل إلى عدد المشاريع التي بقيت ونمت وخلقت وظائف، مؤكدًا أن المشروع الذي ينتقل من موظف واحد إلى خمسة أو عشرة أو خمسين موظفًا يصبح أداة حقيقية في مواجهة البطالة.
وأكد أن الأردن يحتاج إلى التركيز على المشروع القابل للنمو، وربطه بالتمويل والتكنولوجيا والتصدير وسلاسل التوريد، بحيث لا يكون الهدف فقط خلق رائد أعمال، بل شركة قادرة على خلق فرص عمل جديدة.
وختم بالقول إن السؤال لم يعد "كم مشروعًا جديدًا نستطيع أن نطلق؟"، وإنما "كم مشروعًا نستطيع أن نجعله يستمر وينمو ويوظف الآخرين؟"، وهنا تتحول ريادة الأعمال من مبادرة فردية إلى سياسة اقتصادية حقيقية للتوظيف والنمو.