الشركات الناشئة.. كيف تواجه محدودية السوق؟
الغد-إبراهيم المبيضين
في قلب العاصمة الأردنية، حيث الحيوية والتحولات الرقمية المتسارعة، يمر قطاع الشركات الناشئة بمخاض تكنولوجي لافت يعيد تشكيل مفاهيم الاستثمار والنمو.
ورغم هذا الزخم الإبداعي وتدفق التقنيات الحديثة، يواجه المبتكرون الأردنيون جدارا صلبا يتمثل في صغر حجم السوق المحلية ومحدوديتها اقتصاديا.
هذا التحدي الجغرافي، وعلى مستوى القوة الشرائية، يضع، وفقا لخبراء، على عاتق المؤسسين مسؤولية استثنائية تتجاوز مجرد البقاء؛ إذ بات لزاما عليهم ابتكار أفكار مرنة وعابرة للحدود، تملك القدرة الذاتية على التوسع الإقليمي والعالمي، كشرط أساسي لنمو أعمالهم وازدهارها.
ويرى خبراء محليون في قطاع ريادة الأعمال أن استدامة هذه الشركات باتت ترتكز بشكل محوري على تبني إستراتيجية "العالمية أولا" (Global First) منذ لحظة التأسيس والبدء في التخطيط لنموذج العمل.
وبموجب هذه الرؤية المستحدثة، لم يعد السوق الأردني يُصنف كوجهة نهائية أو سقف للطموح، بل تحول إلى حاضنة حيوية ومختبر آمن لاختبار المنتجات، وقياس ردود فعل المستهلكين، وتطوير كفاءة الخدمات قبل إطلاقها على نطاق أوسع.
هذا التحول الجذري في المفاهيم يفرض على رواد الأعمال تصميم حلول ذكية وقابلة للتكيف، لتلبي بدقة تطلعات واحتياجات المستهلكين المتنوعة في أسواق إقليمية ودولية متعددة الثقافات.
ولتحقيق هذا النمو العابر للحدود في المراحل المبكرة من عمر المشروع، يجمع المتخصصون على ضرورة الاستثمار المكثف والذكي في أدوات التحول الرقمي والبنية التحتية المتطورة.
وتأتي الحوسبة السحابية، ومنصات التجارة الإلكترونية، وإستراتيجيات التسويق الرقمي الموجه، في مقدمة هذه الأدوات التي تمنح الشركات الناشئة القدرة على تخطي الحدود التقليدية دون الحاجة إلى تأسيس مقار فيزيائية مكلفة، وإن تطويع هذه الحلول التقنية الحديثة يتيح للمشاريع المحلية فرصة بناء حضور رقمي قوي ومؤثر يستهدف الأسواق الكبرى بكفاءة عالية وبأقل التكاليف التشغيلية الممكنة.
ويرى الخبراء أن معادلة النجاح الخارجي لا تعتمد كليا على التكنولوجيا وحدها، بل تتطلب نسج شبكة معقدة من الشراكات الإقليمية والتحالفات التجارية الإستراتيجية.
وتؤدي هذه العلاقات العابرة للحدود دورا حاسما في تذليل العقبات التنظيمية واللوجستية التي تواجه الشركات عند دخولها بيئات استثمارية جديدة.
ومن خلال التنسيق مع شركاء محليين في الأسواق المستهدفة، يضمن رواد الأعمال الأردنيون توسع أعمالهم بسلاسة وأمان، محولين التحديات المحلية إلى قصص نجاح تلهم الجيل القادم من المبتكرين.
وأكد الرئيس التنفيذي للجمعية الأردنية لريادة الأعمال، الدكتور بلال الوادي، أن محدودية السوق الأردني تمثل تحديا بنيويا أمام الشركات الناشئة.
لكن الوادي أكد أن هذا التحدي لا ينبغي أن يتحول إلى سقف لطموحها؛ فالأردن، بما يمتلكه من كفاءات بشرية، وموقع استراتيجي، وبنية رقمية متنامية، مؤهل ليكون منصة لإنتاج الابتكار وتصديره.
وأوضح أن بلوغ معدل البطالة بين الأردنيين 21.1 % خلال الربع الأول من عام 2026 يؤكد أن ريادة الأعمال لم تعد خيارا تكميليا، بل ضرورة وطنية لإيجاد الوظائف النوعية وتنويع مصادر النمو.
وأشار الوادي إلى أن نجاح الشركة الناشئة لا يقاس بعدد عملائها داخل السوق المحلية، بل بقدرتها على بناء نموذج أعمال قابل للتوسع والتدويل.
وبيّن أن تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال لعام 2026، الذي شمل 53 اقتصادا تمثل 57 % من الناتج العالمي، حذّر من اتساع "فجوة البقاء" بين تأسيس الشركات وقدرتها على التحول إلى مؤسسات مستقرة؛ الأمر الذي يستدعي الانتقال من الاحتفاء بعدد الشركات الناشئة إلى قياس جودة نموها، واستدامتها، وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وأضاف أن التكنولوجيا أعادت رسم حدود الأسواق؛ فالشركة الأردنية لم تعد محكومة بالجغرافيا، وإنما بقدرتها على الابتكار والوصول وبناء الثقة عالميا.
وأكد أن تقرير منظومة الشركات الناشئة العالمية لعام 2026 أظهر نموا بنسبة 218 % في تمويل الشركات المؤسسة على الذكاء الاصطناعي، وارتفاعا بنسبة 969 % في قيمتها داخل المنظومات الريادية، بما يبرهن أن المستقبل سيكون للشركات التي توظف الذكاء الاصطناعي والبيانات لتصدير البرمجيات والخدمات المعرفية والحلول الرقمية، لا لتلك التي تكتفي بخدمة الطلب المحلي. وشدد الوادي على ضرورة الانتقال من سياسة دعم تأسيس الشركات إلى سياسة وطنية لهندسة نموها وتدويلها، من خلال تمويل التوسع، وضمان الائتمان، وحماية الملكية الفكرية، ودعم الاعتمادات الدولية، وربط الشركات بالمستثمرين والمشترين في الخارج، وتوظيف المشتريات الحكومية بوصفها سوقا أولى للابتكار الوطني.
وأشار إلى أن نمو الصادرات الوطنية بنسبة 5.8 % خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 يؤكد أن المستقبل الاقتصادي للأردن يمر عبر الأسواق الخارجية؛ فالدولة الريادية لا تدير المشروع نيابة عن صاحبه، بل تزيل العوائق من أمامه، وتمنحه فرصة عادلة، وتفتح للابتكار الأردني أبواب العالم.
ويرى الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الأعمال، المهندس هاني البطش، أن محدودية السوق الأردني تعد أحد التحديات الحقيقية للشركات الناشئة، لكنها ليست السبب الرئيس لفشلها، وليست عائقا لا يمكن تجاوزه.
وأضاف البطش أن الأردن "يمتلك قاعدة سكانية محدودة مقارنة بالأسواق الإقليمية، كما أن القدرة الشرائية في بعض القطاعات ليست مرتفعة"، الأمر الذي قد يحد من سرعة نمو الشركات التي تعتمد على السوق المحلية فقط، إلا أن الاقتصاد الرقمي غيّر قواعد المنافسة، وأصبح نجاح الشركات يعتمد على قدرتها على الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية أكثر من اعتمادها على حجم السوق المحلية.
وحول كيفية مواجهة هذا التحدي، قال البطش: "ينبغي أن تولد الشركات الناشئة بعقلية عالمية (Global First)، بحيث يكون السوق الأردني بيئة لاختبار المنتجات وتحسينها، وليس السوق النهائي. ومن المهم تصميم المنتجات والخدمات وفق احتياجات أسواق متعددة، مع الاستثمار في التسويق الرقمي، والحوسبة السحابية، ومنصات التجارة الإلكترونية، والشراكات الإقليمية، بما يتيح التوسع خارج الحدود منذ المراحل الأولى. كما أن التركيز على القطاعات الرقمية القابلة للتصدير، مثل البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات المالية، والتعليم الرقمي، يفتح فرصا للنمو دون التقيد بحجم السوق المحلية".
ولفت إلى أن البنية التحتية للاتصالات والإنترنت وخدماتها ألغت كثيرا من القيود الجغرافية التي كانت تواجه الشركات سابقا؛ فاليوم تستطيع شركة ناشئة في عمّان تقديم خدماتها لعملاء في الخليج أو أوروبا أو أميركا الشمالية من خلال المنصات الرقمية، والعمل عن بُعد، والحوسبة السحابية، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والتسويق الرقمي.
وأصبحت المنافسة تعتمد على جودة المنتج والابتكار أكثر من موقع الشركة الجغرافي، مما يمنح الشركات الأردنية فرصة حقيقية للوصول إلى أسواق تضم مئات الملايين من العملاء إذا امتلكت منتجا منافسا واستراتيجية توسع واضحة.
وقال: "ينبغي أن يتركز دور الحكومة على تمكين الشركات من الوصول إلى الأسواق، وليس فقط دعم تأسيسها. ويتطلب ذلك تسهيل التوسع الإقليمي والدولي من خلال الاتفاقيات التجارية والاعتراف المتبادل بالخدمات الرقمية، وتبسيط الإجراءات التنظيمية، وتوفير بيئة تشريعية مرنة للشركات الناشئة، وتعزيز الوصول إلى التمويل ورأس المال الجريء، ودعم المشاركة في المعارض والأسواق الدولية".
وبيّن أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير التشريعات الخاصة بالاقتصاد الرقمي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، يسهم في رفع ثقة المستثمرين والعملاء الدوليين بالشركات الأردنية. ومن المهم أيضا تعزيز الشراكة بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص لتطوير المهارات الرقمية، وربط البحث العلمي باحتياجات السوق، وتحويل الابتكار إلى منتجات وخدمات قابلة للتصدير.
وقال البطش: "لم يعد السؤال اليوم: هل السوق الأردني صغير؟ بل أصبح: كيف نجعل الشركة الأردنية قادرة على المنافسة في سوق عالمي؟ ففي الاقتصاد الرقمي، لم يعد حجم السوق المحلي هو العامل الحاسم، وإنما القدرة على الابتكار، وسرعة التوسع، وجودة المنتج، والوصول إلى العملاء أينما كانوا. وإذا نجحنا في بناء شركات تفكر عالميا منذ يومها الأول، فإن محدودية السوق المحلية ستتحول من تحدٍ إلى نقطة انطلاق نحو أسواق أكبر".
ويرى الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي أن محدودية حجم السوق الأردني تعتبر تحديا دقيقا ومهما للشركات الناشئة، لكن الأدق في صياغته أن يقال: "محدودية حجم السوق المحلية تفرض على الشركات الناشئة ضرورة التوسع المبكر نحو الأسواق الإقليمية والدولية".
فالأردن، بحسب الصفدي، اقتصاد صغير ومفتوح، وقد أشار البنك الدولي صراحة إلى أن صغر السوق المحلي يجعل التوسع إلى الأسواق الإقليمية والعالمية أمرا أساسيا أمام رواد الأعمال الأردنيين، كما تؤكد بيانات GEM الحديثة أن الوصول إلى الأسواق الدولية يتحسن، لكن اختراق الأسواق العالمية ما يزال محدودا، خصوصا للشركات الناشئة في مراحلها المبكرة.
ويرى الصفدي أن مواجهة هذا التحدي تبدأ من الريادي نفسه، عبر تصميم نموذج العمل منذ البداية ليكون قابلا للتوسع خارج الأردن، واختيار منتجات أو خدمات ذات طلب إقليمي أو عالمي، وإجراء أبحاث سوق مبكرة، وبناء قدرات في التسويق والتصدير والتسعير وإدارة العمليات العابرة للحدود، بدل الاعتماد على السوق المحلية وحدها.
أما الحكومة، فيرى الصفدي أن دورها ليس تعويض صغر السوق، بل مساعدة الشركات على تجاوزه: تبسيط إجراءات التصدير والتجارة، وتحسين البيئة التشريعية والتمويلية، ودعم المشاركة في المعارض وبرامج الوصول إلى الأسواق، وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين والشركاء الدوليين، وتعزيز الاتفاقيات والشبكات التي تفتح أمام المنتجات الأردنية أسواقا جديدة.
وهذا يتسق مع رؤية التحديث الاقتصادي التي تضع الأسواق الدولية والصادرات محركا للنمو، ومع برنامجها التنفيذي 2026-2029 الذي يتضمن مبادرات لتسريع الرقمنة، وتطوير بيئة الأعمال الرقمية، وإنشاء منصات وحاضنات لدعم الابتكار والشركات الناشئة.
وعن الإنترنت والرقمنة، قال الصفدي إنهما من أهم الأدوات القادرة على تحويل صغر السوق الأردني من قيد إلى حافز للتوسع؛ إذ يمكن للشركة بيع البرمجيات والخدمات الرقمية عن بُعد، والوصول إلى العملاء عبر التجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية والمنصات العالمية، واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لتحديد الأسواق الأكثر جاذبية وتوطين المنتجات والتسويق بلغات مختلفة.
فيما تؤكد رؤية التحديث الاقتصادي هذا الاتجاه بصورة مباشرة، إذ تستهدف توسيع الأسواق وتعزيز الصادرات الرقمية، وتتضمن مبادرات لإطلاق حملات محلية ودولية لتسريع تصدير المنتجات والخدمات الرقمية وتعزيز مكانة الأردن عالميا في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وختم قائلا: "لذلك، فالتحدي الحقيقي ليس أن "السوق الأردني صغير" بحد ذاته، بل أن الشركة الناشئة قد تبني نموذجا يعتمد عليه بصورة مفرطة؛ والحل الإستراتيجي هو الانتقال من شركة تخدم سوقا محلية إلى شركة أردنية تستخدم الأردن قاعدة لبناء منتج قابل للتصدير والتوسع عالميا".