الغد-عبدالرحمن الخوالدة
في ظل بيئة اقتصادية إقليمية ودولية متقلبة، يواجه الأردن تحديات هيكلية متعددة تتشابك مع ضغوطات خارجية، مما يجعل الأداء الاقتصادي الوطني عرضة لمخاطر مركبة تؤثر على سوق العمل، الدخل الحقيقي للأسر، المالية العامة والاستقرار الاجتماعي.
فقد أظهر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، أن أبرز المخاطر التي تواجه الأردن خلال المرحلة المقبلة، تشمل نقص الفرص الاقتصادية وارتفاع البطالة، وعبء المديونية العامة والخاصة، والتباطؤ الاقتصادي، والتضخم، ونقص الكفاءات، وهي مخاطر مترابطة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها بعضا.
وأكد اقتصاديون في تصريحات لـ"الغد"، أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب حزمة سياسات متكاملة، عبر تعزيز النمو الإنتاجي، وتوسيع فرص التشغيل، وضبط المديونية، وربط التعليم والتدريب بحاجات سوق العمل، بما يخفف الضغوطات الاجتماعية والمالية ويعزز مرونة الاقتصاد الأردني خلال المرحلة المقبلة.
وبينوا أن رؤية التحديث الاقتصادي تمثل الإطار الأشمل والأكثر إستراتيجية للخلاص من هذه المخاطر.
فالرؤية، التي أطلقت في العام 2022 لمعالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الوطني، تهدف إلى تحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد إنتاجي قائم على التصدير والتشغيل، عبر خلق مليون فرصة عمل للشباب خلال عشر سنوات، وزيادة الدخل الحقيقي، وتعزيز الإنتاجية، وربط التعليم والتدريب المهني بحاجات سوق العمل، وتوسيع قاعدة الاستثمارات، بما يضمن انعكاس هذه البرامج على رفاهية المواطنين واستقرار الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
وبقصد مواجهة هذه المخاطر طالب الخبراء، بتعزيز المرونة الاقتصادية محليا من خلال إدارة موحدة للمخاطر الاقتصادية، تقوم على ربط السياسات المالية والنقدية والاجتماعية ضمن حزمة واحدة تستند إلى مؤشرات إنذار مبكر، تشمل البطالة والتضخم وخدمة الدين ونمو الصادرات ومستويات الاستيراد.
وكان تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي العالمي، بين أن التحديات الاقتصادية ما تزال تتصدر قائمة المخاطر التي تواجه الأردن خلال المرحلة المقبلة، إذ جاء نقص الفرص الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة في المرتبة الأولى، وحل عبء المديونية العامة والخاصة وديون الأسر في المرتبة الثانية.
ووضع التقرير التباطؤ الاقتصادي، بما يشمله من ركود أو حالة جمود في النمو، كثالث أبرز المخاطر، مترافقا مع استمرار الضغوطات التضخمية التي احتلت المرتبة الرابعة، وما يترتب عليها من ارتفاع كلف المعيشة وتآكل الدخل الحقيقي للأسر.
وجاء نقص الكفاءات والعمالة خامس المخاطر، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويضع تحديات إضافية أمام تحقيق نمو اقتصادي مستدام في الأردن.
المخرج برؤية التحديث الاقتصادي
واعتبر الخبير منير دية، أن رؤية التحديث الاقتصادي تمثل الإطار الأشمل لحماية الاقتصاد الأردني من المخاطر المحيطة به حاليا ومستقبلا، حيث جاءت في الأصل لمعالجة الاختلالات التي تواجه الاقتصاد الوطني منذ سنوات عدة، مشيرا إلى أن الأهداف التي تقوم عليها رؤية التحديث تصب في معالجة التحديات والمخاطر التي تعتري الاقتصاد الوطني ولا سيما، هدف توفير نحو 100 ألف فرصة عمل سنويا، أي ما يقارب مليون وظيفة خلال عشر سنوات، إلى جانب رفع الدخل الحقيقي للمواطن وتحسين مستوى معيشته.
وأوضح دية أن الاستمرار في تنفيذ البرامج التنفيذية للرؤية، وفق جداولها الزمنية ودون أي تراجع، من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على معدلات البطالة والدخل الحقيقي ومساهمة المواطن في الناتج المحلي الإجمالي، بما يقود تدريجيا إلى تحسين الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، الذي يعد صلب المخاطر الاقتصادية التي تواجه الأردن، وفقا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي.
وبين أن البطالة ما تزال التحدي الأبرز أمام الاقتصاد الوطني، إذ بلغت نحو 21.4 % بحسب بيانات الربع الثالث من العام الماضي، ما يعني وجود قرابة 460 ألف عاطل عن العمل ضمن القوى العاملة، وهو ما يشكل ضغطا اقتصاديا واجتماعيا كبيرا على الأسر الأردنية.
وأشار إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الأردني، وتسريع وتيرة جذب الاستثمارات الأجنبية، والاستمرار في إطلاق وتنفيذ المشاريع الكبرى ولا سيما، في قطاعات النقل والطاقة والصناعة والزراعة والصناعات الغذائية والتحويلية، لما لها من قدرة عالية على توليد فرص العمل.
ولفت دية، إلى وجوب دعم القطاع الخاص وفتح الآفاق أمامه، لافتا إلى أن القطاع الخاص وفر أكثر من %88 من فرص العمل المستحدثة وفق الإحصاءات الرسمية، ما يجعله المحرك الرئيس للتشغيل في الاقتصاد الوطني.
ودعا إلى تسهيل عمل القطاع الخاص وإزالة التحديات التي تعيق نموه، بما يعزز قدرته على استيعاب أعداد العاطلين عن العمل والخريجين الجدد بشكل أوسع خلال المرحلة المقبلة.
وفي سياق متصل، حذر دية من عبء المديونية العامة وانعكاساتها على المواطنين، مؤكدا أن ارتفاع المديونية يضغط على الحياة المعيشية للأفراد، وينعكس على زيادة الأعباء الضريبية لتغطية متطلبات الإيرادات الحكومية.
تنويع الاقتصاد الأردني
في قلب المواجهة
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن المخاطر التي وردت في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي تؤثر بعمق على الاقتصاد الأردني، وتشكل منظومة ضغوطات متشابكة تعيق تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتفاقم التحديات الاجتماعية والمالية التي يواجهها الأردن.
وأوضح المخامرة أن التقرير صنف خمسة مخاطر قصيرة الأمد تواجه الأردن، تتصدرها نقص الفرص الاقتصادية وارتفاع البطالة، حيث جاءتا في المرتبة الأولى، معتبرا أنهما الخطران الأكثر إلحاحا، لما لهما من تأثير مباشر على الإنتاجية، وزيادة معدلات الفقر، وتآكل الثقة بالمؤسسات، إضافة إلى إضعاف الاستهلاك الداخلي الذي يشكل ما بين 70– 80 %، من الناتج المحلي الإجمالي.
وبين أن بطالة الشباب تمثل تحديا مضاعفا، كونها تعيق استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتزيد حدة التوترات الاجتماعية، وتحد من نمو الإيرادات الضريبية، بما يضغط على المالية العامة.
وأشار إلى أن عبء الدين العام حل في المرتبة الثانية ضمن المخاطر، موضحا أن تجاوز الدين العام 119 % من الناتج المحلي الإجمالي، يقيد قدرة الحكومة على الإنفاق الرأسمالي والاستثماري، ويرفع كلفة الاقتراض في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، ما يحد من الاستثمار الخاص ويزيد الضغوطات على الموازنة العامة.
وأضاف المخامرة أن التباطؤ الاقتصادي، المصنف في المرتبة الثالثة، يهدد بدخول الاقتصاد في حالة نمو ضعيف غالبا دون 3 % سنويا، وهو مستوى غير كاف لخلق فرص عمل جديدة أو تحسين مستويات الدخل، خاصة في ظل التحديات الخارجية والتوترات الإقليمية.
وفيما يتعلق بالمخاطر في المرتبة الرابعة، أوضح أن التضخم يرفع كلف المعيشة ويقلص القدرة الشرائية ولا سيما، لدى الأسر ذات الدخل المحدود، ما يزيد مستويات عدم المساواة ويضعف الطلب المحلي.
أما نقص الكفاءات، الذي جاء في المرتبة الخامسة، فيعكس – بحسب المخامرة – فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ما يحد من الابتكار والانتقال نحو اقتصاد معرفي، ويضعف جاذبية الأردن للاستثمار الأجنبي.
وأكد المخامرة أن تعزيز مرونة الاقتصاد الأردني، يتطلب نهجا متكاملا يقوم على إصلاحات هيكلية حقيقية، تبدأ بتنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على السياحة والتحويلات والمساعدات الخارجية، والاتجاه نحو قطاعات عالية القيمة مثل التكنولوجيا، والخدمات الرقمية، والصناعات الخضراء.
وشدد على أهمية إدارة الدين العام بكفاءة، عبر تحسين الإيرادات الضريبية وترشيد الإنفاق، مع توجيه الموارد نحو الاستثمارات المنتجة، إلى جانب تطوير المهارات من خلال إصلاح منظومتي التعليم والتدريب المهني، وربطهما بحاجات السوق، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وحول الحلول قصيرة الأمد، أشار المخامرة إلى أنها تبقى محدودة الأثر إذا لم تترافق مع إصلاحات هيكلية، إلا أن بعض الإجراءات السريعة قد تخفف الضغوطات، مثل إطلاق برامج توظيف مؤقتة مدعومة حكوميا في القطاعات سريعة النمو، وتقديم دعم نقدي مباشر للأسر أو تخفيض الضرائب على السلع الأساسية، إضافة إلى إعادة جدولة الديون أو الحصول على قروض ميسرة لتخفيف الضغط على الموازنة.
ويرى المخامرة، أن رؤية التحديث الاقتصادي (2022–2033)، وبرنامجها التنفيذي 2026–2029، قادران على تأدية دور محوري في التخفيف من هذه المخاطر، من خلال استهداف خلق مليون فرصة عمل للشباب، وزيادة الدخل الحقيقي بنسبة 3 % سنويا، وتحسين التنافسية العالمية، وتطوير المهارات عبر محركات القيادة والابتكار والصناعات عالية القيمة، إلى جانب التركيز على الاستدامة البيئية لمواجهة تحديات الطاقة والجفاف.
المرونة طريق العبور
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش "إن المخاطر الاقتصادية التي تواجه الأردن ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل تشكل منظومة مترابطة من التحديات الداخلية المتأثرة بعوامل إقليمية ودولية، ما يجعل الأداء الاقتصادي عرضة لضغوطات مركبة تتطلب استجابات شمولية وليست جزئية".
وأوضح عايش أن النموذج الاقتصادي الأردني ما يزال يميل إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج، وإلى الاعتماد على الاستيراد أكثر من التصدير، إضافة إلى اعتماده على التمويل بالدين بدرجة تفوق قدرته على توليد الإيرادات، وهو ما يضعف التعقيد الاقتصادي ويزيد الاختلالات في سوق العمل، بما في ذلك الاعتماد المرتفع على العمالة الوافدة، وغياب التكامل بين القطاعات الاقتصادية.
وبين عايش أننا محليا نحتاج إلى حلول سحرية بقدر حاجتنا إلى هندسة سياسات اقتصادية متكاملة تفك التشابك بين المخاطر، وتعيد توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية والتصديرية، بما يخفف الضغوطات على المالية العامة والأسر، ويضمن أن تتحول مشاريع التحديث الاقتصادي إلى نمو مستدام وفرص عمل حقيقية.
وبين عايش أن المخاطر الاقتصادية، مثل المديونية والبطالة والتضخم والتباطؤ الاقتصادي وضعف النمو، تشكل حلقة مترابطة؛ فارتفاع أسعار الفائدة – على سبيل المثال – يزيد كلفة خدمة الدين العام وديون الأفراد، ويضغط على الاستهلاك والاستثمار، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو وارتفاع البطالة وتراجع الإيرادات، وبالتالي إعادة إنتاج المديونية من جديد.
وأكد أن تعزيز المرونة الاقتصادية في الأردن يتطلب إدارة موحدة للمخاطر الاقتصادية، تقوم على ربط السياسات المالية والنقدية والاجتماعية ضمن حزمة واحدة تستند إلى مؤشرات إنذار مبكر، تشمل البطالة والتضخم وخدمة الدين ونمو الصادرات ومستويات الاستيراد.
ودعا إلى إعادة توجيه النمو الاقتصادي بصيغته الحالية إلى نمو قائم على الإنتاج والتصدير، عبر إطلاق عقد وطني للمهارات يربط التعليم والتدريب بمسارات التوظيف، إلى جانب تخفيض كلف ممارسة الأعمال من خلال تسريع التراخيص، ورقمنة الإجراءات، وتحسين كلف الطاقة والخدمات اللوجستية لتعزيز التنافسية.
وفيما يتعلق بدور رؤية التحديث الاقتصادي، أوضح عايش أنها تمثل إطارا توجيهيا مهما لرفع معدلات النمو وتوفير فرص العمل وتحسين جودة الحياة، إلا أن نجاحها يرتبط بوجود سياسات داعمة في مجالات التمويل والتشغيل وتطوير المهارات وضبط المديونية، إضافة إلى تحويل مشاريعها إلى وظائف دائمة وتعزيز المحتوى المحلي للأنشطة الاقتصادية.