أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    11-Oct-2026

"النينو" بين نفي "الأرصاد" وتحفظات الخبراء.. هل يتأثر الأردن بالظاهرة؟

 الغد-عبدالله الربيحات

 في وقت تتصدر فيه ظاهرة "النينو" المشهد المناخي العالمي، بوصفها من الحالات المناخية القوية، تبرز تساؤلات مختلفة بالنسبة للأردن حول معنى هذه الظاهرة بالنسبة لطقس المملكة، وما إذا كانت تداعياتها تصل إلينا، ومدى تأثيرها على الغطاء النباتي.
 
 
وكانت دائرة الأرصاد الجوية أكدت في تصريحات رسمية أن "النينو" لا تؤثر بشكل مباشر على الأردن، ولا يمكن ربطها بالحالات الجوية التي تشهدها المملكة حاليا، وفق مديرها رائد آل خطاب.
بيد أن الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي بين أن تصريحات آل خطاب، وإن كانت دقيقة بالمعنى الحرفي؛ لكن أثر "النينو" يصلنا عبر التيار النفاث وموجات الغلاف الجوي، وهذا الأثر هو ما ينبغي أن يحكم قراراتنا بشأن الغطاء النباتي.
وأضاف إن 89 % من أراضي الأردن تتلقى أقل من 200 ملم من المطر سنوياً، والغابات لا تتجاوز 1.1% من المساحة، وإنتاجية المراعي انخفضت إلى النصف تقريباً بعد 1990 وفق إستراتيجية المراعي الوطنية، فيما لم يتجاوز هطول موسم 2024/ 2025 نحو 44 % من المعدل، مبينا أن هذه الفجوات قابلة للمعالجة والتمويل، في نظام بيئي يستجيب لكل قطرة ويحتاج إلى إدارة تسبق المطر لا تلحقه.
وقال الزعبي إن دراسة دي فريس وزملائه المنشورة في آب (أغسطس) 2026 تظهر أن النينو يرفع أمطار تشرين الأول (أكتوبر) في الشرق الأوسط إلى أكثر من الضعف، وأمطار تشرين الثاني (نوفمبر) نحو مرة ونصف، لكنه لا يرفع أمطار كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير)، قبل موسمنا المطري.
وتابع: "وتضيف دراسة هوكمان وزملائه (2024) أن اقتران النينو بالطور الموجب لثنائي القطب في المحيط الهندي يزيد هطول الهلال الخصيب، وهو اقتران قائم هذا الخريف، لافتا إلى أن الفرصة خريفية واحتمالية، وليست وعداً بشتاء غزير. 
وزاد: "عربياً، يميل المشرق نحو الرطوبة بينما يميل المغرب العربي نحو الجفاف، إذ ربطت دراسة لإيكاردا سنوات النينو في المغرب بخسائر في غلة القمح بلغت 35–45 % مع الطور السالب لتذبذب شمال الأطلسي، وتقف إلى جانب ذلك نوافذ تمويل مفتوحة، أبرزها صندوق المناخ الأخضر ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر بتعهد سعودي قيمته 2.5 مليار دولار."
مخاطر قادمة
وقال الزعبي إن ثمة ثلاثة مخاطر تستدعي الاستعداد، أولها أن المطر المبكر قد يحفّز الإنبات ثم تقتل البادراتِ فتراتُ جفاف لاحقة، وثانيها أن الزخات القصيرة الغزيرة تُنتج انجرافاً للتربة وسيولاً بدل أن تتسرب إلى الأرض، وثالثها، وهو الأرجح علمياً، ترتبط بالحرارة، فالأعوام الأشد حرارة عالمياً، 2016 و2023 و2024، جاءت مع النينو أو في أعقابه، ما يرجّح صيفاً قاسياً في 2027 يرفع التبخر والنتح، ويحوّل أي كتلة حيوية ربيعية إضافية إلى وقود للحرائق.
وبين أن المطلوب دمج التنبؤات الموسمية في قرارات الرعي والزراعة، وتوقيت حصاد المياه لالتقاط أمطار الخريف، وتفعيل خطط الوقاية من الحرائق قبل الصيف، وتوسيع تغطية صندوق المخاطر الزراعية بموجب قانون 2025 لتشمل الجفاف صراحة.
وأضاف الزعبي إن لدينا ما نبني عليه، مثل وضع إستراتيجية وطنية للمراعي تعترف بنظام الحِمى، ونظام إنذار مبكر للجفاف تشغّله دائرة الأرصاد بالشراكة مع وزارة المياه، ومبادرة للإدارة المتكاملة للأراضي بمنحة 44.9 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر، مشيرا إلى أن التجربة المغربية جاهزة للنقل.
وضرب مثلا بنجاحات أردنية تستحق التعميم، ففي تل الرمان أوقفت الحديقة النباتية الملكية الرعي عام 2008، فارتفعت الكتلة الحيوية نحو 30 % سنوياً في السنوات الثلاث الأولى، وارتفع عدد الأنواع المحلية من 436 إلى أكثر من 600، حتى اختارتها الأمم المتحدة عام 2026 مشروعاً رائداً عالمياً للاستعادة ، وفي حمى بني هاشم سُجّل 36 نوعاً نباتياً محلياً بعد عام واحد من الحماية، وفي البادية الوسطى أعادت تقنية "فاليراني" لحصاد المياه، التي طبقتها إيكاردا، الغطاء الأصلي خلال ست سنوات، وتراجعت حرائق الغابات من نحو 500 حريق عام 2021 إلى 55 عام 2024.
"النينو" في صدارة المشهد
من جهته، قال المدير التنفيذي لمنصة دمج الاكاديميا بالصناعة الدكتور خالد خريسات إن ظاهرة "النينو" تتصدر المشهد المناخي العالمي مع تزايد التحذيرات الدولية من تداعياتها الشديدة على البيئة والتنوع الحيوي، وثمة تساؤلات في العديد من المناطق إقليميا ومحليا حول مدى امتداد هذه التأثيرات إلى المنطقة العربية والأردن.
وأضاف خريسات إن ظاهرة "النينو" تحدث نتيجة ارتفاع غير طبيعي في درجات حرارة مياه السطح في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، والتي تؤدي إلى اضطراب واسع في أنماط الطقس وحركة الرياح وتوزيع الأمطار حول العالم، ما ينعكس بيئياً على نطاقات واسعة من العالم نتيجة لتسببها بجفاف شديد أو فيضانات وأعاصير في مناطق متفرقة من الكوكب والذي بدوره يؤدي إلى ضمور الغطاء النباتي، وتراجع إنتاجية المحاصيل، وارتفاع مخاطر حرائق الغابات الضخمة. 
وبين خريسات أنه وعلى الرغم من الاهتمام الإعلامي الحديث بهذه الظاهرة، فإن ظاهرة "النينو" ليست وليدة العصر؛ إذ تشير الأدلة الجيولوجية والدراسات المناخية إلى أنها نشاط طبيعي دوري يتكرر كل سنتين إلى سبع سنوات منذ آلاف السنين، ولكن بدأ التوثيق البشري الأول لها في القرن السادس عشر، عندما لاحظ صيادو الأسماك في بيرو والإكوادور ارتفاعاً غير معتاد في حرارة مياه المحيط الهادئ وانخفاضاً حاداً في أعداد الأسماك، فأطلقوا عليها اسم "النينو" (الطفل الصغير باللغة الإسبانية). 
وزاد: "ومع ذلك، لم يتبلور الفهم العلمي الشامل للتفاعل المعقد بين حرارة المحيط والأنظمة الجوية العالمية إلا في منتصف القرن العشرين، عندما أثبت العلماء أن هذه التغيرات الحرارية الاستوائية تمتلك قدرة على إعادة تشكيل أنماط الطقس حول العالم بشكل ممتد وتراكمي."
"النينو" محليا
على الصعيد المحلي قال خريسات إن إدارة الأرصاد الجوية تتبنى موقفاً علمياً واضحاً يؤكد أن "النينو" لا تؤثر بشكل مباشر على طقس المملكة، ولا تفسر حالات عدم الاستقرار الجوي التي تشهدها البلاد، خصوصاً خلال فصل الخريف، إذ إن الأردن والمشرق العربي بعيدان جغرافياً عن منطقة حدوث الظاهرة الرئيسية، والطقس المحلي يرتبط أساساً بالنظم الجوية الإقليمية المعمول بها للطقس كحالات عدم الاستقرار والمنخفضات الجوية المحلية. 
وأضاف: "وعليه، فإنه لا يوجد تأثير مباشر أو مثبت علما على الغطاء النباتي والقطاع الزراعي في المملكة، وبالتالي فإن كفاءة الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية أو تراجعها يبقيان مرهونين بشكل كامل بالنظم الجوية الإقليمية المباشرة، وحجم وتوزيع الهطول المطري المحلي خلال فصلي الخريف والشتاء، بعيداً عن التغيرات الحرارية في المحيط الهادئ، وبالتالي فإن أي تقلبات في الإنتاج الزراعي أو كثافة الغطاء النباتي المحلي تعود لظروف الموسم المطري في حوض شرق المتوسط، ولا يمكن ربطها علميا بظاهرة النينو".
وعلى صعيد الجهود الوطنية، بين خريسات أن الأردن لا يخصص مبادرات موجهة لظاهرة "النينو" بعينها، إلا أنه يمتلك منظومة استباقية متكاملة للتكيف مع التغير المناخي والحد من مخاطر الجفاف والسيول.
وتتلخص هذه الآليات، بحسبه، في "الخطة الوطنية للتكيف مع التغير المناخي" التي تقودها وزارة البيئة لتعزيز مرونة القطاعات الحيوية كالمياه والزراعة، إلى جانب المشاريع التي ينفذها المركز الوطني للبحوث الزراعية لتطبيق تقنيات الري الحديثة واستهداف محاصيل مقاومة للجفاف، كما تتكامل هذه الجهود مع التوسع في إنشاء الحفائر الترابية والسدود لجمع مياه الأمطار وتفعيل شبكات الإنذار المبكر للسيول المفاجئة، اعتماداً على التحديثات المستمرة لدائرة الأرصاد لتوجيه القطاعات التنموية وفق المعطيات المناخية الفعلية للمملكة.
ورأى أن التعامل مع التغير المناخي بشكل عام بآليات استباقية ضرورة ملحة لتجنب الآثار البيئية المتوقعة وتخفيف حدة تدهور الغطاء النباتي على المستويين الإقليمي والعالمي، والتي تشمل إدارة الموارد المائية عبر تقنيات الري الحديثة وحصاد مياه الأمطار لمواجهة شح المياه، واستهداف محاصيل زراعية أكثر قدرة على تحمل الجفاف والتقلبات الحرارية. 
واقترح ضرورة التوسع في زراعة الأنواع النباتية المحلية المقاومة للجفاف لحماية البيئة وتثبيت التربة ومكافحة التصحر، وتطوير نظم الإنذار المبكر لحرائق الغابات، إضافة إلى الاعتماد على النشرات والمصادر الرسمية للأرصاد الجوية الرسمية والمحلية لتوجيه القطاعات الزراعية وفق البيانات الواقعية والميدانية.
اختلاف الأثر
بدوره، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي أن ظاهرة النينو تعد من الظواهر المناخية التي تحدث نتيجة ارتفاع درجة حرارة مياه المحيط الهادئ في مناطق محددة عن معدلاتها الطبيعية، وتنتج عنها تغيرات في أنماط الطقس والمناخ في العديد من مناطق العالم.
وأكد العسوفي أن هذه التغيرات تؤثر على كميات الأمطار ودرجات الحرارة ومواعيد سقوطها، لكن تأثيرها يختلف من منطقة إلى أخرى، ولا يعني حدوث النينو بالضرورة أن جميع المناطق ستشهد الجفاف أو ارتفاع درجات الحرارة، غير أن أهمية هذه الظاهرة تزداد في المناطق الجافة وشبه الجافة، لأن الغطاء النباتي فيها يعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار، ويتأثر بسرعة بأي نقص في كمياتها أو تأخر في هطولها.
وأضاف أنه في الأردن، تبرز أهمية النينو بسبب طبيعة المناخ الجاف وشبه الجاف، ومحدودية الموارد المائية، واعتماد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية على مياه الأمطار، ففي المواسم التي تتراجع فيها الأمطار أو ترتفع فيها درجات الحرارة، قد تتأثر النباتات البرية والمراعي والمحاصيل البعلية، ويضعف نموها وإنتاجها للبذور، كما قد تتدهور بعض الأراضي وتزداد قابليتها للجفاف والحرائق. 
وتابع: "أما إذا كانت الأمطار جيدة وموزعة بشكل مناسب خلال الموسم، فقد تسهم في تحسين نمو النباتات وتجدد المراعي. ومع ذلك، لا يمكن ربط هذه التغيرات بظاهرة النينو وحدها، إذ تتأثر أمطار الأردن أيضاً بحركة المنخفضات الجوية والأنظمة المناخية الأخرى."
وعن مدى تأثر الأردن بهذه الظاهرة، بين العسوفي أن التأثير ممكن، لكنه ليس ثابتاً أو متساوياً في جميع مناطق المملكة. فقد أظهرت دراسات مناخية وجود علاقة بين النينو وكميات الأمطار في شمال الأردن ووسطه، بينما كانت هذه العلاقة أضعف في المناطق الجنوبية والشرقية، وهذا يعني أن النينو ربما تساعد في تفسير بعض التقلبات المناخية، لكنها لا تكفي وحدها للتنبؤ بموسم مطري جاف أو جيد في الأردن. 
وزاد: "من هنا تبرز أهمية الاستعداد للتغيرات المناخية من خلال حماية الغطاء النباتي الطبيعي، وتنظيم الرعي، وحصاد مياه الأمطار، واستعادة الأراضي المتدهورة، والتوسع في زراعة الأنواع المحلية المتحملة للجفاف، بما يعزز قدرة النظم البيئية على مواجهة الظروف المناخية المتقلبة ويحافظ على المراعي والتنوع الحيوي.