أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    27-Sep-2026

ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي.. مطلوب سياسات ذكية لرفع الكفاءة

 الغد-عبدالله الربيحات

 لم يعد ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي يرهق كاهل المزارع وحده، بل ينعكس مباشرة على المستهلك والاقتصاد الوطني والأمن الغذائي بمجمله، بينما يرى خبراء زراعيون لـ"الغد" أن المطلوب اليوم إعداد سياسات ذكية تمتص التكلفة عبر رفع الكفاءة، لا عبر دعم مفتوح يرهق الموازنة ولا يحل المشكلة، مبينين أن حماية المزارع الصغير من الانسحاب من الزراعة هي حماية للأمن الغذائي، وهي استثمار في استقرار اجتماعي واقتصادي طويل الأمد.
 
 
ويُعزى ارتفاع التكلفة إلى أزمة مضيق هرمز التي أثرت بشكل مباشر وملحوظ على أسواق الأسمدة العالمية، نظرا إلى أن دول الخليج تُصدّر نحو 46 % من احتياجات العالم من اليوريا و30 % من الأمونيا، وبالتالي فإن أي تعطل في الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجي ينعكس فورا على سلاسل الإمداد والأسعار العالمية.
وتشير آخر الأرقام والتقديرات إلى ارتفاع أسعار الأسمدة، حسب نوعها، خلال العام 2026، بناء على بيانات الأسواق العالمية، إذ قفزت أسعار اليوريا بنسبة تصل إلى 80 % منذ شباط (فبراير) 2026، حيث تجاوز السعر 850 دولارا للطن المتري في نيسان (أبريل) 2026.
كما ارتفعت أسعار الأمونيا بنسبة تتراوح بين 20 % و50 % منذ بداية التصعيد في المنطقة، ويُعد هذا الارتفاع حادا ومقلقا للأسواق العالمية، نظرا إلى أن الشرق الأوسط يُعد مصدرا لنحو 30 % من إمدادات الأمونيا العالمية، وكذلك تضاعفت أسعار الكبريت أكثر من مرتين منذ بداية 2026، حيث سجلت ارتفاعا إضافيا بنسبة تزيد على 40 %.
وتأثرت إمدادات الفوسفات بشدة، حيث ارتفعت أسعار مشتقاته، مثل فوسفات ثنائي الأمونيوم (DAP)، بشكل ملحوظ بسبب شح المعروض في المنطقة.
وبشكل عام، ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية بنسبة تتراوح بين 30 % و40 %، مدفوعة بأزمة مضيق هرمز والتوترات الإقليمية.
مشكلات متشعبة
في هذا الصدد، بيّن الأمين العام للتحالف الوطني لمكافحة الجوع وسوء التغذية والخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن الزراعة الأردنية تشهد، كما معظم دول المنطقة، ضغوطا متزايدة ناجمة عن ارتفاع تكلفة الإنتاج، حيث لم تعد المشكلة محصورة في ندرة المياه أو تقلبات المناخ أو اضطراب الأسواق، بل أصبحت تكلفة المدخلات نفسها هي التحدي الأكبر الذي يهدد استدامة القطاع الزراعي، والتي تضع المزارع أمام معادلة اقتصادية صعبة قوامها إنتاج أكثر تكلفة وأسعار بيع لا يمكن رفعها بالسرعة نفسها.
وأضاف الزعبي أن أسباب ذلك متعددة ومتشابكة؛ أولها ارتفاع أسعار الأسمدة، التي يعتمد الأردن على استيرادها لتغطية جزء مهم من احتياجاته، بمعنى أن أي اضطراب في الأسواق العالمية أو تكاليف الشحن والطاقة سينعكس مباشرة على المزارع المحلي. وإلى جانب ذلك، تدخل الطاقة في معظم مراحل العملية الزراعية، بدءا من ضخ المياه وتشغيل المضخات والآليات، إلى التبريد والتخزين والنقل.
وتابع: "في بلد يعاني من ندرة المياه، تصبح تكلفة إيصال المياه للنبات عنصرا حاسما في اقتصاديات الإنتاج، كما أن ارتفاع أجور العمالة والخدمات يضيف عبئا جديدا على المزارع، خاصة الصغير الذي لا يمتلك السيولة الكافية لشراء مستلزمات الموسم أو تحمل موسم ضعيف."
وبيّن أن النتائج لا تقف عند حدود دخل المزارع، فخروج صغار المزارعين من دورة الإنتاج يعني فقدان جزء من القاعدة الإنتاجية المحلية، وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية، في وقت تتعرض فيه سلاسل الإمداد الدولية لصدمات جيوسياسية ومناخية متكررة. كما أن ارتفاع التكلفة ينعكس على أسعار الغذاء للمستهلك النهائي، ويضغط على الأمن الغذائي الوطني.
وقال إن المزارع الكبير يستطيع امتصاص جزء من هذه الضغوط عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية أو التخزين والتبريد، بينما يظل الصغير الحلقة الأضعف، ويبقى معرضا للخسارة أو الانسحاب من الزراعة نهائيا.
امتصاص التكلفة
ورأى الزعبي أن الحلول لا تكمن في الدعم المباشر المفتوح، بل في الانتقال من دعم المدخلات إلى دعم الكفاءة، وذلك بتوسيع استخدام الطاقة الشمسية في ضخ مياه الري، حيث أثبتت جدواها الاقتصادية في وادي الأردن مقارنة ببدائل الطاقة التقليدية، مشيرا إلى أن تعزيز الزراعة الدقيقة وتحليل التربة يساعد المزارع على استخدام الكمية المناسبة من السماد بدلا من الإفراط في استخدامه، بما يخفض التكلفة ويحافظ على البيئة.
وزاد: "إلى جانب ذلك، يمكن للتعاونيات والجمعيات الزراعية أن تلعب دورا محوريا في الشراء الجماعي للأسمدة والمستلزمات، بما يمنح المزارع الصغير قوة تفاوضية أكبر ويخفض تكلفة الوحدة، كما أن تطوير تمويل زراعي ميسر لرأس المال العامل، وربطه بالاستثمار في تقنيات خفض التكلفة، مثل الري الحديث والتبريد الفعال، يتيح للمزارع مواجهة المخاطر، ولا يقل أهمية تطوير التأمين الزراعي لمساعدة المزارعين على تحمل صدمات المناخ والأسعار."
أما في التسويق، فقال الزعبي إن تخفيض تكلفة الإنتاج لن يكون كافيا إذا بقي المزارع يحصل على نسبة محدودة من السعر النهائي، مبينا أن المطلوب تقليل الحلقات غير الضرورية بين المنتج والمستهلك، وتطوير أسواق المنتجين والتسويق التعاقدي وسلاسل التبريد، بما يقلل الفاقد بعد الحصاد ويرفع حصة المزارع من القيمة المضافة.
استدامة الزراعة
من جهته، بيّن الدكتور في كلية الزراعة في الجامعة الأردنية، والخبير في التنمية الريفية والأمن الغذائي، د. نائل الظاهر، أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي لم يعد مسألة تخص المزارع وحده، بل أصبح قضية ترتبط باستدامة الزراعة والأمن الغذائي والتنمية الريفية واستقرار أسعار الغذاء، مبينا أن المزارع اليوم يتعامل مع فاتورة إنتاج تتوزع بين البذار والأسمدة والمبيدات والعمالة والطاقة والمياه والنقل والعبوات والتسويق، وأي ارتفاع متزامن في هذه العناصر يضغط مباشرة على هامش الربح، خصوصا لدى صغار المزارعين الذين يمتلكون قدرة محدودة على التمويل والتخزين والتفاوض والوصول المباشر إلى الأسواق.
وبيّن الظاهر أن المنتج يستطيع نقل ارتفاع التكلفة إلى المستهلك من خلال زيادة سعر المنتج، لكن الواقع الزراعي أكثر تعقيدا؛ فالمزارع الصغير في كثير من الأحيان لا يحدد السعر، وخاصة في المحاصيل سريعة التلف. فإذا وصل عدد كبير من المنتجين إلى السوق في الوقت نفسه، قد ينخفض السعر حتى عندما تكون تكلفة الإنتاج مرتفعة، وهنا تظهر المفارقة؛ فالمستهلك ربما يدفع سعرا مرتفعا للغذاء، في حين لا يحصل المزارع بالضرورة على عائد مرتفع.
وأضاف أن هذه المشكلة تكتسب أهمية خاصة في الأردن، فدائرة الإحصاءات العامة لا ترصد فقط أسعار المنتجات عند باب المزرعة، وإنما أيضا تكاليف المدخلات والتسويق، بما فيها الأسمدة والمبيدات والبذار والأشتال والعبوات والتحميل والنقل ونفقات السوق، وتشير بياناتها المنهجية إلى أن التكاليف التسويقية قد تصل في بعض الحالات إلى أكثر من ربع سعر البيع في الأسواق المركزية، وهذا يعني أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقتصر على تكلفة الإنتاج داخل المزرعة، وإنما يجب أن تشمل السلسلة من المزرعة إلى السوق.
وأشار إلى أن الأكثر تعرضا لهذه الضغوط هو المزارع الصغير، فالمزرعة الكبيرة تستطيع شراء المدخلات بكميات أكبر، والتفاوض على الأسعار، واستخدام التكنولوجيا، وتنويع الإنتاج، وتحمل موسم ضعيف نسبيا، أما المزارع الصغير، فإن ارتفاعا محدودا في تكلفة السماد أو الطاقة أو العمالة، بالتزامن مع انخفاض سعر المنتج، قد يحول موسمه الزراعي من الربح إلى الخسارة. ولذلك فإن استمرار ارتفاع التكلفة دون تحسن مماثل في الإنتاجية أو الأسعار التي يحصل عليها المنتج قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليل المساحات المزروعة أو تغيير المحاصيل أو الخروج التدريجي من النشاط الزراعي.
وتابع: "وهنا تنتقل المشكلة من دخل المزارع إلى الأمن الغذائي والتنمية الريفية، فخروج صغار المنتجين من الزراعة لا يعني فقط انخفاض كمية الإنتاج، بل يعني أيضا فقدان مصدر دخل لأسرة ريفية، وتراجع نشاط اقتصادي محلي، وفقدان معرفة وخبرة زراعية تراكمت عبر سنوات، ومن ثم فإن حماية صغار المزارعين لا ينبغي النظر إليها كسياسة اجتماعية فقط، وإنما كجزء من المحافظة على القاعدة الإنتاجية الوطنية."
مكامن الحل
وقال الظاهر إن الحل ليس في دعم جميع المدخلات بصورة مفتوحة، لأن ذلك قد يكون مكلفا وغير مستدام، مبينا أن المطلوب هو الانتقال من دعم التكلفة إلى تخفيضها، ورفع الكفاءة وتعزيز الشراء الجماعي للمدخلات من خلال التعاونيات، وتوسيع الإرشاد الزراعي، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة والأسمدة، فضلا عن تشجيع الطاقة المتجددة والتقنيات الموفرة للمياه حيث تكون مجدية، وتوفير التمويل المناسب، والتوسع في الزراعة التعاقدية، إضافة إلى تحسين التخزين والتبريد والتصنيع الزراعي، وربط المنتجين بصورة أفضل بالأسواق.
وزاد أن الأهم هو تحسين القوة التفاوضية للمزارع، فالمشكلة ليست دائما في ارتفاع تكلفة إنتاج الكيلوغرام فقط، وإنما في مقدار ما يحصل عليه المنتج أو المزارع من القيمة النهائية لذلك الكيلوغرام عندما يصل إلى المستهلك، ولذلك ينبغي أن نعرف بصورة أكثر دقة: كم يحصل المزارع من كل دينار يدفعه المستهلك؟ وكم يذهب للنقل والتعبئة والتخزين والتسويق والوسطاء؟ والإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لبناء سياسات أكثر عدالة وكفاءة لسلاسل القيمة الزراعية.
وبيّن أنه إذا لم نستطع رفع كفاءة الإنتاج والتسويق، فإن الفاتورة ستتوزع في النهاية على الجميع: المزارع من خلال انخفاض هامش ربحه، والمستهلك من خلال ارتفاع أسعار الغذاء، والدولة من خلال زيادة الحاجة إلى الدعم والحماية الاجتماعية، والريف من خلال تراجع فرص العمل والنشاط الاقتصادي.
وقال: "لذلك، فإن القضية الحقيقية ليست كيف نحافظ على أسعار المدخلات منخفضة إلى الأبد، فهذا قد لا يكون ممكنا في اقتصاد يتأثر بالأسواق العالمية، وإنما كيف نجعل المزارع أكثر قدرة على مواجهة ارتفاع التكلفة دون أن يفقد قدرته على المنافسة والاستمرار، فاستدامة الزراعة تبدأ من معادلة بسيطة: إذا لم يكن الإنتاج مجديا للمزارع، فلن تكون الزراعة مستدامة مهما ارتفعت أهميتها للأمن الغذائي."
توزيع التكلفة
بدوره، قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني إنه في ظل الضغوط المتزايدة التي تشهدها منظومة الإنتاج الزراعي في الأردن نتيجة ارتفاع كلف الطاقة والمياه والمدخلات، فإن الأعباء لا تتوزع بالتساوي بين حلقات سلسلة التوريد.
ورأى بني هاني أنه يمكن توزيع نسب التحمل والأثر على النحو التالي: أولا، المزارع بنسبة تحمل 40 %، والذي يمثل الصدمة الأولى والخط الأمامي، إذ يتحمل الجزء الأكبر من الفاتورة باعتباره الحلقة المباشرة التي تتلقى تبعات شح المياه وارتفاع أجور طاقة الضخ والعمالة والأسمدة، وعادة ما يقف المزارع عاجزا عن عكس هذه الزيادات الحادة على أسعار بيع محاصيله في أسواق الجملة تحت وطأة المنافسة وآليات العرض والطلب، ما يلتهم هوامش ربحه ويهدد استدامة بقائه في قطاع الإنتاج.
وتابع: "في المرتبة الثانية يأتي سوق الجملة المركزي للخضار والفواكه بنسبة تحمل 15 %، وتسبب ضغوط التراجع الكمي وهوامش العمولات، حيث يتأثر هذا السوق، باعتباره منظومة حلقات وسيطة ودلالين، بانكماش الكميات الواردة وتباطؤ حركة التداول نتيجة ارتفاع الأسعار الإجمالية. ورغم أن عمولات السوق محسوبة بنسب ثابتة، فإن تراجع القوة الشرائية وحجم السيولة يضعان ضغوطا تشغيلية واضحة على المستثمرين والتجار داخل السوق، فضلا عن تحملهم مخاطر تلف المحاصيل وبطء تصريفها."
وقال إن الحلقة الثالثة تشمل المواطن المستهلك بنسبة تحمل 25 %، وهو الضحية النهائية في معادلة الأمن الغذائي؛ إذ يدفع المستهلك الفاتورة الاقتصادية الأثقل في أسواق التجزئة، حيث تنعكس الزيادات التراكمية في كلف الإنتاج والنقل والتداول مباشرة على أسعار السلع الغذائية الأساسية، وهذا الصعود المستمر يفرض أعباء إضافية على القدرة الشرائية للأسر الأردنية، ويزيد من الضغوط على الأمن الغذائي ومستويات المعيشة.
وعن الحلقة الرابعة، بيّن الظاهر أنها تشمل محلات بيع الخضار بالتجزئة بنسبة تحمل 10 %، والتي تتحمل ضغط التشغيل وهامش المخاطرة، وهي ضغوط مزدوجة تتمثل في ارتفاع أجور النقل وإيجارات المحلات ونسب الفاقد والتالف اليومي من الخضار والفواكه، وغالبا ما تجد هذه المحلات صعوبة في تمرير كامل الزيادة إلى المستهلك النهائي خشية ركود بضائعها سريعة التلف، ما يقلص صافي أرباحها اليومية.
واستطرد أن شركات ومحلات مستلزمات الإنتاج والاستيراد تتحمل نسبة 10 % نتيجة مخاطر الائتمان وتجمد السيولة وتجارة البذور والمبيدات والأسمدة، وكل هذه العناصر تمثل جزءا من الفاتورة، وتنعكس في تراجع حجم المبيعات وارتفاع مخاطر الديون المتعثرة. فعند تعثر المزارع ماليا، تتجمد السيولة لدى الموردين، رغم محاولاتهم الدائمة لتحميل زيادات الأسعار العالمية والشحن على السوق المحلي.