مرحلة جديدة من الرقابة.. هل تصبح سوق تطبيقات النقل أكثر انضباطا؟
الغد-محمود خضر الشبول
تدخل سوق تطبيقات النقل الذكية مرحلة جديدة من التنظيم، مع استعداد هيئة تنظيم النقل البري لبدء حملة رقابية ميدانية، اليوم، في خطوة تنقل ملف التطبيقات من التركيز على تصويب أوضاع الشركات والسائقين إلى اختبار مستوى الالتزام الفعلي بالتسعيرة وترخيص المركبات وتصاريح الكباتن.
تأتي الحملة في وقت تعمل فيه الهيئة والشركات المرخصة على استكمال متطلبات نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية رقم 74 لسنة 2025، وسط مطالب من سائقين مرخصين بتشديد الرقابة بما يضمن عدالة المنافسة ويحمي حقوقهم، فيما ترى شركات عاملة في السوق أن ضبط النشاط غير المرخص يمكن أن ينعكس إيجابا على حصة السائقين النظاميين من الرحلات.
ويرى عاملون في القطاع أن أهمية الإجراءات الجديدة لا تتوقف عند ضبط المخالفات، وإنما ترتبط بقدرتها على الوصول إلى حالة من الالتزام المستدام، خصوصا في ظل الجمع بين الرقابة والعقوبات المالية من جهة، والحوافز الموجهة للشركات التي تحقق مستويات جيدة من الالتزام من جهة أخرى.
وكانت هيئة تنظيم النقل البري عقدت، مؤخرا، اجتماعا تنفيذيا مع ممثلي سبع شركات تطبيقات ذكية مرخصة، هي "أوبر" و"كريم" و"جيني" و"بترا رايد" و"Gojo" و"تاكسي F" و"CAB"، واتفقت معها على إجراءات تتعلق بالتسعيرة وترخيص المركبات وتصاريح الكباتن والرقابة الميدانية.
وبحسب الهيئة، تبدأ فرق الرقابة، اليوم، طلب رحلات فعلية عبر التطبيقات للتحقق من استيفاء شرطين معا؛ أن تكون المركبة مرخصة للعمل في هذا النشاط، وأن يكون الكابتن مصرحا له بممارسته.
ووضعت الهيئة آلية تربط حجم المخالفات بإجراءات مالية بحق الشركات، إذ يترتب على رصد عشر مخالفات خلال أسبوع واحد تتعلق بترخيص المركبات أو تصاريح الكباتن تسييل 5 آلاف دينار من كفالة الشركة، فيما يترتب على تجاوز عشرين مخالفة خلال أسبوع واحد تسييل 10 آلاف دينار.
أما مخالفة التسعيرة المعتمدة، فأكدت الهيئة أنها ستؤدي إلى تسييل 50 ألف دينار من أصل الكفالة البالغة قيمتها 100 ألف دينار.
وتكتسب الرقابة على التسعيرة أهمية إضافية، مع تأكيد الهيئة في وقت سابق أن تعليمات تنظيم نقل الركاب من خلال التطبيقات الذكية للعام 2025 تعتمد تعرفة سيارات التكسي العادي مضافا إليها 20 % من قيمتها، وأن هذه النسبة تمثل آلية احتساب للتعرفة وليست زيادة مستقلة جديدة.
سائقون: الرقابة تحمي الملتزمين
من جانبه، قال سائق التطبيقات والناشط في مجال حقوق سائقي التطبيقات يوسف أبو عودة: "إن السائقين المرخصين ينظرون بإيجابية إلى تشديد الرقابة"، لافتا إلى أن الإجراءات الجديدة توسع نطاق المسؤولية ليشمل الشركات ومدى التزامها بتسجيل السائقين المستوفين للشروط، بدلا من اقتصار التركيز على السائق نفسه.
وأشار أبو عودة إلى وجود حاجة إلى رقابة مستمرة على الشركات لضمان التزامها وحماية حقوق السائقين المرخصين والركاب، معتبرا أن تشغيل سائقين غير حاصلين على التصاريح اللازمة يضع السائق الملتزم أمام منافسة غير متكافئة، خصوصا أنه يتحمل كلفا للحصول على التصاريح واستمرار العمل بصورة قانونية.
وبحسب أبو عودة، تصل الكلف التي يتحملها السائق، وفقا لتقديره، إلى نحو 600 دينار مرتبطة بإجراءات التصاريح، إضافة إلى 20 دينارا سنويا بدل تحرير، مطالبا في الوقت ذاته بتقديم تسهيلات للسائقين المرخصين وتخفيف بعض الأعباء المفروضة عليهم، وكذلك إعادة النظر في العمر التشغيلي للمركبات.
وفي المقابل، يرى السائق محمود قويدر "أن مبدأ الترخيص ضروري لحماية السائق والراكب، ولا سيما في الحالات التي قد تشهد حوادث أو نزاعات على الحقوق"، لكنه أشار إلى وجود تحديات تواجه بعض الراغبين في استكمال إجراءات الترخيص، من بينها الشروط المتعلقة بالعمر التشغيلي للمركبات، وكذلك سنوات ترخيص السائق.
ودعا قويدر إلى إيجاد آلية أكثر مرونة تمكن السائق المستوفي للشروط من العمل بصورة نظامية عبر التطبيقات، مقترحا اعتماد اشتراك سنوي موحد يتيح العمل على أكثر من تطبيق، بدلا من حصر السائق بتطبيق واحد.
الشركات: ضبط غير المرخص يرفع حصة الملتزمين
بدوره، قال مدير العمليات في شركة "بترا رايد" محمد أبو تايه: "إن الشركة تدعم الحملات الرقابية التي تستهدف تنظيم السوق"، معتبرا أنها تصب في مصلحة الشركات والكباتن المرخصين وتساعد في مواجهة النشاط غير المرخص.
وأضاف: "الإجراءات الأخيرة جاءت بالتنسيق بين هيئة تنظيم النقل البري وشركات التطبيقات المرخصة بهدف تنظيم السوق والمحافظة على حقوق السائقين"، مشيرا إلى أن السائق الذي يستوفي متطلبات الترخيص ويتحمل الكلف المرتبطة بها ينبغي أن يستفيد من سوق أكثر انضباطا.
ويرى أبو تايه أن الحد من عمل غير المرخصين يمكن أن يزيد حصة الكباتن المرخصين من الرحلات، وبالتالي ينعكس على دخلهم، لافتا إلى أن شركته تقدم تسهيلات وحوافز للكباتن المرخصين، من بينها تخفيض النسبة المستوفاة من بعض الرحلات وغيرها من الحوافز.
وأشار إلى أن عددا من التحديات التي كانت تواجه القطاع جرى تجاوزها بالتعاون بين الهيئة والجهات الأخرى، ومن بينها فتح الأعداد أمام الشركات بعد أن كانت محدودة سابقا، إلى جانب فتح باب الترخيص أمام الشركات الراغبة باستيفاء المتطلبات من دون تحديد عدد معين.
من جهتها، أكدت شركة "جيني"، في ردها على أسئلة "الغد"، ترحيبها بجهود هيئة تنظيم النقل البري لتنظيم القطاع، مشيرة إلى التزامها بالتسعيرة المعتمدة قانونا ومواصلة استيفاء المتطلبات التنظيمية المتعلقة بالسائقين والمركبات.
وقالت إنها حققت مستوى متقدما في ترخيص السائقين، وإن لديها، بحسب إفادتها، أعلى عدد من السائقين المستوفين للمتطلبات القانونية في السوق، مؤكدة استمرارها في العمل للحفاظ على مستويات الامتثال. وفي الوقت ذاته، دعت إلى مراعاة أثر التعرفة في الركاب، وخصوصا المستخدمين اليوميين، بما يحقق التوازن بين استدامة القطاع وبقاء الخدمة متاحة بكلف يمكن للمستخدمين تحملها.
واعتبرت الشركة أن وضوح المتطلبات وتطبيقها بصورة متسقة وعادلة على جميع العاملين في السوق، إلى جانب الجمع بين الرقابة والحوافز، من شأنها تعزيز الامتثال وتوفير بيئة أكثر استقرارا وتنظيما للشركات والكباتن، بما ينعكس على جودة الخدمة المقدمة للركاب. ورأت أن تحفيز الشركات التي تحقق مستويات متقدمة من الالتزام يشجعها على مواصلة الاستثمار في الامتثال وتطوير خدماتها.
وحددت "جيني" انتشار التطبيقات غير المرخصة بوصفه أحد أبرز التحديات التي تواجه تنظيم السوق، معتبرة أن استمرارها يخلق منافسة غير متكافئة مع الشركات المرخصة التي تتحمل متطلبات وكلف الامتثال، إلى جانب ما قد يترتب على غياب الأطر التنظيمية وآليات معالجة الشكاوى من مخاطر على حقوق الركاب.
ودعت إلى تعزيز التنسيق بين هيئة تنظيم النقل البري والجهات الحكومية ذات العلاقة لاتخاذ إجراءات تنفيذية تحد من عمل التطبيقات غير المرخصة.
يشار إلى أن التغيير الذي أدخله نظام تنظيم نقل الركاب من خلال استخدام التطبيقات الذكية لسنة 2025، فتح السوق أمام تراخيص شركات جديدة بعد إلغاء النص الذي كان يحظر الموافقة على تراخيص جديدة، ووحّد قيمة الكفالة البنكية للشركات عند 100 ألف دينار.
كما وضع النظام مجموعة من متطلبات الامتثال، من بينها ألا يتجاوز العمر التشغيلي للمركبة سبع سنوات من سنة الصنع، وأن تكون مزودة بالتتبع الإلكتروني، فيما اشترط ألا يتجاوز عمر مقدم الخدمة 65 عاما، وأن يكون قد مضى على حصوله على رخصة القيادة ثلاث سنوات على الأقل، إلى جانب متطلبات أخرى تتعلق بالتأهيل واللياقة والتأمين.
وألزم النظام الشركات، كذلك، بالربط الإلكتروني ومشاركة البيانات مع الهيئة، ووضع أسس واضحة للأجور والعمولات تعتمدها الهيئة، إضافة إلى توفير نظام لتلقي شكاوى وملاحظات المستخدمين ومعالجتها.
من العقوبة إلى الحافز
ولا تقتصر الآلية الجديدة على العقوبات، إذ تتجه الهيئة إلى نشر أسماء الشركات التي تحقق مستويات جيدة من الالتزام عبر موقعها الإلكتروني، مع بيان ما أنجزته من ترخيص المركبات وإصدار تصاريح الكباتن، في محاولة لاستخدام الحوافز إلى جانب الرقابة لدفع الشركات إلى استكمال تصويب أوضاعها.
كما سمحت الهيئة للشركات، بعد تجاوز عتبة ثلاثة آلاف كابتن، بالدفع مقدما لتسجيل دفعات من 250 بدلا من ألف كابتن لكل دفعة، بهدف تسهيل استكمال عمليات التسجيل بصورة تدريجية.
وتأتي الحملة الجديدة امتدادا لتحركات رقابية بدأت خلال العام الحالي؛ إذ بحثت لجنة رقابية في الهيئة في أيار (مايو) الماضي مع ممثلين عن وزارة الداخلية ومديرية الأمن العام ووحدة الجرائم الإلكترونية ووزارة الإدارة المحلية ومراقب عام الشركات وممثلين عن القطاع، آليات مواجهة التطبيقات والصفحات التي تمارس نقل الركاب خارج إطار الترخيص.
ويبقى الاختبار الأبرز للحملة الجديدة مرتبطا بما ستظهره نتائج الرقابة الميدانية بعد انطلاقها، ليس فقط من حيث عدد المخالفات المسجلة، وإنما من خلال تطور نسبة المركبات المرخصة والكباتن الحاصلين على التصاريح، وحجم الشكاوى المرتبطة بالتسعيرة، ومدى تراجع النشاط غير المرخص.
وبذلك، تنتقل سوق التطبيقات الذكية تدريجيا من مرحلة توسيع باب الترخيص وتصويب الأوضاع إلى مرحلة قياس الالتزام على أرض الواقع، فيما سيحدد مستوى استجابة الشركات ونتائج الحملات الرقابية، خلال الفترة المقبلة، مدى قدرة الإجراءات الجديدة على ترسيخ سوق أكثر تنظيما، بما يحفظ حقوق الراكب والكابتن والشركة في آن واحد.