أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    15-Feb-2026

اقتصاد الموهبة*د. يحيى أحمد القبالي

 الغد

تزدحم المؤلفات والأبحاث ومواقع التواصل الاجتماعي بتعريفات الموهبة وخصائص الموهوبين وبرامجهم وكل ما له علاقة بالموهبة، ويلاحظ المتابع لكثير من التعريفات من هنا وهناك هي أقرب إلى أحاديث إنشائية لا يمُت بعضها إلى الحقيقة بصلة، ومستنسخة عن بعضها البعض بأسلوب ببغاوي متطابق، ولا تتفق أغلبها بل كلّها على تعريف جامع يُمكن اعتماده للموهوبين وخصائصهم وبرامجهم، ويلاحظ المتابع العبارة الأولى في أي حديث يتعلق بالموهبة هو: عدم وجود تعريف متفق عليه للموهبة، وكأننا نتكلم عن طلاسم أو خزعبلات، وفي كل يوم يتسع الاختلاف بين تلك التعريفات، لأسباب متعددة يضيق الحديث عنها، ويتم الخلط بين التفوق الأكاديمي والتفوق العقلي والموهبة، مما أدى إلى ضعف في الإنتاجية من ناحية، ومن ناحية أخرى جعل الصورة هلامية لا يمكن الاعتماد من خلالها على تصميم برنامج أو تشخيص وتقييم أو تحديد خصائص محددّة للموهوبين.
 
 
تعرّف الموهبة بأنها قدرة استثنائية فطرية، تتكون من مجموعة من المهارات المتسقة الدائمة والحقيقية، وتفصح عن نفسها، وتحتاج إلى برنامج رعاية وصقل من قبل مختصين متمرسين، وتصنف إلى مستويات، وتظهر بعض ملامحها بعد سن البلوغ وتتأكّد بعد سن المراهقة(18) عاما، ومقدّرة من المجتمع، لا تخدمها المناهج المدرسية بشكلٍ كافٍ، ويتم الكشف عنها من خلال الملاحظة.
ويعرّف (لانج وايكوم، 1932م) الموهبة: قدرات خاصة ذات أصل تكويني لا ترتبط بذكاء الفرد، بل أنّ بعضها قد يوجد بين المتخلفين عقلياً.
أشكال الموهبة: قدرات نفسحركيّة: وهي القدرات الناتجة عن التآزر العقلي العضلي التي يبذل فيها الموهوب جهدًا، كالألعاب الرياضية، والرقص بأنواعه، والتمثيل، والمبارزة.
وقدرات أدائية: الصوت الجميل، والشعر، والقصة، والرواية، وفن الإلقاء، والرسم، والنحت، والعزف، والخط.
وتحتاج الموهبة إلى برنامجين : برنامج الرعاية: توفير كلّ ما يلزم طبيعة الموهبة من أدوات، وتوفير الظروف البيئية المحفّزة والتي يمكن للموهبة أن تتطوّر من خلالها أو المحافظة على مستواها، ولا يلزم أن يكون مقدم الرّعاية (الأسرة، المدرسة).
وبرنامج صقل: تطوير وتنمية الموهبة بخطوات علمية مدروسة( نظرية وعمليّة) للوصول إلى أقصى ما يملك الموهوب من موهبة، على يد متخصصين متمرسين في المجال نفسه أي من يملكون الموهبة نفسها، ويطلق على هذا البرنامج: برنامج الصقل، بمعنى من يمتلك موهبة الرسم، يقوم بتدريبه رسّام متمرس في الرّسم، والحال هذا ينطبق على أصحاب الأصوات الجميلة، واللاعبين وهكذا.. الخ
من خصائص الموهبة: تتكون من مهارات متسقة: مهارات مترابطة متكاملة غير متناقضة تنتمي إلى بعضها البعض تشكّل بمجملها الموهبة، تنقسم إلى مستويات أدائية: عالية الأداء، متوسطة الأداء، بسيطة الأداء..
تفصح الموهبة عن نفسها: الموهبة ظاهرة للعيان ولا تحتاج لمقاييس معقّدة، بل إنّ الموهبة تُلفت انتباه المتخصصين في مجالها، أي من خلال الملاحظة، وتدل على نفسها (واضحة للعيان) ويمكن لأي فرد أن يميّز بين الشخص الموهوب والشخص غير الموهوب من خلال أدائه.
التباين: إنّ الموهبة تقسم إلى مستويات، وأنّ أرفع مستوى من الموهبة يُطلق عليه الاحتراف، وفي الوقت نفسه هناك فرق شاسع بين الفرد الموهوب والفرد غير الموهوب يُطلق على هذا الفرق ب (التباين).
*كل فرد من أفراد المجتمع يملك جزءًا ضئيلا من الموهبة، ولكن هذا الجزء لا يؤهله لأن يكون موهوبا إلا إذا امتلك الموهبة الحقيقية ، والموهبة فطرية ولا تكتسب، وليس للموهبة وطن فهي عابرة للقارات. 
بصمة الموهبة: لا تتشابه الموهبة بين شخصين تشابها تاما فلكل موهبة بصمة خاصّة تميزها عن غيرها في المجال نفسه، فلا نجد صوتا يشبه الآخر تمامًا، ولا لاعبا يتقن نفس أسلوب لاعب آخر، ولا خطّاطا أو رساما أو عازفا.. الخ.
لقد أصبحت المواهب ثروة قومية التفتت إليها الحكومات وباتت تشكل رافدا أساسيا لميزانيات الدول، وأصبحت عبارة عن مشاريع ناجحة، وبات ما يعرف بتخصص جامعي أطلق عليه إدارة المواهب، من خلال توفير بيئة حاضنة تعمل على تنمية مهارات الموهوب وصقلها، ضمن ما يسمى علم نفس الموهبة، وهناك دول تستقطب الموهوبين، وتعمل على استقطابهم كرأس مال بشري. 
وبنظرة سريعة حول ما يمثله الموهوبون من ثروة قومية لبلادهم فقد أصبحت بعض الدول تعرف من خلال مواهب أبنائها، بل أصبح الموهوبون يملكون موارد مالية ترفد ميزانيات دولهم وتسهم ببنائها، وباستعراض لما يملكه الموهوبون من ثروة مالية، ولن نكون مبالغين بالقول: إن بعض الموهوبين تتجاوز ثروتهم المالية ميزانيات بعض الدول،  على سبيل المثال: فقد بلغت ثروة لاعب كرة القدم الأمريكي (فائق بلقية)( 18,5) مليار يورو ، وبعض الموهوبين تتجاوز ثروته مؤسسات تضم مئات بل آلاف الموظفين، مثل: لاعب كرة السلة (مايكل جوردان) (3.8) مليار دولار، وبلغت ثروة مطرب الراب الأميركي (جاي زي) (2.5) مليار دولار، وبلغت ثروة الرسام (والت ديزني) (2.5) مليار دولار، وبلغت ثروة لاعب التنس الأرضي ( روجر فيدرز) (750) مليون دولار.. وهذا غيض من فيض.
 إن مثل هذا الاستثمار الحقيقي للمواهب يسهم في تنمية عجلة الاقتصاد إذا لا تقتصر ثروة الموهوب على شؤونه الخاصة فقد تتعدى إلى إنشاء مؤسسات تهتم بالمواهب المماثلة لموهبته ويسعى إلى تطويرها وإبراز قدراتها ورفع اسم بلده عاليا ومنافسا للبلدان المتقدمة.
لقد اقتصر حديثنا على الموهبة، بعيدا عن التفوق الأكاديمي، والتفوق العقلي، فلكل شريحة من هذه الشرائح برامجها التي لا تقل أهمية عن برامج الموهبة وقيمتها السوقية وتقدير المجتمعات لها. 
لن ننتظر إلى أن تتبنى دول أخرى مواهب أبنائنا والاستفادة من قدراتهم، ولا يصلنا إلا الفتات من الناتج المالي لتلك المواهب، ونكتفي بالتغني بإنجازاتهم.