الاضطرابات الاقليمية.. هل تغير خريطة التسوق الإلكتروني؟
الغد-إبراهيم المبيضين
لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة مجرد صراعات جيوسياسية بعيدة، بل تحولت إلى اضطرابات رقمية ولوجستية تنعكس مباشرة على شاشات الهواتف الذكية وسلاسل الإمداد التي تغذي الأسواق الأردنية. ومع حلول شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، يجد قطاع التجارة الإلكترونية في الأردن نفسه، أمام اختبار غير مسبوق، حيث تتقاطع طموحات النمو الرقمي مع واقع تفرضه التطورات الجيوسياسية في المنطقة.
وأكد خبراء أن حساسية التأثير تتضاعف في التوقيت الحالي، إذ يتزامن مع أحد أهم مواسم التسوق في المنطقة، حيث يرتفع الطلب بشكل ملحوظ على الملابس والهدايا والإلكترونيات والمنتجات الاستهلاكية. وخلال هذه الفترة عادة ما تسجل منصات التجارة الإلكترونية أعلى مستويات النشاط، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد، سبباً محتملاً لنقص بعض السلع أو ارتفاع أسعارها، خصوصاً تلك التي تعتمد على الشحن الدولي.
وأشار الخبراء، إلى أن التأثير بات ملموساً بالفعل، وقد يتضح بشكل أكبر خلال رمضان وموسم العيد إذا استمر التصعيد الإقليمي أو لم يتم احتواؤه سريعاً. وفي هذه الحالة، قد يجد المستهلك الأردني نفسه أمام خيارين رئيسيين: دفع أسعار عالية وانتظار فترات أطول للحصول على المنتجات المستوردة، أو التوجه نحو البدائل المحلية والمنصات التي تعتمد على الإنتاج داخل المملكة.
اضطراب في سلاسل التوريد
في هذا السياق، أكدت نقابة تجار الألبسة والأقمشة والأحذية وجود اضطراب شديد في سلاسل توريد الطرود البريدية، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم وصول العديد من الشحنات التي تم شراؤها عبر منصات التسوق الإلكترونية، قبل موعد عيد الفطر، خاصة في ظل تعطل عدد من الرحلات الجوية وتوقف بعض المنصات عن استقبال الطلبات.
وأوضحت النقابة، أنها حذرت في وقت سابق من التركز المتزايد للتجارة المعتمدة على الطرود البريدية، نظراً لما ينطوي عليه هذا النمط من مخاطر قد تؤثر على وصول السلع في الوقت المناسب، خصوصاً خلال المواسم القريبة من الأعياد.
كما لفتت، إلى أن بعض المشترين قد يواجهون مشكلات تتعلق باسترداد قيمة المدفوعات في حال تأخر الطلب أو عدم وصوله، مؤكدة أن الشراء من الأسواق المحلية يبقى الخيار الأكثر أماناً للمستهلكين في مثل هذه الظروف.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 11 مليون أردني يستخدمون الإنترنت حالياً، من بينهم حوالي 8 ملايين عبر الهواتف الذكية. كما تظهر البيانات أن إجمالي عدد طرود التجارة الإلكترونية التي وصلت إلى المملكة خلال العام 2024، بلغ نحو 1.7 مليون طرد وارد عبر المنصات الدولية، بقيمة تقديرية بلغت حوالي 350 مليون دينار.
تراجع الشحن العالمي
ويرى الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة، أن المنطقة وخاصة الأردن، تمر بمرحلة اضطراب لوجستي غير مسبوق نتيجة إغلاق بعض الممرات البحرية وفرض قيود على الشحن الجوي، الأمر الذي أربك حسابات التجارة الإلكترونية العالمية والمحلية.
وأوضح أن إعلان إغلاق مضيق هرمز في ظل الحرب، يمثل أحد أسوأ السيناريوهات للاقتصاد العالمي، نظراً لأهمية هذا الممر الذي يمر عبره نحو 20 % من احتياجات العالم من النفط والغاز. وأضاف أن تعليق الملاحة فيه أدى إلى شلل شبه كامل في خطوط الإمداد، وأجبر السفن على تغيير مساراتها بعيداً عن الخليج، ما وضع أمن الطاقة والتجارة الإقليمية في دائرة الخطر.
وأشار إلى أن التجارة الإلكترونية تواجه أزمة لوجستية خانقة أيضاً بسبب القيود التي فرضتها شركات شحن عالمية مثل "فيديكس"، ما أدى إلى انخفاض سعة الشحن بنحو 18 %، نتيجة تعليق بعض الرحلات الجوية المتجهة إلى الأردن والسعودية والإمارات.
تأخير التسليم وارتفاع الأسعار
وبحسب المخامرة، انعكست هذه التطورات مباشرة على سلاسل التوريد والتجارة الإلكترونية في المنطقة، حيث ارتفعت أوقات التسليم للطلبات القادمة من آسيا وأوروبا وأميركا إلى الشرق الأوسط بشكل ملحوظ، إذ امتدت في بعض الحالات من نحو 15 يوماً إلى ما بين 20 و45 يوماً.
كما ارتفعت تكاليف الشحن نتيجة فرض رسوم طوارئ من قبل شركات النقل وزيادة أقساط التأمين البحري وارتفاع أسعار الوقود والطاقة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع المستوردة مثل الإلكترونيات والأدوية ومستحضرات التجميل وقطع الغيار والسلع الاستهلاكية.
تأثير مباشر على المستخدم الأردني
ويعتمد الأردن بشكل كبير على الاستيراد عبر موانئ الخليج مثل ميناء جبل علي، إضافة إلى الشحن الجوي وخطوط الشحن التي تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وبناء على ذلك، فإن تعليق بعض الرحلات الجوية وارتفاع كلف الشحن ينعكس مباشرة على المنصات الإلكترونية، التي يعتمد عليها المستهلك الأردني.
وأكد المخامرة، أن المستخدم المحلي سيواجه آثارا مباشرة، أبرزها تأخر وصول الطلبات لأسابيع إضافية، وارتفاع الأسعار نتيجة انتقال كلف الشحن والوقود إلى السعر النهائي للمنتج بعد إضافة الضرائب. كما يشهد السوق نقصاً في بعض السلع، خصوصاً الإلكترونيات والمنتجات الآسيوية التي تمر عبر مراكز الشحن في الخليج.
كما قد تتراجع جاذبية تجربة التسوق عبر الإنترنت نتيجة التأخير وارتفاع الأسعار، ما قد يؤثر على ثقة المستهلكين في هذا النوع من التسوق، مقارنة بالسنوات السابقة.
موسما رمضان والعيد
ويشير المخامرة، إلى أن تأثير هذه الأزمة قد يظهر بوضوح أكبر خلال رمضان 2026 وموسم العيد، إذ تعد هذه الفترة من أكبر مواسم التسوق في الأردن والمنطقة، حيث يرتفع الطلب بشكل حاد على مختلف السلع.
ويدفع ذلك المستهلكين إلى زيادة الاعتماد على الأسواق المحلية والشراء الفوري، كما يعزز توجههم نحو البدائل المحلية، خاصة مع ارتفاع كلفة الاستيراد وتأخر وصول الشحنات.
التجارة الإلكترونية على صفيح ساخن
من جانبه، يرى خبير حوكمة البيانات والتحول الرقمي الدكتور حمزة العكاليك، أن الحرب تحولت إلى اضطراب رقمي ولوجستي يضرب سلاسل الإمداد وشبكات التجارة الإلكترونية في المنطقة.
وأوضح أن قطاع التجارة الإلكترونية في الأردن يقف اليوم على "صفيح ساخن"، حيث تتقاطع طموحات النمو الرقمي مع تحديات جيوسياسية معقدة تضع المستهلك والتاجر أمام اختبار حقيقي للقدرة على التكيف.
وأشار، إلى أن التوترات في مضيقي باب المندب وهرمز تمثل نقطة ضعف رئيسية في سلاسل الإمداد العالمية، حيث أدت إلى تحويل مسارات السفن من قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما زاد مدة الشحن بنحو 10 إلى 15 يوماً، ورفع تكاليف النقل البحري بنسبة تتراوح بين 200 % و300 %، في بعض الخطوط الحيوية.
اعتماد كبير على المنصات العالمية
ولفت العكاليك، إلى أن المستخدم الأردني يتأثر مباشرة بهذه التطورات بسبب اعتماد السوق المحلي على الاستيراد عبر منصات عالمية، مثل "شي إن" وغيرها.
كما يعتمد الأردن على ميناء العقبة كبوابة بحرية رئيسية، ومع فرض شركات التأمين علاوات مخاطر الحرب على السفن المتجهة إلى المنطقة، ارتفعت أسعار السلع النهائية بشكل ملحوظ.
ولم يعد التأخير هو المشكلة الوحيدة، بل أصبح ارتفاع الأسعار التحدي الأكبر، حيث إن الطرد الذي كان يصل خلال أسبوع قد يستغرق الآن نحو شهر كامل، فيما أصبحت قيمة المشتريات، أقل قدرة على تغطية السلع نفسها مقارنة بالسابق.
تحول نحو البدائل المحلية
في المقابل، يرى خبراء أن الأزمة قد تخلق فرصاً جديدة للسوق المحلي. فقد بدأ المستهلك الأردني بالفعل البحث عن بدائل محلية، ما أدى إلى صعود ملحوظ للمنصات الإلكترونية الأردنية والمشاريع المنزلية، التي تسوق منتجاتها عبر منصات مثل "إنستغرام" و"فيسبوك".
ففي ظل تعثر الشحنات الدولية، يصبح التاجر المحلي الذي يمتلك مخزوناً داخل المملكة، قادرا على تلبية الطلب بسرعة أكبر، خصوصاً خلال المواسم الحساسة مثل موسم العيد.
البحث عن بدائل لوجستية
وتشير البيانات، إلى أن تكلفة حاوية الشحن من شرق آسيا إلى المنطقة ارتفعت من نحو 1500 دولار قبل الأزمة، إلى أكثر من 6000 دولار في بعض الفترات، ما انعكس على أسعار المنتجات بزيادة قد تصل إلى ما بين 15–20 %، في بعض الحالات.
ودفع ذلك الحكومة والقطاع الخاص إلى التفكير في حلول بديلة، مثل الجسر البري الذي يربط موانئ الخليج بالأردن عبر الأراضي السعودية، لتجاوز بعض الممرات البحرية المتأثرة بالتوترات.
منظومة اقتصادية متكاملة
من جهته، أكد خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي المهندس هاني البطش، أن الأزمة الحالية تظهر بوضوح أن التجارة الإلكترونية لم تعد مجرد منصة للبيع، بل أصبحت منظومة لوجستية واقتصادية متكاملة تتأثر مباشرة بالمتغيرات الجيوسياسية.
وأوضح أن التأثير في الأردن، يظهر غالباً بشكل غير مباشر مقارنة بدول الخليج، حيث يتمثل في تأخير الشحنات أو تراجع تنوع المنتجات المتاحة أكثر من كونه توقفاً كاملاً في حركة التجارة الإلكترونية.
فرصة للتجار المحليين
ويرى البطش، أن المرحلة الحالية تمثل فرصة استراتيجية للتجار المحليين إذا تم التعامل معها بمرونة وسرعة، خصوصاً لمن يمتلكون مخزوناً محلياً أو قدرة على التوريد السريع.
كما يبرز دور الاستثمار في إدارة المخزون الذكية، وتحسين سرعة التوصيل داخل السوق المحلي وبناء شراكات مع شركات التوصيل المحلية، إضافة إلى استخدام أدوات التحليل الرقمي لفهم تغيرات الطلب وتوجيه العروض نحو السلع التي قد تشهد نقصاً، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
مؤشرات الاستخدام والتسوق الإلكتروني
وتشير نتائج مسح انتشار الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في المنازل للعام 2024، إلى أن 16.5 % من الأفراد في الأردن يشترون سلعاً أو خدمات عبر الإنترنت.
وتظهر البيانات، أن الملابس والأحذية والإكسسوارات تستحوذ على الحصة الكبرى من المشتريات الإلكترونية بنسبة 89.1 %، مع أعلى نسبة في إقليم الجنوب بلغت 97.7 %. وجاءت سلع الأغذية ومواد البقالة والتبغ في المرتبة الثانية بنسبة 39.6 %، بينما سجلت أجهزة التصوير والاتصالات والمعدات البصرية أدنى نسبة طلب بلغت 0.2 %.