"النبذ الاقتصادي".. كيف تدفع العقوبات إيران إلى تغيير سلوكها؟
الغد-إيمان الفارس
تتحول العقوبات والضغوط الأميركية على إيران إلى اختبار متصاعد لقدرة طهران على الصمود اقتصاديا والحفاظ على نفوذها الإقليمي، في وقت تتجه فيه واشنطن إلى توسيع نطاق سياسة "النبذ الاقتصادي"، لتطال ليس الاقتصاد الإيراني فحسب، بل القنوات والدول التي تساعده على تجاوز القيود.
وبينما تظهر المؤشرات قدرة العقوبات على استنزاف الاقتصاد الإيراني، ورفع كلفة التجارة والطاقة والتحويلات المالية، تبقى قدرتها على تغيير السلوك السياسي والإستراتيجي لطهران أكثر تعقيدا، في ظل امتلاكها أدوات للتكيف والالتفاف على العقوبات، واستمرار دعم قوى دولية لها.
ووفق تحليلات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحات لـ"الغد"، فإن المعادلة لا تتوقف عند حجم الضرر الاقتصادي الذي تلحقه العقوبات بإيران، بل تمتد إلى قدرتها على التأثير في حسابات النظام وسياسته الإقليمية، وسط تحذيرات من أن استمرار الضغط دون مسار سياسي واضح قد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد، أو إلى استخدام أدوات رد تزيد من مخاطر التصعيد في المنطقة.
وأشاروا إلى أن نجاح واشنطن، في المقابل، في إغلاق منافذ الالتفاف على العقوبات، خصوصا عبر دول الجوار والقنوات المالية، قد يرفع كلفة استمرار السياسات الإيرانية، ويدفع طهران تدريجيا إلى إعادة حساباتها، ما يجعل العقوبات أداة ضغط تفاوضية أكثر من كونها وسيلة كافية وحدها لإحداث تغيير إستراتيجي شامل.
خيارات محفوفة بالمخاطر
وفي ظل هذه المعطيات، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية، د. بدر الماضي، أن العقوبات الاقتصادية الأميركية أظهرت قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد الإيراني، لافتا إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك خبرة واسعة في استخدام هذا السلاح عندما تكون الخيارات العسكرية محفوفة بالمخاطر أو غير قادرة على تحقيق النتائج السياسية المطلوبة.
وقال الماضي إن الولايات المتحدة، وبعد تجربة المواجهة العسكرية مع إيران خلال الأسابيع الماضية وعدم تحقق الرهان على دفع الشارع الإيراني إلى التحرك ضد النظام، اتجهت إلى تشديد الضغوط الاقتصادية، لكن بصورة مختلفة عن العقوبات السابقة، عبر تبني سياسة "النبذ الاقتصادي" التي لا تستهدف إيران واقتصادها فقط، بل تمتد إلى الدول والمؤسسات التي ساعدتها على الالتفاف على العقوبات.
وأشار إلى أن تشديد الضغوط على الدول المجاورة لإيران بدأ يترك آثارا واضحة، مع تزايد الأعباء الاقتصادية على النظام وتراكم حالة الاستياء الداخلي، ما قد يدفع نحو مزيد من عدم الاستقرار أو يضع طهران أمام خيار التفاوض وتغيير سلوكها.
ورأى الماضي أن إيران مقبلة على مرحلة صعبة، في ظل سعي واشنطن إلى مواصلة الضغط الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك تضييق قنواتها الاقتصادية مع دول الجوار، خصوصا العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وأرمينيا، باعتبار أن بعضها شكّل في السنوات الماضية شرايين اقتصادية ساعدت طهران على تجاوز آثار العقوبات.
وشدد على أن قدرة العقوبات على تغيير السلوك الإيراني ستبقى مرتبطة بمدى قدرة الولايات المتحدة على إغلاق منافذ الالتفاف عليها، مشيرا إلى أن استمرار الضغوط وتراكم آثارها الاقتصادية والاجتماعية قد يزيد كلفة استمرار السياسات الإيرانية الحالية، ويدفع النظام في نهاية المطاف إلى إعادة حساباته، بما ينعكس على أمن المنطقة واستقرارها.
إضعاف الاقتصاد الإيراني
وفي ظل محدودية الخيار العسكري في تحقيق الحسم المطلوب، رأى الخبير الأمني والاستراتيجي، د. بشير الدعجة، أن سياسة "النبذ الاقتصادي" الأميركية نجحت بوضوح في إضعاف الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحويل هذا الضغط الاقتصادي إلى تغيير جوهري في القرار السياسي والإستراتيجي لطهران.
وقال الدعجة إن العقوبات المتراكمة، وما رافقها من قيود على صادرات النفط وصعوبات مصرفية، وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار وانكماش التجارة، فرضت ضغوطا كبيرة على الدولة والمجتمع الإيرانيين، لكن قدرة طهران على التكيف مع العقوبات والالتفاف عليها عبر شبكات اقتصادية ومالية غير رسمية، والحفاظ على قنوات لتصدير النفط، حدّت من قدرتها على التحول إلى عامل انهيار سياسي.
وأضاف أن شدة العقوبات دفعت إيران في السنوات الماضية إلى تطوير اقتصاد موازٍ وشبكات شركات وسيطة وطرق بديلة للنقل والتحويلات المالية، فيما شكّلت الصين منفذا رئيسا لصادرات النفط الإيرانية، ما أتاح لطهران الحفاظ على جزء مهم من مواردها برغم الضغوط الأميركية.
واعتبر الدعجة أن المرحلة الحالية تبدو أكثر صعوبة بالنسبة لإيران، في ظل انتقال الضغط الأميركي من استهداف الكيانات الإيرانية مباشرة إلى ملاحقة الشبكات والشركات والقنوات المالية التي تساعد طهران على الوصول إلى الأسواق والتمويل، وهو ما يرفع تكلفة الالتفاف على العقوبات ويضيّق هامش المناورة أمام الاقتصاد الإيراني.
وأكد أن التأثير الحقيقي للعقوبات لا يكمن بالضرورة في إيقاف الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل في رفع تكلفة عمله، عبر زيادة كلفة النقل والتأمين والوساطة والتحويلات المالية، وتقليص عوائد النفط والاستثمار والتجارة، بما يضعف قدرة الحكومة على تمويل الواردات والموازنة والحفاظ على استقرار العملة.
لكن الدعجة حذّر من أن إضعاف الاقتصاد لا يعني تلقائيا تغيير السلوك الإستراتيجي، موضحا أن إيران تنظر إلى نفوذها الإقليمي وشبكات حلفائها باعتبارها جزءا من منظومة أمنها القومي وإستراتيجية الردع، وليس مجرد إنفاق يمكن التخلي عنه بسهولة. لذلك قد تضطر طهران إلى خفض التمويل أو إعادة توزيع الموارد، لكنها لن تتخلى بالضرورة عن أدوات نفوذها الإقليمي تحت تأثير العقوبات وحدها.
وبيّن أن العقوبات قد تصبح أكثر تأثيرا عندما تتزامن مع ضغوط عسكرية وتراجع في قنوات التجارة والطاقة، إلا أن ذلك يرفع في المقابل مخاطر التصعيد، إذ قد تلجأ إيران إلى استخدام أدوات أخرى للرد، مثل الضغط على الملاحة والطاقة، والهجمات السيبرانية، والتصعيد العسكري غير المباشر، أو تفعيل شبكاتها الإقليمية.
ونبّه الدعجة إلى أن استمرار الضغط الاقتصادي من دون مسار سياسي واضح قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تعزيز الخطاب القومي في إيران، وتحويل العقوبات إلى عامل تعبئة في مواجهة الولايات المتحدة، فضلا عن احتمال أن تتحمل الطبقات الوسطى والقطاع الخاص والمواطنون الجزء الأكبر من كلفتها، بينما تتمكن المؤسسات المرتبطة بالدولة والأجهزة الأمنية من التكيف بصورة أكبر مع اقتصاد الظل.
وأشار إلى أن قدرة العقوبات على تغيير السلوك الإيراني ستتوقف على أربعة عوامل رئيسة، هي: قدرة واشنطن على إغلاق قنوات الالتفاف على العقوبات، واستمرار الصين في شراء النفط الإيراني، وقدرة طهران على الحفاظ على تماسكها الداخلي، إلى جانب وجود مسار دبلوماسي يقدم حوافز حقيقية مقابل تنازلات قابلة للتحقق في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية.
وشدد على أن المصلحة الإقليمية، بما فيها مصلحة الأردن، لا تتمثل في انهيار إيران اقتصاديا بأي ثمن، وإنما في دفعها نحو سلوك أكثر استقرارا وأقل تهديدا لجيرانها، محذرا من أن أي تصعيد واسع بين واشنطن وطهران سينعكس على أسعار الطاقة والشحن والتجارة والاستثمار وأمن المنطقة، مع تداعيات مباشرة على الاقتصادات العربية.
وتابع الدعجة أن "الهدف الإستراتيجي يجب ألا يكون تجويع إيران، بل تغيير حساباتها"، معتبرا أن العقوبات سلاح اقتصادي قوي، لكنه لا يستطيع وحده تغيير عقيدة أمن قومي تراكمت على مدى عقود.
العقوبات الأميركية
وفي قراءة لهذا التحول، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، د. خالد شنيكات، أن سياسة "النبذ الاقتصادي" تترك تأثيرات مدمرة على الاقتصاد الإيراني، موضحا أن قدرة هذه السياسة على تحقيق أهدافها ترتبط بعدة عوامل، في مقدمتها كفاءة الحكومة الإيرانية في التكيف مع الوضع الاقتصادي الخانق الناتج عن العقوبات الأميركية.
وقال شنيكات إن مستوى تعاون الصين وروسيا، إلى جانب أي دول أخرى قد ترفض الانخراط في الحصار الاقتصادي على إيران، يمثل عاملا مهما في تحديد مدى فعالية العقوبات وقدرتها على إحداث ضغط حقيقي على الاقتصاد الإيراني، مشيرا إلى أن قدرة طهران على إيجاد بدائل وشراكات اقتصادية خارج منظومة العقوبات ستؤثر في نتائج سياسة الضغط الأميركية.
وأضاف أن مضيق هرمز يمثل عاملا محوريا في هذه المعادلة، إذ تتوقف أهمية هذا المسار على مدى قدرة إيران على التأثير في حركة إمدادات النفط عبر المضيق. وبيّن أنه وفقا للتصريحات الأميركية، فإن أعدادا كبيرة من السفن ما تزال تعبر المضيق، بحمولات تقدر بملايين الأطنان أسبوعيا، ما يعني، في حال دقة هذه البيانات، أن قدرة إيران على إعاقة حركة الملاحة في المضيق قد تكون محدودة التأثير.
في المقابل، أوضح شنيكات أنه إذا تمكنت إيران من إحكام سيطرتها على مضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة فيه، فإن ذلك ستكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي، نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى مراجعة جانب من سياساتها الاقتصادية تجاه طهران.
ولفت إلى أن مضيق هرمز يمثل "المفصل الأساسي" في المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران، نظرا لأهميته في حركة إمدادات الطاقة العالمية، وما يمكن أن يترتب على أي اضطراب في الملاحة فيه من آثار تتجاوز حدود البلدين.
ورأى شنيكات أن الولايات المتحدة غيّرت أولوياتها من استخدام القوة العسكرية المباشرة إلى توسيع الاعتماد على الأدوات الاقتصادية، مشيرا إلى أن واشنطن سبق أن استخدمت هذه السياسة في مواجهة العراق خلال الفترة الممتدة بين عامي 1991 و2003، وكذلك في التعامل مع فنزويلا وكوبا.