الغد
إسرائيل هيوم
بقلم: دودي كوغن
34 كيلو مترا فقط تفصل بين النقطة الأضيق التي بين شاطئي مضيق هرمز، في أحد جانبيه إيران وفي الجانب الآخر عُمان والإمارات.
عبر هذا الممر الضيق يمر في الأيام العادية نحو خُمس واردات النفط العالمية وفقا لوكالة الطاقة الأميركية (EIA).
في اليوم الذي سبق الحرب اجتازت المضيق نحو 80 ناقلة نفط وغاز، وفي اليوم الثاني اجتازته اثنتان فقط. ولعل ما يمثل ساعة التوقف الحقيقية للحرب هو أكثر من استقرار النظام الإيراني أو التأييد السياسي في الولايات المتحدة أو الإنجازات العسكرية أو غيابها.
لسنوات، لوّحت إيران بإمكانية أن ترد على هجوم ضدها بإغلاق المضيق. وسمي هذا التهديد "سلاح يوم الدين" لدى طهران تماما مثل مشروعها النووي. لكنها لم تنفذه أبدا حتى في "الأسد الصاعد". كان الحديث يدور عمليا عن وعد بإبادة متبادلة: فإيران متعلقة بهذا المضيق بقدر لا يقل وربما حتى أكثر من جيرانها.
هذه المرة وللفهم بأن هذا هو صراع على مجرد وجود الجمهورية الإسلامية نفذت هذا التهديد. وحسب الـ "فايننشل تايمز" فإن خامنئي نفسه هو الذي وضع خطة الحرب العنيفة، التي تضمنت هجمات على منشآت الطاقة لجيرانها في الخليج وإلحاق ضرر أقصى بالبنى التحتية الاقتصادية في المنطقة. ونُفذت الخطة أيضا بعد موت خامنئي، حين عملت الوحدات العسكرية الإيرانية بشكل مستقل استنادا إلى تعليمات صدرت مسبقا.
مدى الهجوم الإيراني على جيرانها مع التشديد على صناعة الطاقة التي يعتمدون عليها مذهل في جسارته: مُسيرات إيرانية ضربت منشأة غاز قطرية وشركة الطاقة الوطنية لديها، ومُصدّرة الغاز الطبيعي الثانية في حجمها في العالم أعلنت عن توقف تام للإنتاج.
نحو خُمس توريد الغاز السائل العالمي اختفى من السوق دفعة واحدة. في السعودية أُغلقت مصفاة أرامكو في رأس تنورة بعد إصابة شظايا مُسيرات تم اعتراضها. في اتحاد الإمارات نشب حريق في المنطقة الصناعية النفطية في الفجيرة، مركز تخزين النفط الثالث في حجمه في العالم، وفي ميناء دوكم في عُمان أُصيبت حاوية وقود. ناقلات نفط وغاز تتعرض للهجوم العشوائي في المضيق، ونحو 200 سفينة ترسو في مياه الخليج دون قدرة على الخروج.
د. غي لارون، محاضر كبير في دائرة العلاقات الدولية في الجامعة العبرية وباحث في الدراسات الجيوسياسية للطاقة في المنطقة يصف ما يجري كـ "شريط كوارث هوليوودي لو كنت شاهدته قبل سنة لقلت إنهم يبالغون تماما".
على حد قوله، في أزمتي النفط الكبيرتين في القرن العشرين أيضا، حُظِر النفط العربي في أعقاب حرب يوم الغفران والثورة الإسلامية في إيران في 1979، "لم نكن في الوضع الذي اقتُطِعَ فيه دفعة واحدة 20 في المائة من السوق".
وبالفعل، ردت السوق بسرعة: سعر برميل النفط من نوع برنت يُباع حول 83 دولارا (ارتفاع نحو 12 في المائة منذ بداية الحرب)، بعد أن تجاوز في ذروته هذا الأسبوع مستوى 85 دولارا، وسعر الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفع بنحو 70 في المائة في غضون أيام قليلة. يصف لارون "سلسلة من الإجراءات مثل حجارة الدومينو التي تسقط الواحدة تلو الأخرى: نقطة الخنق أُغلقت، السفن لا يمكنها أن تخرج، لا معنى لمواصلة الإنتاج". ويقدر بأنه "بعد أسبوع – أسبوعين سندخل في وضع نقص مادي"، وإذا كان سعر البرميل سيكسر حاجز 100 دولار "سيكون هذا حدث اليوم"، أما الارتفاع إلى منطقة 150 دولارا فهو "سيناريو كارثة".
الولايات المتحدة هي الأخرى غير محصنة، ولتحقيق توقعات الرعب هذه ستكون تداعيات مباشرة على الاستهلاك في أرجاء العالم وبخاصة على المستهلك الأميركي الذي يعارض كثيرون منهم الحرب، مع انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني (نوفمبر).
المتضررون الأساسيون هم دول شرق آسيا – اليابان، الصين، كوريا الجنوبية والهند – لكن الألم لن يشعر به الناس هناك فقط. وبعد أن تنتهي مخزونات الطوارئ لن يكون مفر من تقييد إنتاج المصانع في هذه الدول وغيرها.
الطاقة هي كل شيء"، يقول لارون. "هي المصدر المركزي في كل عملية الإنتاج في الاقتصاد الحديث. ما إن يرتفع سعره فإن سعر كل شيء سيرتفع: الشرائح الذكية، الألمنيوم، كل شيء يتطلب طاقة لأجل إنتاجه، وهذا كل شيء تقريبا". الولايات المتحدة هي الأخرى غير محصنة، كما يشدد: "المنتج في تكساس يجري حساب من يدفع له أكثر. إذا كان المستورد الخارجي مستعدا لأن يدفع أكثر من شركة الغاز المحلية، فإنه سيبيع له.
لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط منذ الآن إلى تشويش حرية الملاحة عندما قرر الحوثيون إغلاق مضيق باب المندب. هناك أيضا تعهدت الولايات المتحدة بإزالة التهديد، لكن رغم الهجمات الأميركية وحتى بعد وقف النار في اليمن وفي غزة، الحركة البحرية لم تعد إلى عادتها تقريبا. كما أن مهام أسطول الاتحاد الأوروبي والهند وغيرها لم تنجح في أن تعيد الأمور إلى مسارها.
حيال القتال غير المتماثل في شكل مُسيّرات، فإن التفوق العسكري البحري والجوي يصعب عليه تحقيق الحسم بسرعة. وهذا حتى قبل أن ندخل إلى حساب الإصابات التي لحقت بمنشآت إنتاج دول الخليج التي توجد على مسافة لمسة عن الشاطئ الإيراني.
المعنى هو أنه سيتعين على الولايات المتحدة أن تصل إلى حسم مطلق لكل العناصر العسكرية في المنطقة، وهي مهمة غير بسيطة كفيلة بأن تطول وفي هرمز التحدي أكبر بكثير.
تومر رعنان، محلل في المجلة البحرية "Lloyd’s list Intelligence" يتابع الحركة في المضيق في الزمن الحقيقي. يشرح ويقول: "في البحر الأحمر يوجد بديل، يمكنك أن تبحر حول أفريقيا. أما هنا فلا يوجد لك هذا البديل".
أما لارون فيصف هذا على النحو التالي: "إغلاق قناة السويس هو كأن يكون أحد الأنابيب في المبنى مسدودا فيتعطل كل شيء. إغلاق مضيق هرمز هو إغلاق الصنبور. وهذا الصنبور هو صنبور الأكسجين للاقتصاد العالمي.