أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    02-Oct-2026

بورصة عمّان 2033: المشكلة لم تعد في التشخيص

عمون-

 
د.عدلي قندح-
 
على امتداد المقالات السابقة، حاولنا قراءة بورصة عمّان خارج الإطار التقليدي الذي يقيس أداء السوق بحركة المؤشر والقيمة السوقية وحجم التداول. فهذه المؤشرات مهمة، لكنها تقيس في الأساس نشاط السوق وتسعير الأصول المالية، ولا تكفي وحدها للحكم على قدرة سوق رأس المال على تعبئة التمويل للاستثمار والمساهمة في التحول الهيكلي للاقتصاد.
 
وفي هذا السياق، تستحق بورصة عمّان والقائمون عليها التهنئة بحصولها على جائزة اتحاد أسواق المال العربية لعام 2025 كأفضل بورصة عربية أداءً من حيث نمو مؤشر الأسعار، بعد أن تصدرت الأسواق العربية وحلت في المرتبة الثالثة عشرة عالمياً وفق بيانات بلومبيرغ. وهو إنجاز مهم يعكس قوة الأداء الذي حققته السوق، ويمنحنا في الوقت نفسه قاعدة أقوى للانتقال من قياس الأداء المالي إلى مناقشة دور البورصة الاقتصادي والتنموي.
 
وقد أظهرت هذه القراءة صورة مركبة. فقد تقلصت قاعدة الشركات المدرجة مقارنة بذروتها التاريخية، في الوقت الذي ارتفعت فيه القيمة السوقية بقوة. كما لا تزال بعض القطاعات الاقتصادية الصاعدة أقل تمثيلاً في البورصة مقارنة بأهميتها المتزايدة في مسار التحول الاقتصادي، بينما تعمل خارج السوق شركات خاصة وعائلية ناجحة وقابلة للنمو. وفي المقابل، يوفر القطاع المصرفي الأردني قناة تمويل قوية وفاعلة، إلا أن التمويل المصرفي ورأس المال يمثلان أداتين متكاملتين، تختلف الحاجة إليهما باختلاف مراحل نمو الشركات وطبيعة استثماراتها ومستويات المخاطر التي تتحملها.
 
كما بينت المقارنة مع أسواق عربية أخرى أن تجدد السوق لا يحدث تلقائياً نتيجة ارتفاع الأسعار أو السيولة، وإنما يرتبط بقدرتها على استقطاب شركات جديدة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتنويع الأدوات، وتعبئة رأس مال جديد. وبذلك، لم تعد القضية الأساسية في تشخيص واقع بورصة عمّان، بل في تحديد الدور الاقتصادي الذي ينبغي أن تؤديه خلال المرحلة المقبلة.
 
من أداء السوق إلى وظيفتها الاقتصادية
 
شهدت بورصة عمّان خلال الفترة الأخيرة تحسناً مهماً في الأسعار والقيمة السوقية والتداول، وهي تطورات إيجابية تعكس تحسناً في تقييم الأصول وأداء عدد من الشركات وثقة المستثمرين. لكن الأداء القوي للسوق، على أهميته، لا يشكل بمفرده استراتيجية لتطوير سوق رأس المال.
 
فالتمييز ضروري بين كفاءة السوق الثانوية في تداول وتسعير الأوراق المالية القائمة، وبين قدرة السوق الأولية على تعبئة رأس مال جديد للشركات. ففي الحالة الأولى تنتقل ملكية الأصول بين المستثمرين، بينما تسمح الثانية بتوجيه مدخرات جديدة إلى الشركات لتمويل الاستثمار والتوسع. والسوق المتطورة تحتاج إلى الوظيفتين: سوق ثانوية سائلة وكفؤة، وسوق أولية قادرة على تكوين رأس المال وتمويل النشاط الاقتصادي المنتج. ومن هنا يصبح عمق سوق رأس المال مفهوماً أوسع من ارتفاع المؤشر أو زيادة التداول؛ فهو يرتبط أيضاً بقدرتها على توسيع قاعدة الشركات، وتعبئة التمويل، وتنويع المستثمرين والأدوات، وتحسين تخصيص الموارد نحو الاستخدامات الإنتاجية.
 
النوعية قبل العدد
 
لا ينبغي، لذلك، اختزال تطوير بورصة عمّان في استعادة عدد الشركات المدرجة الذي بلغ 277 شركة في عام 2010، أو وضع رقم أعلى باعتباره هدفاً بحد ذاته. فالأهمية الاقتصادية للإدراج ترتبط بنوعية الشركة، وقدرتها على النمو، وحجم رأس المال الجديد الذي تستطيع تعبئته، وكفاءة استخدامه بعد الإدراج.
 
وتزداد القيمة التنموية للسوق عندما تستقطب شركات ذات إنتاجية مرتفعة وقابلية للتوسع والتصدير والابتكار، وتساعدها على تمويل استثمارات جديدة. وبهذا يتحول معيار النجاح من مجرد عدد الشركات المدرجة إلى قدرة السوق على دعم تكوين رأس مال جديد وتحسين تخصيص الموارد في الاقتصاد.
 
فجوة التمثيل وفجوة تكوين رأس المال
 
تكشف القراءة الهيكلية لبورصة عمّان عن فجوتين مختلفتين ولكنهما مترابطتان. الأولى هي فجوة التمثيل الاقتصادي، أي الاختلاف بين بنية الشركات والقطاعات الممثلة في السوق وبين البنية المتغيرة للاقتصاد الحقيقي والقطاعات التي تقود تحوله المستقبلي. ولا يعني ذلك أن الأوزان القطاعية في البورصة يجب أن تطابق حصص القطاعات في الناتج المحلي؛ فطبيعة الشركات القابلة للإدراج تختلف عن بنية الاقتصاد الكلي. لكن السوق المتطورة يفترض أن تكون قادرة تدريجياً على استقطاب الشركات القابلة للاستثمار العام في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة وإمكانات النمو الواعدة.
 
أما الثانية فهي فجوة تكوين رأس المال، وتتمثل في الفرق بين حجم النشاط والتقييمات في السوق وبين حجم التمويل الجديد الذي تجمعه الشركات فعلياً لتمويل الاستثمار والنمو. فالارتفاع في القيمة السوقية يزيد قيمة الثروة المالية للمساهمين، لكنه لا يمثل بالضرورة تدفقاً نقدياً جديداً إلى الشركات. وكذلك فإن ارتفاع التداول يعزز السيولة واكتشاف الأسعار، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى استثمار جديد في الاقتصاد الحقيقي. وهذا التمييز ضروري لفهم الوظيفة الاقتصادية لسوق رأس المال بصورة أدق.
 
شركات المستقبل موجودة خارج السوق
 
جزء مهم من الشركات التي يمكن أن تشكل بورصة عمّان في العقد المقبل موجود اليوم بالفعل خارجها: شركات عائلية وخاصة، وشركات صناعية وخدمية متوسطة الحجم، وشركات تكنولوجية وسريعة النمو. لكن وجود شركة ناجحة لا يعني تلقائياً أنها جاهزة للاستثمار العام. فالانتقال من شركة خاصة ناجحة إلى شركة قابلة لاستقطاب رأس مال عام يتطلب مستوى مناسباً من الحوكمة والشفافية، وجودة البيانات المالية، واستقلالية الإدارة، وهيكل ملكية قابل للتطور، وخطة نمو واضحة، وقدرة على التواصل مع المستثمرين.
 
لذلك، فإن تطوير قاعدة الشركات المدرجة يبدأ قبل الإدراج بسنوات. وهذا يحول مفهوم تطوير السوق من انتظار الشركات التي أصبحت جاهزة بالفعل إلى بناء مسار مؤسسي يرفع قابلية الشركات الواعدة للوصول إلى رأس المال العام.
 
الجاهزية ليست مسؤولية الشركة وحدها
 
في المقابل، لا يكفي إعداد الشركات إذا لم تكن السوق نفسها جذابة لها. فقرار الإدراج يمثل بالنسبة لأصحاب الشركة مفاضلة اقتصادية بين المنافع المتوقعة، من رأس المال والسيولة والتقييم والقدرة على التوسع، وبين تكاليف الإفصاح والحوكمة والامتثال ومشاركة مستثمرين جدد في الملكية.
 
ومن ثم، فإن جاهزية الشركة للسوق وجاذبية السوق للشركة متغيران متكاملان. وقد تكون شركة مؤهلة مالياً ومؤسسياً للإدراج، لكنها تفضل البقاء خاصة إذا لم ترَ قيمة اقتصادية كافية في التحول إلى شركة مدرجة. وهنا تصبح جودة السوق، وعمق قاعدة المستثمرين، والسيولة، وكفاءة التسعير، والثقة، والإطار التنظيمي، جزءاً من قرار الإدراج نفسه، وليس مجرد خصائص تهم المستثمرين.
 
قياس الدور الاقتصادي للسوق
 
هذا التحول في النظرة إلى البورصة يستدعي أيضاً تطوير أدوات القياس. فالمؤشر العام والقيمة السوقية والتداول والسيولة تظل مؤشرات أساسية لأداء السوق، لكنها لا تقيس بصورة كاملة قدرتها على تعبئة رأس المال ودعم التحول الاقتصادي.
 
ولهذا ينبغي أن تمتد عملية القياس إلى مؤشرات مثل عدد ونوعية الشركات الجديدة، وحجم التمويل الجديد الذي تجمعه الشركات من خلال إصدارات الأسهم والأوراق المالية الأخرى، وتركيب قاعدة المستثمرين، والتنوع القطاعي، واستخدام حصيلة الإصدارات، ومدى تطور الشركات بعد دخولها السوق. ويبرز هنا مفهوم الهوية الاقتصادية للسوق: أي مدى تعبير سوق رأس المال عن القدرات الإنتاجية والهيكلية للاقتصاد واتجاه تحوله.
 
ومن هذا المنطلق جاء تطوير مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (Market Economic Identity Index – MEII) كإطار لقياس درجة التوافق بين بنية سوق رأس المال والبنية الاقتصادية والإنتاجية للاقتصاد الحقيقي. فالمؤشرات التقليدية تجيب عن سؤال أداء السوق، بينما يضيف هذا المنظور سؤالاً مختلفاً يتعلق بموقع السوق ووظيفتها داخل الاقتصاد.
 
من مكونات متفرقة إلى منظومة
 
الأردن لا يبدأ من الصفر. فهو يمتلك قطاعاً مصرفياً متطوراً، وبنية تنظيمية ومؤسسات لسوق رأس المال، وشركات خاصة وعائلية ناجحة، ومستثمرين مؤسسيين، وخبرات مالية ومصرفية، إضافة إلى رؤية للتحديث الاقتصادي تحدد القطاعات والأنشطة التي تستهدف قيادة التحول الاقتصادي حتى عام 2033.
 
لذلك، لا تكمن الفجوة الأساسية في غياب المؤسسات أو الأدوات منفردة، وإنما في درجة التكامل بينها وقدرتها على العمل ضمن منظومة واحدة لتعبئة رأس المال وتوجيهه نحو الشركات والقطاعات القادرة على النمو.
 
وهذا يعني أن تطوير السوق لا يمكن اختزاله في زيادة الإدراجات، أو تنشيط التداول، أو تعديل تشريعي منفرد، أو ضخ سيولة إضافية. فكل واحد من هذه العناصر قد يكون ضرورياً، لكنه لا يشكل بمفرده سياسة متكاملة لتطوير سوق رأس المال.
 
بورصة عمّان 2033
 
إذا كانت رؤية التحديث الاقتصادي تستهدف اقتصاداً أردنياً أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على التصدير وخلق فرص العمل، فمن الطبيعي أن يتطور دور سوق رأس المال بالتوازي مع هذا التحول. وعليه، فإن تقييم بورصة عمّان في عام 2033 ينبغي ألا يقتصر على مستوى المؤشر أو القيمة السوقية، بل يجب أن يشمل قدرتها على استقطاب شركات جديدة ذات قيمة اقتصادية، وتعبئة رأس مال جديد، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتمويل قطاعات النمو، وتعميق ارتباط السوق بالاقتصاد الحقيقي. وهذا الانتقال يتطلب تجاوز الأهداف العامة إلى خط أساس واضح، وأهداف كمية، ومؤشرات أداء، وإطار مؤسسي، ونموذج متكامل قابل للتنفيذ والقياس والمتابعة.
 
وبعد تشخيص تطور السوق، وتراجع قاعدة الشركات المدرجة، وتركيبة القيمة السوقية، والتمثيل القطاعي، ودور الشركات العائلية، والعلاقة بين البنوك والبورصة، وتجارب الأسواق العربية، أصبحت القضية أكثر تحديداً: التحدي لم يعد في تشخيص بورصة عمّان، بل في تصميم الدور الذي ينبغي أن تؤديه سوق رأس المال في تمويل التحول الاقتصادي الأردني حتى عام 2033.