الدستور
أمست الأزمات الاقتصادية تُقاس بقدرة الدولة على حماية سلاسل الإمداد التي تنقل الغذاء والطاقة والدواء والمواد الخام عبر العالم. علاوة على ما يحدث داخل الأسواق المحلية، فخلال السنوات الأخيرة، اكتشف العالم أن أي اضطراب في ميناء أو ممر بحري أو طريق تجاري يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسعار وكلف النقل والتأمين وحتى على استقرار الأسواق.
ومن هنا برز مفهوم «الهشاشة الاستراتيجية»، وهو الحالة التي يصبح فيها الاقتصاد أكثر عرضة للتأثر بالأزمات الخارجية نتيجة الاعتماد الكبير على مصادر وموردين أو ممرات بحرية او طرق محددة يصعب التحكم بها أو إيجاد بدائل سريعة لها.
الأردن يعرف هذه التحديات جيداً، لأن أي اضطراب في المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على التجارة والنقل وكلف الاستيراد. فالمملكة تقع في قلب منطقة تتغير فيها طرق التجارة والطاقة بصورة مستمرة، ما يجعل مسألة المرونة الاقتصادية قضية عملية تمس الأسواق والقطاعات الإنتاجية والاستثمارية بشكل مباشر.
وخلال السنوات الأخيرة، لم تواجه المنطقة أزمات تقليدية فقط، بل دخلت مرحلة من التوترات الجيوسياسية المعقدة، بدءاً من جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بتداعيات الحرب على غزة، وصولاً إلى التوترات الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية التي ألقت بظلالها على حركة الملاحة والطاقة وأسواق التأمين والشحن في المنطقة بأكملها.
وقد انعكس التصعيد في البحر الأحمر ومحيطه خلال الأشهر الماضية على كلف الشحن البحري وأسعار التأمين ومدة وصول البضائع، كما دفعت المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية كثيراً من الشركات العالمية إلى إعادة حساباتها اللوجستية والبحث عن مسارات بديلة أكثر استقراراً.
وفي منطقة يعتمد جزء كبير من اقتصادها على التجارة العابرة والطاقة المستوردة، فإن أي توتر يمتد نحو مضيق هرمز أو البحر الأحمر لا يبقى حدثاً سياسياً بعيداً، بل يتحول سريعاً إلى أرقام إضافية في فاتورة النقل والطاقة والتأمين وأسعار السلع.
وفي الحالة الأردنية، يبرز ميناء العقبة بوصفه ركيزة استراتيجية مهمة، ليس فقط باعتباره المنفذ البحري الوحيد للمملكة، بل باعتباره بوابة لوجستية قادرة على دعم دور الأردن كمركز إقليمي للنقل والخدمات وإعادة التصدير.
كما أن عودة النشاط التدريجي لعدد من المعابر البرية الإقليمية أعادت إحياء فرص مهمة أمام قطاع النقل والترانزيت الأردني، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها حركة التجارة بين الخليج وبلاد الشام والعراق.
ولبناء المرونة الاقتصادية للحد من الهشاشة الإستراتيجية التي تتعرض لها كثير من اقتصادات الدول في الشرق الاوسط ، لا بد من خطوات عملية طويلة المدى. مثل تنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع المخزون الاستراتيجي للغذاء والطاقة والدواء، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، حيث لم تعد هذه ملفات خدمية فقط، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي الوطني.
بالاضافة الى تطوير شبكة السكك الحديدية وربطها بالعقبة والمناطق الصناعية والمعابر الحدودية الذي يمكن أن يخفف كلف النقل ويرفع كفاءة حركة البضائع، خصوصاً مع تزايد المنافسة الإقليمية على الممرات التجارية والخدمات اللوجستية.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في المراكز اللوجستية الحديثة ومناطق التخزين وإعادة التصدير، لأن موقع الأردن الجغرافي يمنحه فرصة حقيقية للتحول إلى مركز خدمات إقليمي قادر على الاستفادة من التحولات التجارية في المنطقة.
وفي عالم الثابت فيه سرعة التغير، أصبحت المعلومة المتاحة بالوقت المناسب عنصراً حاسماً في تقليل الخسائر أثناء الأزمات. لذلك فإن التحول الرقمي في إدارة سلاسل الإمداد، واستخدام الأنظمة الذكية في التتبع والتخزين وإدارة المخزون، يمثل خطوة أساسية في تعزيز القدرة على الاستجابة السريعة وتقليل الاختناقات.
ومع تسارع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على التكيف مع المتغيرات، والاستفادة من موقع المملكة وخبراتها اللوجستية بصورة أكثر فاعلية. فبناء المرونة الاقتصادية لم يعد يرتبط فقط بمواجهة الأزمات عند وقوعها، بل بالاستعداد المبكر، وتوسيع البدائل، ورفع كفاءة البنية اللوجستية والتجارية بما يدعم استقرار الأسواق ويعزز فرص النمو خلال السنوات المقبلة.