"تصويب العمالة المخالفة".. الاختبار يبدأ بعد انتهاء المهلة
الغد-هبة العيساوي
مع اقتراب انتهاء مهلة قوننة وتوفيق أوضاع العمالة غير الأردنية المخالفة في 30 من أيلول (سبتمبر) المقبل، تتجه الأنظار إلى ما ستتخذه الحكومة ووزارة العمل بعد انتهاء فترة الإعفاءات، في ظل تأكيدات رسمية ببدء تشديد الرقابة واتخاذ إجراءات بحق العمال والمنشآت المخالفة، وسط تحذيرات من أن نجاح الحملة لن يقاس بعدد المخالفات التي يتم ضبطها، وإنما بمدى قدرتها على منع عودة المخالفات إلى سوق العمل.
ويرى خبراء، أن مرحلة ما بعد المهلة تتطلب الانتقال من الإجراءات الرقابية المؤقتة إلى معالجة أعمق لأسباب انتشار العمالة غير النظامية، عبر تطوير قاعدة بيانات وطنية موحدة للعمالة الأردنية وغير الأردنية، وتبسيط إجراءات تصويب الأوضاع، وتعزيز التفتيش وتطبيق القانون بعدالة، إلى جانب معالجة ظروف العمل والأجور والحماية الاجتماعية في القطاعات التي تعتمد بصورة كبيرة على العمالة الوافدة.
وأكدوا أن تنظيم العمالة غير الأردنية يمثل خطوة أساسية لإدارة سوق العمل بصورة أكثر دقة، لكنه لا يشكل حلاً مباشراً للبطالة، التي تحتاج لسياسات متكاملة ترتبط بالنمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة للأردنيين وتطوير المهارات وتحسين جودة الوظائف، مشددين على أن حماية العمال الأردنيين لا تتعارض مع حماية العمال المهاجرين، بل إن تطبيق معايير العمل اللائق ومكافحة العمل غير المنظم يسهم بالحد من المنافسة غير العادلة وحماية حقوق جميع العاملين.
تكثيف الجولات التفتيشية
من جهته قال الناطق لوزارة العمل محمد الزيود، إن الوزارة بدأت منذ يوم أمس بتكثيف الجولات التفتيشية في محافظات المملكة على كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية لضبط العمالة غير الأردنية المخالفة لتسفيرها وتحرير مخالفات بحق المنشآت التي تقوم بتشغيل عمالة غير أردنية مخالفة بغرامة لا تقل عن 800 دينار عن كل عامل غير أردني مخالف تقوم بتشغيله.
وأشار إلى أن أمام أصحاب العمل وأصحاب المنازل والقطاعات والأنشطة الاقتصادية المختلفة 52 يوما للاستفادة من فترة قونتة وتوفيق أوضاع العمالة غير الأردنية المخالفة، التي أقرها مجلس الوزراء في شهر حزيران (يونيو) الماضي.
وأكّد أنه لن يكون هناك أي تغيير على الإعفاءات المالية الواردة في قرار مجلس الوزراء، كما أنه لن يكون هناك أي تمديد لفترة قوننة وتوفيق أوضاع العمالة غير الأردنية التي تنتهي بتاريخ 2026/9/30.
ونوه إلى أنه سيتم اعتبارا من الأول من تشرين الأول (اكتوبر) من العام الحالي وضع إشارة "تسفير" على الأنظمة الإلكترونية الخاصة بالعامل أو العاملة المخالفة التي لم تقوم بتوفيق أوضاعها خلال فترة قوننة وتوفيق الأوضاع، سواء كانت العمالة منزلية أو تعمل في أي قطاع آخر.
وأوضح أن اشارة "التسفير" ستمنع العامل من تجديد أو توفيق أوضاعه إلا بعد التقديم للوزارة بطلب إلغاء قرار التسفير وفي حال وافقت الوزارة عليه دفع مبلغ 5000 دينار ودفع كامل الغرامات والرسوم السابقة المستحقة، وبقيمتها المالية كاملة، وذلك بعد انتهاء فرصة الإعفاءات التي امتدت من شهر حزيران (يونيو) وحتى نهاية أيلول (سبتمبر).
وأوضح أن قرار مجلس الوزراء بخصوص فترة قوننة أوضاع العمالة المخالفة جاء لتنظيم سوق العمل وتخفيف الأعباء المالية عن أصحاب العمل وأصحاب المنازل، وإتاحة المجال أمام العمالة غير الأردنية المخالفة لتوفيق أوضاعها وفقًا لأحكام قانون العمل والأنظمة والتعليمات الصادرة بموجبه.
وبين أن قرار مجلس الوزراء يتضمن شقين رئيسيين، الأول يتعلق بالإعفاءات المالية، والثاني بالسماح للعمالة غير الأردنية بالانتقال بين القطاعات، بهدف تنظيم سوق العمل وضمان التزام العمال وأصحاب العمل بأحكام القانون، إلى جانب تعزيز التزام المنشآت بنسب تشغيل الأردنيين.
وأضاف أن الإعفاءات المالية تشمل العمالة الراغبة في البقاء على أراضي المملكة، حيث يتم تخفيض 50 % من رسم تصريح العمل عن أي سنة سابقة، مع إجراء الفحص الطبي وإصدار تصريح عمل جديد، إضافة إلى الإعفاء بنسبة 100 % من الغرامات المترتبة على عدم تجديد تصريح العمل، وغرامات الإقامة الداخلية للجنسيات المقيدة بإقامة.
وأشار إلى أن القرار منح كذلك العمالة غير الأردنية الراغبة في المغادرة النهائية للمملكة "خروج بلا عودة" إعفاء بنسبة 100 % من جميع الرسوم والغرامات المترتبة عليها، بما فيها رسوم تصاريح العمل والغرامات المتعلقة بعدم تجديد تصريح العمل أو عدم تجديد إذن الإقامة.
وأوضح أن الإعفاءات المالية لا تشمل العمال الذين يعملون بموجب تصاريح للمهن والمهارات المتخصصة.
وفيما يتعلق بالانتقال بين القطاعات، قال، إن القرار يسمح للعمالة غير الأردنية بالانتقال بين مختلف القطاعات، باستثناء العمال العاملين في خدمات العمارات وحاملي تصاريح العمل الحر، إذ يسمح لهؤلاء بالانتقال فيما بينهم فقط، ولا يمكنهم الانتقال إلى قطاعات أخرى.
وأضاف أن العاملين في القطاعات الأخرى يستطيعون الانتقال مباشرة بين القطاعات، كما يمكن للعامل الذي انتهى تصريح عمله ويرغب بتجديده لدى صاحب عمل آخر الانتقال مباشرة إلى صاحب العمل الجديد وتثبيت ذلك من خلال تصريح العمل.
وبالنسبة للعمالة المنزلية، أوضح الزيود أن لها أحكامًا خاصة للانتقال، إذ يمكن للعامل الانتقال إلى صاحب عمل آخر في حال كان قد تم التبليغ عنه كعامل فار أو لعدم التزامه لدى صاحب العمل، شريطة مرور مدة محددة وأن يكون تصريح العمل منتهيًا لأكثر من عامين.
كما أشار إلى أن العمالة المنزلية التي مضى على انتهاء تصاريح عملها أكثر من عامين يمكنها الاستفادة من أحكام الانتقال إلى قطاع آخر، مبينًا أن الأمر ذاته ينطبق على العاملين في قطاع المحيكات والمنسوجات ممن مضى على انتهاء تصاريح عملهم أكثر من عامين.
ولفت إلى أن القرار يتيح أيضا للأشخاص الذين دخلوا الأردن في فترات سابقة لغير قصد العمل، وما زالوا موجودين على أراضي المملكة ويرغبون بالعمل، الاستفادة من فترة تقنين وتوفيق الأوضاع وإصدار تصاريح عمل وفقا للإجراءات المعتمدة.
معالجة أسباب استمرار المخالفات
بدوره قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة، إن نجاح وزارة العمل في منع عودة مخالفات العمالة غير الأردنية بعد انتهاء مهلة تصويب الأوضاع لن يعتمد فقط على تكثيف الحملات التفتيشية، وإنما يتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى استمرار المخالفات.
وأوضح، إن المرحلة المقبلة تستدعي تطوير قاعدة بيانات وطنية موحدة ومترابطة للعمالة الأردنية وغير الأردنية، بما يتيح تحديد الحجم الفعلي للعمالة الوافدة وتوزيعها حسب القطاعات والمهن بدقة، في ظل استمرار التفاوت في الأرقام والتقديرات المتداولة.
وأشار إلى أهمية تبسيط إجراءات تصويب الأوضاع وتعزيز تفتيش العمل وضمان تطبيق القانون بصورة عادلة على جميع الأطراف، وتحسين ظروف العمل في القطاعات التي تعتمد على العمالة الوافدة، لا سيما فيما يتعلق بالأجور والحماية الاجتماعية وظروف العمل.
وأكد أن استمرار تدني الأجور وضعف الحماية الاجتماعية وصعوبة ظروف العمل قد يبقي الطلب على العمالة الوافدة قائماً، حتى مع تشديد الرقابة، ما قد يؤدي لعودة المخالفات بعد انتهاء المهلة.
وشدد على أن تنظيم العمالة الوافدة يجب النظر إليه باعتباره خطوة لإدارة سوق العمل بصورة أفضل وتوفير بيانات دقيقة، وليس أداة مباشرة لخفض البطالة، التي تحتاج إلى سياسات أوسع ترتبط بالنمو الاقتصادي وخلق فرص عمل للأردنيين وتطوير مهاراتهم.
خطوة مهمة لتنظيم سوق العمل
من جانبه، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، إن الإجراءات التي ستتخذها الحكومة بعد انتهاء مهلة قوننة أوضاع العمالة غير الأردنية المخالفة ستكون العامل الأهم في تحديد مدى نجاح القرار، محذراً من أن تتحول الحملة إلى إجراء مؤقت أو موسمي يتكرر كل عدة سنوات.
وأكد، أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من معالجة المخالفات إلى إصلاح حقيقي في سياسات العمل والهجرة، عبر تعزيز التفتيش، وتطبيق القانون بعدالة، وبناء نظام واضح ومرن لإدارة العمالة الوافدة، يستند إلى بيانات دقيقة حول أعدادها وتوزيعها على القطاعات والمهن واحتياجات سوق العمل.
وأشار إلى أن تنظيم أوضاع العمالة غير الأردنية يمثل خطوة مهمة لتنظيم سوق العمل، لافتاً إلى أن بقاء أعداد واسعة من العمال خارج الإطار القانوني يخلق بيئة خصبة للاستغلال، ويضعف قدرة الدولة على الرقابة، ويحرم العمال من الحماية الأساسية، كما يوسع الاقتصاد غير المنظم ويضغط على شروط العمل والأجور، بما ينعكس أيضاً على العمال الأردنيين.
وأوضح أن نجاح القوننة لا يرتبط فقط بإصدار تصاريح العمل، وإنما بربطها بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتطبيق معايير العمل اللائق، وإدماج العمال في الضمان الاجتماعي، وضمان عدم استغلال وضعهم القانوني للانتقاص من حقوقهم.
وشدد على أن حماية العمال الأردنيين لا تتحقق عبر التضييق على العمال المهاجرين أو تحميلهم مسؤولية البطالة، إنما عبر تحسين الأجور وظروف العمل، وتطوير التدريب المهني، وتعزيز التفتيش ومكافحة العمل غير المنظم. وأكد أن حماية حقوق العمال الأردنيين وغير الأردنيين ليست معادلة صفرية، إذ إن حماية العامل المهاجر من الاستغلال تسهم في الوقت ذاته في حماية العامل الأردني من المنافسة غير العادلة القائمة على خفض الأجور وتجاوز القانون. ودعا إلى إدارة القرار بروح إصلاحية وإنسانية، بحيث يكون جزءاً من سياسة عمل شاملة توازن بين تنظيم سوق العمل وحماية حقوق جميع العمال وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.