أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    19-Mar-2026

صدمة مضيق هرمز النفطية.. تذكير بالتاريخ والجغرافيا*حسام عايش

 الدستور

تشكل تقلبات أسعار النفط، خصوصا عبر مضيق هرمز، أحد أخطر العوامل على الاقتصاد العالمي، والخطر يتفاقم عندما تتحول الى ما يعرف اقتصاديا بـ صدمة العرض، ففي هذه الحالة، لا يكون ارتفاع الاسعار نتيجة زيادة الطلب، بل نتيجة اضطراب مفاجئ في الإنتاج او الامدادات، ما يؤدي إلى ارتفاع الاسعار في الوقت الذي يتراجع فيه النشاط الاقتصادي، أي يكون تأثيرها واسع النطاق، لأن النفط يدخل في صميم معظم الانشطة الاقتصادية مع استهلاك عالمي يومي يقدر بنحو 106 مليون برميل منه.
 
ارتفاع الأسعار الناجم عن الصدمة لا يقتصر على زيادة تكلفة الوقود فحسب، بل يمتد ليؤثر في النقل باشكاله والصناعة والزراعة والبتروكيماويات، لأن أي اضطراب نفطي ينعكس سريعا على أسعار السلع والخدمات في مختلف الاقتصادات، ويتحول الى مادة اشتعال سريع للتضخم الذي ينتقل عبر مختلف قطاعات الاقتصاد محليا او من خلال الاستيراد والتصدير، ويعرف بـ"التضخم المدفوع بالتكاليف"، حيث تصبح الشركات مضطرة الى رفع اسعار منتجاتها لتعويض الارتفاع في تكاليف الطاقة والنقل، وهو ما يضغط على المستهلكين ويقلل القدرة الشرائية.
 
الأمر لا يتوقف هنا، فالصدمات النفطية بطبيعتها تمثل معضلة بالغة الصعوبة للبنوك المركزية وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي، ففي الظروف الطبيعية تستخدم البنوك المركزية أدوات السياسة النقدية مثل رفع أو خفض أسعار الفائدة للتحكم في التضخم أو دعم النمو عبر سياسات مخطط لها، لكن في حالة صدمة العرض النفطية تصبح الخيارات اكثر تعقيدا؛ اذ ان رفع اسعار الفائدة لمحاربة التضخم قد يؤدي الى ابطاء الاقتصاد بشكل اكبر، وخفضها لدعم النمو قد يؤدي الى تسارع التضخم.
لذلك تجد البنوك المركزية نفسها في موقف حساس بين هدفين متعارضين، استقرار الأسعار من جهة، والحفاظ على النشاط الاقتصادي من جهة أخرى خصوصا وانها خبرت الصدمات النفطية وتداعياتها الاقتصادية الخطيرة.
إذ إن مخاوفها –البنوك المركزية- من الصدمات النفطية لها جذورها التاريخية، فقد شهد العالم عدة صدمات أبرزها صدمة 1973، عندما خفضت الدول العربية إنتاج النفط، ما ادى الى ارتفاع الاسعار بشكل حاد، وتسبب في ركود اقتصادي في كثير من الدول الصناعية، وادخل لاول مرة تقريبا مصطلح الركود التضخمي الى القاموس الاقتصادي العالمي- حيث يجتمع التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة، وهي الحالة التي يسعى صانعو السياسات الاقتصادية دائما لتجنبها- وهو حالة لم يستطلع الاقتصاد الأميركي التخلص منها الا في ثمانينيات القرن الماضي خصوصا مع تزامنها والثورة الإيرانية في 1979، حيث تعطلت امدادات النفط من إيران، وادت الى التضخم والركود، ناهيك عن بداية الحرب الروسية الاوكرانية2022، التي شهدت صدمة نفطية عطلت سلاسل الامداد، وما زلنا ندفع ثمنها حتى الان. ما يعني انه إذا كان التاريخ قد قدم نماذج واضحة لهذه الصدمات، فإن الجغرافيا اليوم لا تزال تحمل عوامل الخطر ذاته مع صدمة هرمز.
 
تجارة النفط البحرية، تعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية، حيث مضيق هرمز من اهمها، اذ يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، و20% من الحاجة النفطية اليومية العالمية، ونحو ثلث الاسمدة العالمية من اليوريا والامونيا والكبريت والاسمدة الفوسفاتية، و20% من الغاز المسال، واي تاثير على حركة الملاحة فيه يؤدي إلى اضطراب فوري في اسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الامداد، ما يدفع الاسعار الى الارتفاع بسرعة في الاسواق العالمية.
ذلك ان التقديرات تذهب الى ان ارتفاع النفط 20 او 30 دولارا للبرميل يضيف بين 0.5 و0.8 نقطة مئوية الى التضخم العالمي خلال عدة اشهر، ويقتطع ما بين 0.3 و0.6 نقطة من النمو العالمي.
 
خطورة صدمة العرض، في أنها ترفع الأسعار بالتزامن مع تراجع الإنتاج، خلافا لارتفاع الاسعار الناتج عن الطلب الذي يعكس نشاطا اقتصاديا قويا. لذلك ليست المشكلة في ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل في مصدره؛ فعندما يأتي من صدمة العرض، فإنه يحمل في طياته تباطؤا اقتصاديا ركوديا بقدر ما يحمل تضخما متصاعدا.