المؤشرات الدولية.. تحسن في أداء الأردن رغم تحديات الإقليم
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
في وقت يواصل فيه الاقتصاد الوطني والمنظومة المؤسسية التعامل بكفاءة مع التحديات الإقليمية المحيطة، سجل الأردن منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية تموز (يوليو) سلسلة من الإنجازات تمثلت في تحسين ترتيبه ونتائجه في عدد من المؤشرات والتقارير الدولية المرموقة، بما يعكس تقدما في مسارات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاستدامة والتنافسية.
وأكد خبراء أن الأداء الإيجابي الذي حققه الأردن في هذه المؤشرات يعكس جدية برامج الإصلاح التي تنفذها الحكومة، ولا سيما المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، ومحاور الاستدامة، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الصورة الذهنية والاستثمارية للمملكة.
وأوضحوا، في تصريحات لـ"الغد"، أن هذا التحسن يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، وتحسين صورة الأردن لدى الصناديق الاستثمارية العالمية، ودعم جهود استقطاب الشركات الإقليمية والدولية لنقل أو توسيع أعمالها في المملكة، إلى جانب خفض علاوة المخاطر التي يأخذها المستثمر عند تقييم الفرص الاستثمارية محليا، وتعزيز فرص الحصول على تمويل بشروط أفضل من المؤسسات الدولية، فضلا عن رفع تنافسية الصادرات والخدمات الأردنية، خصوصا في القطاعات الرقمية والتكنولوجية.
ودعا الخبراء إلى البناء على هذه النتائج من خلال وضع أهداف كمية واضحة لكل مؤشر، وتسريع الإصلاحات التشريعية والتنظيمية لرفع سهولة ممارسة الأعمال، واستقطاب استثمارات أجنبية نوعية في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الاستثمار في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والابتكار.
أداء الأردن في المؤشرات الدولية 2026
وسجل الأردن خلال العام الحالي تقدما لافتا في عدد من المؤشرات الدولية المرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاستدامة، مع تحسن ملموس في ترتيبه ونتائجه مقارنة بالأعوام السابقة.
وأظهرت نتائج مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2025، الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" في 28 تموز (يوليو) الماضي، ارتفاع نتيجة الأردن إلى 71 % مقارنة بـ%63 في عام 2024، مسجلا تقدما بمقدار 8 نقاط مئوية، وهي أعلى نتيجة تحققها المملكة خلال السنوات الأربع الأخيرة.
كما أظهرت بيانات المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، الصادرة في 20 تموز (يوليو) الماضي، حلول الأردن في المرتبة 49 عالميا والثانية إقليميا في مؤشر الذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026، بنتيجة بلغت 40.46 نقطة من أصل 100، متقدما على متوسط منطقة الشرق الأوسط.
وفي مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لعام 2026، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات في 11 تموز (يوليو) الماضي، ارتفعت نتيجة الأردن إلى 87 نقطة مقارنة بـ84.7 نقطة في عام 2025، متجاوزا المتوسطين العربي والعالمي.
وعلى الصعيد البيئي، حقق الأردن في 9 تموز (يوليو) الماضي تقدما بمقدار 23 مرتبة في مؤشر الأداء البيئي العالمي لعام 2026 الصادر عن جامعة ييل، ليحل في المرتبة 54 عالميا من أصل 177 دولة، مقارنة بالمرتبة 77 في تقرير عام 2024.
كما جاء الأردن في المرتبة 66 عالميا والثامنة عربيا من بين 85 دولة شملها تصنيف "أفضل الدول لعام 2026" (Best Countries)، الصادر عن كلية وارتون في جامعة بنسيلفانيا بالتعاون مع مجموعة WPP BAV وشبكة U.S. News.
إلى ذلك، احتل الأردن المرتبة الأولى عالميا في استقرار الأسعار، وفقا لتقرير تحليلي موسع أصدره المنتدى الاقتصادي الأردني حول أداء المملكة في مؤشر التنافسية العالمي 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD).
الثقة الاستثمارية
وقال أستاذ الاقتصاد محمد الحدب إن تقدم الأردن في مؤشرات وتصنيفات دولية خلال عام 2026 يعكس تحسنا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الاستقرار النقدي والمالي، وإنما يمتد إلى التنافسية، والتحول الرقمي، والاستدامة البيئية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الحكومية، والصورة الدولية للمملكة.
وأوضح أن تزامن التحسن في هذه المجالات يمنح النتائج أهمية أكبر من التقدم في مؤشر واحد بصورة منفردة، لأنه يقدم للمستثمر صورة أشمل عن استقرار الاقتصاد وقدراته المؤسسية والتكنولوجية.
وأضاف أن التحول الرقمي يمثل ثاني أبرز مصادر القوة، إذ رفع الأردن نتيجته في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لعام 2026 إلى 87 نقطة، مقارنة مع 84.7 نقطة في عام 2025، بزيادة بلغت 2.3 نقطة، كما حل في المرتبة التاسعة عربيا ضمن مؤشر يغطي 159 اقتصادا، وهو ما يؤكد وجود بنية تحتية رقمية واتصالية قادرة على دعم التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والتعهيد والخدمات المصدرة عن بعد.
وأشار إلى أن مستوى نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والمحمولة ارتفع من 63 % في عام 2024 إلى 71 % في عام 2025، بزيادة بلغت 8 نقاط مئوية خلال عام واحد، ونمو نسبي يقارب 12.7 %. وقال إن انعكاس ذلك على بيئة الأعمال يتمثل في تقليص عدد المراجعات الحكومية، وتسريع إصدار الموافقات والتراخيص، وخفض كلفة الوقت والورق والتنقل، إلا أن الوصول إلى نسبة 71 % يعني أيضا أن هناك مساحة تبلغ 29 % لاستكمال التكامل الرقمي وربط الجهات الحكومية وتبسيط رحلة المستثمر.
وبين الحدب أن تقدم الأردن إلى المرتبة 49 عالميا والثانية إقليميا في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026، بدرجة بلغت 40.46 نقطة، ووضعه أمام 64 % من الدول والمناطق الـ135 المشمولة، يعزز فرص المملكة في جذب شركات التكنولوجيا ومراكز التعهيد وتطوير البرمجيات.
وأضاف أن الأردن جاء كذلك في المرتبة 20 عالميا والأولى إقليميا في محور العمل والمهارات، وفي المرتبة 34 عالميا والثانية إقليميا في استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمة العامة، وهو ما يعكس ميزة تنافسية يمكن تحويلها إلى صادرات رقمية ووظائف ذات إنتاجية مرتفعة.
وأشار إلى أن تحسن هذه المؤشرات يمكن أن ينعكس على بيئة الأعمال من خلال ثلاث قنوات رئيسية، تتمثل في خفض المخاطر المتصورة بفضل استقرار الأسعار، وتقليل كلفة المعاملات نتيجة التحول الرقمي، وتعزيز القدرة على جذب الاستثمارات التكنولوجية والخضراء، مبينا أن المستثمر لا ينظر إلى الإعفاءات وحدها، وإنما يقارن بين استقرار الأسعار، وكفاءة المؤسسات، وتوافر المهارات، وسهولة إنجاز المعاملات، والقدرة على الوصول إلى الأسواق والتمويل.
وأكد الحدب أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع أهداف كمية لكل مؤشر، مثل التقدم إلى ضمن أفضل 40 اقتصادا في التنافسية، ورفع نضج الخدمات الحكومية الرقمية إلى أكثر من 85 %، والدخول ضمن أفضل 40 دولة في الذكاء الاصطناعي المسؤول، والمحافظة على التقدم البيئي مع تحسين كفاءة المياه والطاقة، إضافة إلى ربط تقييم المسؤولين والبرامج الحكومية بمقدار التحسن في المؤشرات الفرعية، وليس بالترتيب العام فقط.
سلامة الحالة الاقتصادية
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي زيان زوانة أن الأداء الإيجابي الذي حققه الاقتصاد الوطني في أبرز المؤشرات الدولية يعد دليلا على سلامة الحالة الاقتصادية، وعلى التقدم في عملية الإصلاح والتحديث التي تتواصل بوتيرة مرتفعة خلال العامين الأخيرين.
وبين أن هذا التقدم يسهم في تعزيز جاذبية بيئة الأعمال وتحريك الدورة الاقتصادية والقطاعات المختلفة، خاصة إذا ما اقترن بالتحسن الكبير في الصادرات الأردنية، والدور المتنامي لقطاع الزراعة، إلى جانب الارتفاع الملحوظ في إنتاج القمح والشعير، بما ينسجم مع خطط تعزيز الأمن الغذائي.
ولفت إلى أن أهمية التحسن المحقق تنبع من كونه يأتي في ظل تحديات جيوسياسية وجيو اقتصادية معقدة يعيشها الأردن في محيطه، ما يجعل المحافظة على الأداء الإيجابي وتحقيق هذا التقدم نجاحا لافتا.
وأشار زوانة إلى أن الاقتصاد الوطني يمتلك المقومات اللازمة لمواصلة التحسن، مؤكدا أهمية أن تنعكس هذه المؤشرات خلال المرحلة المقبلة على تحسين مستوى معيشة المواطنين، ورفع الأجور، وتطوير جودة الخدمات العامة.
انعكاس الإصلاحات الاقتصادية
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة إن تحسن ترتيب الأردن في عدد من المؤشرات الدولية لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنجازا في التصنيفات فقط، وإنما باعتباره مؤشرا على أن الإصلاحات الاقتصادية والإدارية بدأت تنعكس تدريجيا على تقييم المؤسسات الدولية لبيئة الاقتصاد الأردني.
وأوضح أن دلالات هذا التقدم تتمثل في نجاح السياسة النقدية في الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة، وهو عنصر أساسي في تعزيز الثقة بالاقتصاد وتقليل مخاطر الاستثمار، إلى جانب التحسن التدريجي في كفاءة المؤسسات وبيئة الأعمال والإنتاجية، بما يعكس اقتصادا أكثر كفاءة وقدرة على خفض الوقت والكلفة أمام المستثمرين والشركات.
وفيما يتعلق بالتقدم في مؤشرات الذكاء الاصطناعي والقدرات التكنولوجية، أكد المخامرة أنه يعكس امتلاك الأردن قاعدة بشرية مؤهلة يمكن البناء عليها لاستقطاب شركات التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
وأضاف أن تحسن الأداء في المؤشرات يرفع ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، ويحسن صورة الأردن لدى الصناديق الاستثمارية العالمية، ويدعم جهود استقطاب الشركات الإقليمية والدولية لنقل أو توسيع أعمالها في المملكة، إلى جانب خفض علاوة المخاطر، وتعزيز فرص الحصول على تمويل بشروط أفضل من المؤسسات الدولية، ورفع تنافسية الصادرات والخدمات الأردنية، ولا سيما في القطاعات الرقمية والتكنولوجية.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد تحسين ترتيب الأردن في المؤشرات إلى تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، عبر تسريع الإصلاحات التشريعية والتنظيمية لرفع سهولة ممارسة الأعمال، واستقطاب استثمارات أجنبية نوعية في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تنفيذ المشاريع الكبرى، والاستثمار في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والابتكار.
وأضاف أن ذلك يتطلب أيضا رفع كفاءة الفصل في النزاعات التجارية، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وربط الجامعات باحتياجات القطاع الصناعي، إلى جانب الترويج الدولي لهذه الإنجازات ضمن إستراتيجية وطنية للتسويق الاستثماري تستهدف المستثمرين العالميين وصناديق الاستثمار.