أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    03-May-2026

الجغرافيا.. كيف تسعر الاقتصاد*حسام عايش

 الدستور

استشراف الازمات الاقتصادية، لا يعتمد على قراءة النتائج فقط، بل على قراءة الكلف والاسعار بوصفها مؤشرا متقدما للخطر، ومن ذلك التسعير في اسواق الطاقة والسلع، الذي لم يعد انعكاسا مباشرا للعرض والطلب، بل لتوقعات عدم اليقين.
 
هنا، يبرز مضيق هرمز، كاحد اهم محددات التسعير الاقتصادي اليوم، اذ ورغم مرور نحو 35 % من تجارة النفط  البحرية عبره، فانه لم يعد ينظر اليه كممر عبور للطاقة فقط، بل كنقطة اختناق تتحكم بإيقاع الاسواق العالمية جميعها، ومع استمرار اغلاقه، فان الاسواق لا تسعر اثر  تعطل الامدادات بل واحتمالات بقاء التعطل، ما يجعل البيانات الصادرة عن البنك الدولي، بشان تداعيات الاغلاق، اقرب الى جرس انذار مبكر لازمة اقتصادية عالمية محتملة .
 
 اذ تذهب تقديرات البنك الدولي-وبناء على دور هرمز التسعيري-لتوقع ارتفاع اسعار الطاقة 24 %، والسلع الاولية 16%، ما يعني ان الصدمة الحالية ليست امتدادا لدورة اقتصادية طبيعية بل نتاج هيمنة توفرها الجغرافيا، حيث توقعات ارتفاع الاسعار لم تعد تعكس الكميات المتاحة فقط بل احتمالات فقدانها.
 
اثر تسعير هرمز، ينتقل عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنفط ولا تنتهي عند الغذاء، حيث يؤدي ارتفاع النفط 10% إلى زيادة اسعار الغاز بنحو7 % والاسمدة باكثر من 5%، مما يرفع تكاليف الانتاج الزراعي، ويؤدي الى انتقال الصدمة الى اسعار الغذا،ء ويدفع لتشكل موجة تضخمية متعددة المستويات تنطلق من الطاقة؛ وتمتد الى مختلف القطاعات.
 
 اي ان هرمز لا يسعر فقط النفط والغذاء بل والاستثمار ايضا، الذي يعاد توزيعه على اساس درجة التعرض لهذه النقطة الجغرافية، فكلما ارتفع الخطر في هذا الممر، زادت علاوة المخاطر في كل الاسواق، من السلع إلى الخدمات الى السندات الى الاسهم الى الملاذات باشكالها.
 
هذا التسعير المرجح بمخاطر المضيق، سيكون اكثر تاثيرا على الاقتصادات النامية والناشئة مع توقع تباطؤ النمو الى 3.6 %،  وارتفاع التضخم الى نحو 5 % واحتمال وصوله إلى 5.8 % في حال استمر الاغلاق، ما يعكس بداية تشكل بيئة اقتصادية تجمع بين ارتفاع التكاليف وضعف النشاط، اي ضغط مزدوج  قريب بملامحه من بيئة ركود تضخمي،  حيث التحدي لا يكون في ارتفاع الاسعار فقط، بل في تغير آلية تسعير الاقتصاد نفسه الذي اصبح اكثر حساسية للممرات الجيوسياسية.
 
هنا، وعند اسقاط هذه القراءة، على الاقتصاد الاردني، تظهر صورة اكثر دقة لما يمكن وصفه باقتصاد مستقر لكنه تحت الضغط.
 
 اذ بحسب المراجعة الخامسة لصندوق النقد الدولي لبرنامج التسهيل الممدد، والثانية لبرنامج الصلابة والاستدامة، فان النمو المتوقع في العام 2026 سيبلغ 2.7 % من توقعات سابقة عند 2.9 %، ما يعكس تباطؤا محدودا وليس انكماشا، في حين ان ارتفاع التضخم إلى2.3 %  من 1.87% في العام 2025 يظل ضمن السيطرة لكنه يعكس ضغوطا مستوردة من الطاقة والغذاء.  في حين ستظل نقطة الضعف الهيكلية عجز الحساب الجاري عند 6.9 %، خصوصا مع تراجع السياحة وارتفاع كلفة الطاقة والشحن.
 
هذه المؤشرات، تؤكد ان الاردن لا يواجه ازمة داخلية، بل يتأثر مباشرة بآلية تسعير خارجية تقودها الطاقة والمخاطر الجيوسياسية للمضائق، خصوصا وان اقتصاده يعتمد على عناصر حساسة مثل السياحة والتحويلات والاستقرار الإقليمي، ما يجعله معرضا لضغط الخارج، وان كان اكثر مرونة في استيعاب الصدمات القصيرة في الداخل.
 
مرونة الاستيعاب هذه، تجلت، بتأمين الطاقة، والحفاظ على سلاسل التوريد، ودعم السيولة والاسواق، ما عكس ادارة واعية للمخاطر اكثر من كونها محاولة لتحقيق نمو سريع، وهو ما اكدت عليه المراجعات الايجابية للبرامج المتفق عليها مع صندوق النقد، باعتبارها لا تمثل تمويلا فقط، بل مظلة دعم دولية تساهم في استقرار التوقعات، وتخفيف كلفة المخاطر.
 
اظهرت حرب ايران الثانية، ان الاقتصاد العالمي لم يعد يدار بمنطق تسعير قائم على الانتاج والاستهلاك فقط، بل بمنطق المخاطر الناجمة عن الجغرافيا، وان قدرة الدول على التكيف لم تعد تقاس بقوة اقتصادها فحسب، بل بمدى جاهزيتها للتحوط من تقلبات هذا النوع من تسعير المخاطر الذي يعد هرمز احد اهم مكرسيه .