المخاطر الرقمية.. كيف ننتقل من حماية الأطفال إلى تطوير المهارات؟
إبراهيم المبيضين
في ظل سيطرة غير مسبوقة فرضها العالم الرقمي على كثير من تفاصيل حياة الأطفال تحديدًا، يؤكد خبراء أن التعامل مع هذه الفئة من المجتمع يجب ألا يكون من مبدأ حمايتهم من المخاطر الرقمية فحسب، بل يجب أن يتحول الأمر إلى الاستثمار في إمكاناتهم لتنشئة جيل أكثر ابتكارًا.
ويرى خبراء أن تأمين عبور الأطفال في هذا العالم الرقمي المتضارب يمثل حجر الزاوية لتحويله من “مستهلك رقمي” أو شخص مستهدف، إلى “منتج رقمي” يمتلك زمام المبادرة والابتكار في سوق عمل لا يعترف إلا بالمهارة.
ويُشير هؤلاء إلى أن الاستثمار في الأمن الرقمي للطفل هو في جوهره صيانة لـ “رأس المال البشري”؛ فالحماية تضمن نمو الطفل في بيئة محصنة من التهديدات التي قد تعيق تطوره النفسي أو المهني، وكلما نجح الأهل في بناء وعي الطفل التكنولوجي، ارتفعت أسهمه في أن يكون “محركًا” لاقتصاد المستقبل، لا مجرد “ترس” في ماكينة الاستهلاك العالمي.
ويشير الخبراء إلى نقطة مفصلية تتعلق بتنشئة جيل مبدع رقميًّا وأقل عرضة للمخاطر الرقْمية، إذ يؤكدون أن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة فقط بل تتوزع بين الأسرة والمدرسة والشركات التقنية من جهة والدولة التي يجب أن تؤدي دورًا أساسيًا لمساعدة الجميع من جهة أخرى.
الخبير في تخصص الأعمال الإلكترونية الأستاذ د. أحمد غندور يرى أن حماية أطفالنا على منصات التواصل والألعاب ليست مجرد “درع دفاعي”، بل هي “استثمار اقتصادي” طويل الأمد.
وقال غندور: “العالم يتجه بسرعة فائقة نحو “الاقتصاد الرقمي”، حيث لم تعد الوظائف التقليدية هي الملاذ الوحيد، ويشير إلى أن الأطفال الذين يتعلمون كيفية التعامل مع البيئة الرقمية بطريقة “صحيحة وآمنة” يكتسبون مهارات التعلم الذاتي والتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وهي الركائز التي يعتمد عليها سوق العمل المستقبلي وفقاً لتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي”.
وضرب غندور مثلاً عن إمكانية تطوير الألعاب الرقمية لمهارات العمل الجماعي والتواصل والتفكير الاستراتيجي وإدارة الوقت، فيما إن كثيراً من الجامعات والشركات اليوم تنظر إلى هذه المهارات باعتبارها مهارات عمل حقيقية، والمشكلة ليست في الألعاب نفسها إنما هي بغياب التوجيه.
وأضاف، “السؤال هنا: هل نمنع الأطفال من هذه المنصات أم نتركهم فيها بلا قيود، وكيف نحول هذه المساحات من بيئة استهلاك إلى بيئة تعلم؟”.
وقال غندور: “هنا تأتي فكرة الحماية الذكية، الحماية لا تعني فقط الحجب أو المنع، الحماية تعني تعليم الطفل كيف يتصرف في البيئة الرقمية، كيف يميز بين الرابط الحقيقي والمزيف، وكيف يحمي بياناته، وكيف يتعامل مع الغرباء، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، هذه مهارات حياة رقمية وليست مجرد نصائح.”
وأشار غندور إلى أن التقارير الدولية تشير إلى أن الأطفال الذين يحصلون على تدريب مبكر في المهارات الرقمية تكون فرصهم أفضل في التعليم والعمل لاحقًا، فمنظمة اليونيسف ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكدان أن الجمع بين الحماية والتمكين هو النهج الأكثر فاعلية والطفل يجب أن يكون محميًا وممكنا في الوقت نفسه.
وقال غندور: “حماية القاصرين في الفضاء الرقمي لم تعد خياراً ثانوياً، بل هي ضرورة حتمية تتطلب تكاتفاً بين أربعة أطراف رئيسة: الأسرة التي ترسم عادات الاستخدام، المدرسة التي يجب أن تدمج التربية الرقمية في مناهجها، الدولة بصفتها المشرّع والمنظم للمنصات، والشركات التقنية المطالبة بتصميم بيئات أكثر أماناً “بالتصميم”.
وطرح د. غندور رؤية مبتكرة لتنظيم هذا التفاعل من خلال مفهوم “الرخصة الدولية للقيادة الرقمية”. وأوضح قائلاً: “كما لا نسمح بقيادة السيارة دون تدريب وفحص لقواعد الطريق، لا ينبغي دخول الفضاء الرقمي دون فهم مخاطره وقواعده”. مشيراً إلى أن هذا النموذج يركز على “السلوك الرقمي” ومحو الأمية التقنية كخطوة أولى لبناء مجتمع واثق ومسؤول.
وشدد غندور على أن حماية الأطفال رقمياً هي قرار إستراتيجي واقتصادي بامتياز، فالساعات المهدرة في استهلاك محتوى غير منضبط لا تضر التربية فحسب، بل تُضعف قدرة الجيل القادم على التركيز والابتكار، مما يؤدي لنشوء قوة عاملة أقل مهارة وأكثر عرضة للاستهلاك اللحظي.
وقال إن السؤال الجوهري اليوم ليس فقط “كيف نحمي أبناءنا؟”، بل “كيف نُمكّنهم من تحويل العالم الرقمي إلى منصة للنجاح والنمو الاقتصادي المستدام؟”.
وأكد المؤسس لشركة “ميس الورد”- المتخصصة في ألعاب الموبتايل- نور خريس “أن حماية الأطفال رقميًا ليست قضيّة أخلاقية أو تربوية منفصلة عن حسابات الاقتصاد؛ هي قرار إستراتيجي يؤثر مباشرة على قدرة مجتمعنا على الإنتاج والابتكار”.
وقال: “عندما يمضي الأطفال ساعات طويلة في استهلاك محتوى ترفيهي سريع وغير منضبط، نفقد ليس فقط وقتاً تعليمياً ثميناً بل أيضاً سنبني قوة عاملة أقل تركيزاً، أقل مهارة، وأكثر عرضة للاستهلاك اللحظي، وهذا المسار يرفع تكاليف الرعاية الصحية والنفسية، يقلل من فرص التخصّص في مجالات ذات قيمة مضافة عالية، ويغذي ثقافة السّطحية والشهرة على حساب ثقافة الإنتاج والمعرفة”.
بالمقابل، يرى خريس أن استثمارنا في تعليم المواطنة الرقمية، وتصنيف المحتوى، وتطوير ألعاب وتعليم رقمي ملائم ثقافياً ولغوياً يمكن أن يحوّل المستهلكين الصغار إلى منتجين رقميين قادرين على توليد دخل وتنويع الاقتصاد المحلي. لذا، حماية الطفل الرقمي وتعليم الاستخدام الواعي للتكنولوجيا ليسا رفاهية، بل هما شرط مسبق لاقتصاد قوي ومستدام.
وأوضح خريس أن القفزات الهائلة في نسب انتشار الإنترنت واستخدام الهواتف الذكية في الأردن والمنطقة العربية قد حوّلت المنصات الرقمية من “أدوات ترفيهية” إلى “محرّكات أساسية” تشكل حياة الشباب والأطفال اليومية.
وأشار خريس إلى أن الأرقام تعكس واقعاً رقمياً مكثفاً؛ إذ يمثل الشباب الكتلة الأكبر من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والألعاب الرقمية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في “ساعات الاستهلاك”، إذ يقضي اليافعون فترات تتراوح ما بين ساعات قليلة وقد تتجاوز 10 ساعات يومياً في بعض الحالات، وغالباً ما يتم ذلك في غياب التوجيه المنهجي أو الرقابة الأسرية الواعية.
ويرى خريس أن الخطورة لا تكمن فقط في “كمية” الوقت المستقطع أمام الشاشات، بل في “نوعية” المحتوى المستهلك، فالمحتوى الرقمي اليوم أصبح عاملاً اقتصادياً مؤثراً يمتد أثره ليشمل جودة التعليم، الصحة النفسية والبدنية، وحتى مهارات سوق العمل والاستقرار المجتمعي.
وشدد على أن تحويل هذا الاستهلاك الكثيف إلى فرصة يتطلب إستراتيجيات تعزز من المحتوى الهادف وتنمي مهارات “الاستهلاك الذكي” لدى الأجيال الناشئة، لضمان ألا يكونوا مجرد متلقين، بل مساهمين فاعلين في الاقتصاد الرقمي.
وبين خريس أن ضريبة الإفراط في استخدام الإنترنت والألعاب الرقمية لا تتوقف عند حدود “هدر الوقت”، بل تمتد لتتحول إلى كلفة اقتصادية باهظة ترهق الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وإن غياب الرقابة على المحتوى وساعات الاستهلاك لدى الشباب بات يفرز تحديات صحية ونفسية تضرب في صلب القوى الإنتاجية المستقبلية.
وقال: “تؤكد المؤشرات أن كثافة الاستخدام ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة اضطرابات النوم والقلق والاكتئاب، هذا التراجع النفسي يلقي بظلاله مباشرة على التحصيل الدراسي، مما يعني ضعفاً في كفاءة الخريجين وتضاؤل فرص وصولهم إلى تخصصات ووظائف ذات دخل مرتفع، الأمر الذي يحرم الاقتصاد الوطني من كفاءات بشرية عالية القيمة”.
وأشار إلى أنه على الصعيد الجسدي، تسبب “حياة الشاشات” ومشكلات السمنة، ضعف النظر، وقلة الحركة ضغطاً متزايداً على أنظمة الرعاية الصحية. هذه الأعباء طويلة الأمد تزيد من الإنفاق الحكومي والأسري على العلاج، وتخفض من القدرة التنافسية للأفراد في سوق العمل.
وبين أن الاستهلاك غير المنضبط للمحتوى الرقمي اليوم، هو في الحقيقة استنزاف لرأس المال البشري، مما يتطلب وقفة جادة لتحويل هذا المحتوى من عبء مرضي إلى أداة بناء وتنمية.
وقال الخبير في مجال التقنية والإتصالات وصفي الصفدي “إن الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل مجرد أدوات للترفيه، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي يتشكل فيها وعي الأجيال الجديدة ومهاراتهم”، لافتا إلى أنه في السنوات الأخيرة ظهرت نماذج عديدة من الألعاب والمنصات الرقمية التي تحمل تأثيرات نفسية وسلوكية متفاوتة، بعضها يركز على الترفيه البسيط، وبعضها الآخر يعتمد على آليات جذب قد تدفع المستخدمين، خصوصاً الأطفال والمراهقين، إلى قضاء ساعات طويلة دون قيمة معرفية حقيقية وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمجتمع في فهم طبيعة هذه البيئة الرقمية، لأن الاستخدام غير المنظم للألعاب قد يتحول من نشاط ترفيهي إلى نمط سلوكي يؤثر على التحصيل الدراسي والتركيز والمهارات المعرفية.
وأضاف الصفدي، “لكن النقاش حول تنظيم الألعاب أو تقييد الوصول إلى بعض المنصات لا يجب أن يُفهم على أنه مواجهة مع التكنولوجيا، فالتكنولوجيا أصبحت جزءاً من الاقتصاد العالمي ومن مستقبل سوق العمل والتحدي الحقيقي هو كيفية تحويل علاقة الأطفال مع العالم الرقمي من علاقة استهلاك إلى علاقة إنتاج ومعرفة”.
وبين الصفدي أنه عندما يقضي الطفل معظم وقته في ألعاب مصممة على أساس التحفيز المستمر دون تطوير مهارات حقيقية، فإنه يفقد فرصة استثمار هذا الوقت في تعلم مهارات رقمية أكثر قيمة مثل التفكير المنطقي أو الإبداع الرقمي أو حتى أساسيات البرمجة. وفي المقابل، عندما يتم توجيه استخدام التكنولوجيا بشكل متوازن ومدروس، يمكن أن تتحول البيئة الرقمية إلى مساحة للتعلم والتجربة والابتكار.
وأشار إلى أنه من هنا يصبح تنظيم استخدام الألعاب والمنصات الرقمية جزءاً من سياسة أوسع تتعلق ببناء رأس المال البشري. فالدول التي نجحت في بناء اقتصاد رقمي قوي لم تفعل ذلك فقط عبر الاستثمار في التكنولوجيا، بل عبر الاستثمار في تعليم الأجيال الجديدة كيفية استخدام هذه التكنولوجيا بوعي وإبداع.
وقال: “هذا يعني أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لا تقتصر على منع المحتوى الضار أو التحديات الخطرة، بل تشمل أيضاً بناء ثقافة رقمية لدى الأطفال تساعدهم على فهم التكنولوجيا واستخدامها بشكل إيجابي، فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر كيف يوظف التكنولوجيا في التعلم والابتكار سيكون أكثر قدرة في المستقبل على المشاركة في الاقتصاد الرقمي، سواء كمطور برمجيات أو رائد أعمال أو مبتكر في مجالات التكنولوجيا”.
وأضاف الصفدي، “وفي هذا السياق يصبح دور الأسرة محورياً، ليس فقط في مراقبة ما يلعبه الأطفال، بل في مرافقتهم في رحلتهم الرقمية. كما تؤدي المدارس دوراً مهماً في إدخال مهارات الثقافة الرقمية ضمن العملية التعليمية، بحيث لا يكون استخدام التكنولوجيا مجرد استهلاك للمحتوى، بل وسيلة لبناء مهارات التفكير والتحليل”.
في المقابل أشار الصفدي إلى أن الشركات التقنية ومنصات الألعاب تتحمل مسؤولية أخلاقية متزايدة في تصميم تجارب رقمية أكثر أماناً وشفافية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمستخدمين الصغار، كما أن الحكومات مطالبة بتطوير سياسات تنظيمية تحمي المستخدمين وتدعم في الوقت نفسه الابتكار الرقمي.
وقال الصفدي: “كلما نجحنا في حماية أبنائنا من المخاطر الرقمية وبناء وعيهم التكنولوجي، زادت فرصهم في أن يكونوا جزءاً من اقتصاد المستقبل لا مجرد مستهلكين له، هذه هي المعادلة التي يجب أن نعمل عليها: بيئة رقمية أكثر أماناً، وجيل أكثر قدرة على تحويل التكنولوجيا إلى فرصة للنمو والابتكار”.