أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    19-Mar-2026

"البالة".. خيار اضطراري قبيل العيد

 الغد-عبد الرحمن الخوالدة

 بين أكوام القمصان المبعثرة على بسطات الملابس المستعملة، تقف أم أحمد تتفحص بعناية بحثا عن قمصان بمقاس صغير لتجد لبسة العيد لطفلها.
 
 
وعلى غير العادة، لم تكن هذه وجهة أم أحمد المعتادة لشراء ملابس العيد، فهي لم تشتر سابقا من أسواق البالة، إذ تقول: "ارتفاع الأسعار وضيق الحال هذا العام دفعاني إلى سوق "البالة" حيث يمكن تأمين ملابس مقبولة بأقل التكاليف حتى لا يمر العيد دون فرحة جديدة للأطفال".
 وبطبيعة الحال، هذا المشهد لم يعد استثناء في مواسم الأعياد، إذ تتجه أعداد متزايدة من الأسر إلى أسواق الملابس المستعملة، في ظل ضغوط اقتصادية متواصلة وتراجع القدرة الشرائية عموما.
 وتحولت "البالة" إلى خيار واقعي للكثيرين في ظل ارتفاع أسعار الملابس الجديدة مقارنة بدخل كثير من العائلات، ما يعكس تغيرا في أنماط الاستهلاك ومحاولات الأسر التكيف مع كلفة المعيشة المتزايدة، مع الحفاظ قدر الإمكان على طقوس العيد وبهجته للأطفال.
معدل إنفاق الأردنيين على الألبسة
وبحسب أحدث البيانات الإحصائية المتخصصة الصادرة عام 2023، يبلغ متوسط إنفاق الفرد في الأردن سنويا على الألبسة والأحذية نحو 109 دنانير، وفق دراسة أعدتها نقابة تجار الألبسة والأحذية والأقمشة.
وأظهرت الدراسة أن قيمة مستوردات الألبسة إلى الأردن تقدر بنحو 260 مليون دينار سنويا.
فيما يقدر حجم سوق الألبسة المستعملة "البالة" بما يقارب 14 % من إجمالي مستوردات الألبسة.
ويشار إلى أن المستوى التراكمي لمعدل التضخم خلال أول شهرين من 2026 سجل زيادة بنسبة 1.11 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي وفقا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة.
تأقلم الأسر مع سوق الألبسة المستعملة 
وتقول رجاء أحمد، وهي أم لستة أطفال، "إن شراء ملابس العيد من الأسواق التقليدية لم يعد خيارا ممكنا لعائلتي، وقد تصل كلفة اللباس الواحد إلى نحو 30 دينارا، ما يعني أن تجهيز أطفالها جميعا يحتاج إلى مبلغ يتجاوز ثلث راتب زوجها".
وتضيف وهي تقلب بعض القطع في أحد أسواق الملابس المستعملة "البالة": "لهيك صرنا نجي هون، اللبسة ممكن تكلف ما يقارب 10 دنانير فقط"، مشيرة إلى أن هذا الفارق في السعر يجعل من السوق المستعمل الخيار الوحيد تقريبا لتأمين ملابس العيد لأطفالها.
وتوضح أنها تحرص رغم ذلك على شراء ملابس جديدة من المحال الجاهزة لابنتها، بينما تعتمد على "البالة" لتجهيز بقية أطفالها.
أما الأربعيني محمود نايف فيقول: "لم أعد أجد خيارا آخر لتمكين أطفالي من فرحة العيد سوى التوجه إلى محال بيع الملابس المستعملة".
ويبيّن أن محدودية راتبه الشهري، إلى جانب الالتزامات الأساسية من أجرة منزل وفواتير الكهرباء والمياه والمصروف العائلي، تجعل شراء الملابس من الأسواق التقليدية أمرا يفوق قدرته.
ويضيف نايف أن أسواق "البالة" أصبحت خلال العامين الماضيين الوجهة الرئيسة لمشترياته العائلية من الملابس، مشيرا إلى أن كلفتها تقل بأكثر من 70 % مقارنة بالأسواق التقليدية.
ويلفت إلى أن هذه الأسواق باتت توفر في كثير من الأحيان خيارات جيدة من الملابس، خلافا للصورة النمطية التي كانت مرتبطة بها في السابق.
اتساع الضغوط الاقتصادية 
وفي تحليل أوسع، قال المختص في الاقتصاد السلوكي والاجتماعي حسام عايش "إن توجه بعض الأسر الأردنية لشراء ملابس العيد من الأسواق المستعملة لا يقتصر على كونه خيارا استهلاكيا عابرا، إنما يعكس جملة من المتغيرات الاقتصادية التي أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين خلال السنوات الأخيرة".
وأوضح عايش أن هذا التحول يرتبط أساسا بتراجع الدخل الحقيقي مقاسا بالقوة الشرائية، في ظل ارتفاع كلف المعيشة التي تشمل الإيجارات والمواد الغذائية والوقود والتعليم والصحة والنقل والاتصالات، إلى جانب الأعباء المالية المرتبطة بالقروض المصرفية.
وأشار إلى أن هذه العوامل مجتمعة تستنزف موازنات الأسر، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل أقل كلفة لتلبية احتياجات موسمية مثل ملابس العيد.
وأكد عايش أن هذا التوجه يأتي أيضا في ظل ركود الأجور أو زيادتها بوتيرة بطيئة لا تواكب الارتفاعات المتسارعة في الأسعار، ما يعني أن الزيادات المحدودة في الرواتب لا تغطي الارتفاع الأفقي والعمودي في كلف المعيشة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر.
وفي المقابل لفت عايش إلى أن قطاع الملابس الجديدة يعاني بدوره من حالة ركود، إذ تعزى أحيانا هذه الحالة إلى المنافسة مع الطرود البريدية والتجارة الإلكترونية، غير أن السبب الأعمق، بحسب تقديره، يتمثل في أن أسعار الملابس الجديدة باتت تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين على شرائها، نتيجة ما تتحمله من رسوم وضرائب وكلف إضافية تنعكس على السعر النهائي للمستهلك.
وأضاف عايش أن التوجه نحو الملابس المستعملة يعكس كذلك تغيرا في أولويات الإنفاق لدى الأسرة الأردنية، حيث يجري التركيز على النفقات الأساسية مثل الغذاء والفواتير والتعليم، مع تقليل الإنفاق على الكماليات أو المشتريات الموسمية.
 كما أن حالة عدم اليقين الاقتصادي المرتبطة بالتطورات الإقليمية تدفع كثيرا من الأسر إلى الاحتفاظ بسيولة مالية كنوع من التحوط، بدلا من توجيهها إلى إنفاق إضافي في مواسم مثل العيد.
ويرى عايش أن انتشار أسواق الملابس المستعملة يمكن النظر إليه بوصفه نوعا من صمام الأمان الاقتصادي والاجتماعي الذي يتيح للأسر التكيف مع الضغوط المعيشية، لكنه في الوقت نفسه يعكس اتساع دائرة الضغط الاقتصادي وتآكل الطبقة الوسطى.
وشدد عايش على أن هذه التحولات في السلوك الاستهلاكي تمثل مؤشرا يستدعي الانتباه، إذ تعكس تراجع القدرة الإنفاقية للأسر وتغير أولوياتها، ما يعني أن معالجة الظاهرة لا تكمن في إجراءات جزئية، بل في معالجة جذور المشكلة المرتبطة بمعدلات الدخل والنمو الاقتصادي والبطالة، وكلف الإنتاج والضرائب التي تنعكس في النهاية على أسعار السلع في السوق.