أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    20-Apr-2026

كيف تقود "تقنيات المصدر المفتوح" ثورة التحول الرقمي في الأردن؟

 الغد-إبراهيم المبيضين

 في وقت يعاد فيه رسم ميزان القوة العالمي على أساس امتلاك التكنولوجيا لا استهلاكها، تبرز التقنيات مفتوحة المصدر كركيزة أساسية لا تكتفي بتشغيل البنية التحتية للإنترنت الحديث، بل تمتد لتعيد تعريف مفهوم الاستقلال التقني والاقتصادي. وبحسب خبراء في الشأن التقني، لم تعد هذه البرمجيات مجرد أدوات مجانية، بل تحولت إلى فلسفة إنتاج تشاركية ونموذج عالمي يعزز الابتكار الجماعي ويكسر احتكار المعرفة الرقمية.
 
 
 
وتقوم البرمجيات مفتوحة المصدر في جوهرها على إتاحة الشيفرة المصدرية (Source Code) للعامة، بما يسمح للمطورين بالاطلاع عليها وتعديلها وإعادة توزيعها ضمن أطر قانونية محددة، على عكس البرمجيات المغلقة التي تفرض قيوداً تقنية وقانونية تحد من استخدامها وتطويرها. وبهذا المعنى، يتحول الكود البرمجي إلى ملكية معرفية مشتركة، ما يفتح المجال أمام تطوير مستمر وغير محدود.
رؤية وطنية: "إنتاج" تطرح خريطة طريق للاقتصاد الرقمي
في هذا السياق، أطلقت جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات "إنتاج"، بالشراكة مع الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، ورقة موقف بعنوان: "تقنيات مفتوحة المصدر: ضرورة استراتيجية لمستقبل الأردن الرقمي". وأشارت الورقة إلى أن الحكومة الأردنية اتخذت خطوات مهمة نحو تبني هذه التقنيات، من خلال إدراجها ضمن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، واعتماد معايير مفتوحة، إلى جانب نجاح منصة "سند" الحكومية التي بُنيت بالكامل باستخدام مكونات مفتوحة المصدر، ما يعكس كفاءة هذا النموذج في تقديم خدمات رقمية حديثة تتمحور حول المواطن.
وأكدت الورقة أن الأردن يمتلك مقومات الريادة في هذا المجال، بفضل القاعدة الشبابية المؤهلة وبيئة الشركات الناشئة التي تعتمد بالفعل على هذه التقنيات، معتبرة أن تبني المصادر المفتوحة لم يعد خياراً تقنياً، بل مساراً سيادياً يعزز الاستدامة الرقمية ويدعم بناء منظومة تقنية مستقلة.
كما دعت إلى إنشاء صندوق للتكنولوجيا السيادية، وإطلاق برامج وطنية لدعم تحول الشركات نحو الحلول المفتوحة، وتعزيز الشراكات الدولية، ودمج مفاهيم المصدر المفتوح في المناهج التعليمية، إلى جانب تطوير برامج تدريب متخصصة لسد الفجوات المهارية.
أرقام السوق العالمي: فرص اقتصادية واعدة
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لجمعية "إنتاج"، المهندس نضال البيطار، إن السوق العالمي للبرمجيات مفتوحة المصدر بلغ نحو 48.54 مليار دولار في العام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 85.6 مليار دولار بحلول العام 2029، ما يعكس تسارع الطلب العالمي على هذا النموذج.
وأضاف أن القيمة الاقتصادية الإجمالية لهذه التقنيات تقدر بنحو 8.8 تريليون دولار، مشيراً إلى أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب بناء منظومة وطنية قائمة على الابتكار والشراكة، مؤكداً أن الأردن يمتلك القدرة على التحول إلى مركز إقليمي فاعل في هذا المجال.
البطش: المصادر المفتوحة رافعة لإعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي
بدوره، أكد الخبير في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش أن ورقة الموقف تعكس تحولاً نوعياً في فهم دور تقنيات المصادر المفتوحة، حيث لم تعد تعامل كخيار منخفض الكلفة، بل كرافعة استراتيجية لإعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي وتعزيز السيادة التقنية.
وأوضح البطش أن الأدلة العالمية تشير إلى أن هذه التقنيات أصبحت البنية التحتية غير المرئية للابتكار الرقمي، لافتاً إلى أن قيمتها الاقتصادية تقدر بنحو 8.8 تريليون دولار وفق دراسة لمدرسة هارفارد للأعمال (2024)، فيما يتوقع أن ينمو السوق من 48.54 مليار دولار في 2025 إلى 85.6 مليار دولار في 2029. وأكد أن الدول التي تتبنى هذا النموذج لا تكتفي بخفض التكاليف، بل تعيد توزيع القيمة الاقتصادية داخلياً من خلال دعم الشركات الناشئة وتعزيز الابتكار.
وأضاف أن توجه الأردن نحو دمج هذه التقنيات في استراتيجياته الرقمية، كما يظهر في تجربة منصة "سند"، يكتسب أهمية خاصة، كونه يربط بين التحول الرقمي الحكومي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة قادر على توليد فرص عمل نوعية.
وأشار البطش إلى أن التوصيات المطروحة، مثل إنشاء مكتب وطني للمصادر المفتوحة (OSPO)، وتبني سياسات شراء حكومي داعمة، وتطوير بنى سحابية تعزز سيادة البيانات، تمثل انتقالاً نحو الحوكمة المؤسسية لهذا القطاع. واستشهد بتجارب دولية، منها بيانات المفوضية الأوروبية التي تشير إلى أن كل استثمار بقيمة مليار يورو في المصادر المفتوحة يمكن أن يولد أثراً اقتصادياً يصل إلى 95 مليار يورو، مع إمكانية رفع الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 0.6% سنوياً.
وأكد أن التحدي في الأردن لا يكمن في تبني التكنولوجيا، بل في بناء القدرات المؤسسية، وتأمين سلاسل توريد برمجية آمنة، وسد الفجوات المهارية، وتطوير نماذج تمويل مستدامة، بما يحول المصادر المفتوحة إلى أداة فاعلة في السياسة الاقتصادية.
المحاسنة: مدخل أساسي للاستقلالية الرقمية وخفض الكلف
من جهته، شدد المدير التنفيذي للجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، المهندس عيسى المحاسنة، على أن تبني المصادر المفتوحة يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز الاستقلالية الرقمية وخفض التكاليف، مستشهداً بتجارب دولية أثبتت أن الاستثمار في هذا المجال يحقق عوائد اقتصادية مضاعفة.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على بناء القدرات المحلية وتطوير الأطر التنظيمية، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من هذه التقنيات وتحويلها إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي.
العكاليك: البيانات المفتوحة تعيد توزيع القوة في الاقتصاد الرقمي
وفي سياق متصل، أوضح الخبير في حوكمة البيانات والتحول الرقمي الدكتور حمزة العكاليك أن البيانات والتقنيات مفتوحة المصدر تمثل المحرك الاستراتيجي للاقتصاد الرقمي الحديث، مؤكداً أن الأردن يقف أمام فرصة تاريخية للتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومصدر للحلول الرقمية.
وبين العكاليك أن البيانات المفتوحة لا تقتصر على إتاحة المعلومات، بل تعيد توزيع القوة الاقتصادية داخل السوق، حيث تمكن المطورين والشركات الناشئة من بناء منتجات وخدمات من دون تكاليف مرتفعة للحصول على البيانات، ما يقلل من عوائق الدخول ويحفز المنافسة.
وأضاف أن البيانات المفتوحة تمثل بنية تحتية رقمية مشتركة، تتيح للمطورين البناء على ما أنجزه الآخرون بدلاً من البدء من الصفر، الأمر الذي يختصر الزمن ويخفض التكاليف ويضاعف سرعة الابتكار. كما أشار إلى دورها الحيوي في تغذية تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحسين اتخاذ القرار المبني على البيانات.
ولفت إلى أن فتح بيانات قطاعات، مثل النقل والطاقة والتعليم والصحة، يمكن أن يخلق بيئة خصبة لتطوير تطبيقات ذكية تعالج تحديات يومية، مؤكداً أن هذه النماذج ليست نظرية بل قابلة للتطبيق فور توفر البيانات بشكل منظم.
الحوكمة والتشريعات مفتاح التحول الرقمي
من جانبه، اعتبر الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي أن ورقة "إنتاج" تمثل وثيقة استراتيجية ترسم خريطة طريق لبناء اقتصاد رقمي متكامل، مشدداً على أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من المبادرات الفردية إلى حوكمة مؤسسية متكاملة.
وأوضح الصفدي أن التجارب العالمية، مثل إستونيا وسنغافورة، تؤكد أن التشريعات المرنة والمختبرات التنظيمية تلعب دوراً محورياً في تحقيق التوازن بين حماية البيانات وتحفيز الابتكار، ما يعزز الثقة ويجذب الاستثمارات الأجنبية.
كما شدد على أهمية مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، من خلال شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص لتطوير برامج تدريبية متقدمة تسهم في تقليص فجوة المهارات ورفع الإنتاجية.
وأكد أن الاستدامة الحقيقية تتطلب الانتقال إلى التنفيذ القابل للقياس، عبر مؤشرات أداء واضحة وآليات تمويل مستقرة، بما يضمن استمرارية المشاريع وتحقيق أثر اقتصادي ملموس.
في المحصلة، تمثل التقنيات مفتوحة المصدر فرصة استراتيجية للأردن لتعزيز سيادته الرقمية وبناء اقتصاد قائم على الابتكار، غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرهوناً بقدرة المؤسسات على ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات تنفيذية فعالة، تستند إلى الحوكمة الرشيدة، والاستثمار في رأس المال البشري، وتكامل الجهود بين مختلف القطاعات.
ومع توفر هذه المقومات، يملك الأردن فرصة حقيقية للانتقال من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع الشريك في إنتاجها، بما يعزز مكانته كمركز إقليمي في الاقتصاد الرقمي خلال الأعوام المقبلة.