الغد
تعدّ السيولة من أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية، مقارنة بالبنوك التقليدية، فهي مضطرة للاحتفاظ بمعدلات سيولة مرتفعة أعلى من معدلات السيولة في مثيلاتها التقليدية، وذلك لمبررات عدة، منها عدم الرغبة في استثمارات طويلة الأجل، والتركيز من قبل المصارف الإسلامية على استثمارات قصيرة الأجل كون المخاطرة فيها قليلة والعائد أي الربح شبه مضمون، وكذلك الاستفادة من سرعة استعادة الأموال التي تدخل في مثل هذه الاستثمارات، مثل المرابحة والإجارة وبعض العقود سريعة العائد وما شابه ذلك.
والمبرر الآخر هو عدم قدرة هذه المصارف على اللجوء للبنك المركزي كمقرض أخير عند حاجتها إلى السيولة بسبب سعر الفائدة الذي يفرضه البنك المركزي، ومما لا شك فيه أن هذا يؤثر على معدل الربحية، وكذلك على أصحاب الودائع الاستثمارية الذين ينتظرون العائد عليها كاملة.
وإذا كنا قد نعذرها؛ أي المصارف الإسلامية، في هذا الجانب لتجنبها التعامل في سعر الفائدة، إلا أننا نرى أن توظيف الفائض من السيولة يجب أن يتجه كذلك إلى الاستثمارين متوسط وطويل الأجل، مثل الاستثمار في الصناديق الاستثمارية الإسلامية والصكوك الإسلامية؛ حيث تعد هذه الأخيرة من الموجودات شبه السائلة في الوقت الذي أصبحت فيه اليوم الأدوات الاستثمارية الإسلامية متنوعة وقد قطعت شوطا مهما في هذا الاتجاه.
وكما أشرنا في مقالات سابقة، فإن المصارف الإسلامية مطالبة بالابتكار والتجديد وليس العمل على إيجاد البديل للأدوات الاستثمارية المتبعة في المصارف التقليدية أو محاكاتها، وإن الوقت الآن مناسب لأن تأخذ المصارف الإسلامية مكانها المتقدم في السوق المصرفية العالمية وأن تضع الإستراتيجيات المنافسة في هذا السوق، علما أن الأزمة المالية العالمية ما تزال تلقي بظلالها على أغلب دول العالم، وخاصة المتقدمة منها.
وتضاف إلى ما سبق التحديات التي تفرضها اتفاقيات "بازل 3" وما طرحته من مبادئ استرشادية بهدف إدارة مخاطر السيولة - كما تحدثنا عنها في المقالة السابقة - التي حددت نماذج وأدوات لإدارة المخاطر، مثل نماذج التنبؤ بالتدفقات النقدية والاحتفاظ كذلك بنسبة من الأصول السائلة عالية الجودة، لمواجهة أي طارئ مالي غير متوقع.
إذن، فلا بد من وجود إدارة للسيولة ملتزمة وفعالة يجب أن تترافق مع العمل على التطوير الإداري القادر على الابتكار والتجديد والتطوير، وإيجاد المنافذ المالية لتوظيف فائض السيولة، وكذلك توفير مستوى عال من الشفافية والإفصاح عن المعلومات والبيانات المتعلقة بالمصرف.
كما أننا ننبه إلى الشق الآخر من السيولة والمتمثل في نقص السيولة، فقد يكون له أثر في إعاقة عمل المصرف عندما يحتفظ بأصول ليس من السهولة بمكان تحويلها إلى سيولة وقت الطلب، مع العلم أن المصرف لا يمكنه اللجوء إلى البنك المركزي مسعفا (مقرضا) أخيرا.
ففي الوقت الذي نناقش فيه هذا التحدي، فإننا نرى أن على المصارف الإسلامية أن تلتفت إلى أهمية التوسع الخارجي، أي خارج مجتمعاتنا الإسلامية، وأن تنجز شبكة من العلاقات المصرفية التي تتيح لها إيجاد نوافذ جديدة لتوظيف السيولة لديها، وأن تعمل على وضع أسس منطقية ومقبولة لتأسيس سوق مالي إسلامي يوظف فيه الفائض من السيولة لديها، والاهتمام بتقديم الدعم المناسب للمشاريع الصغيرة، لذلك فإننا نرى أنه من الضروري وضع إستراتيجية تتفق عليها المصارف الإسلامية لإدارة السيولة، والالتزام بالمعايير الرقابية والمحاسبية التي تضعها الهيئات المختصة، وتفعيل الأدوات المالية المتاحة والإصدارات التي يمكن تداولها بين المصارف الإسلامية، مع تأكيد ضرورة العمل الجاد على إيجاد وسائل وابتكار أدوات مالية جديدة قادرة على مواجهة التحدي والمخاطر في استثمار هذه السيولة.