الراي - سيف الجنيني
الحدب: التجربة الأردنية تثبت قدرة المؤسسات على إدارة الصدمات
حمودة: صناعات المملكة تخلق فرصاً اقتصادية رغم الضغوط الخارجية
مخامرة: الاقتصاد الأردني يمتلك المرونة لتحييد آثار الأزمات الإقليمية
أكد خبراء اقتصاديون أن المملكة الأردنية، منذ تأسيسها، تخطّت العديد من الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية التي تُعدّ أصعب من الأزمة الحالية، مثل أزمة جائحة كورونا وتبعاتها، والربيع العربي، والأزمة المالية العالمية، وحربي الخليج الأولى والثانية، وغيرها من الأزمات.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ(الرأي)، إلى أن التصعيد العسكري الجاري في المنطقة يفرض ضغوطًا اقتصادية مباشرة على الأردن، خصوصًا عبر قنوات الطاقة والتجارة وكلف الشحن والتأمين، إلا أن الاقتصاد الوطني يمتلك، في المقابل، أدوات صمود مهمة تعزز قدرته على احتواء الآثار السلبية، كما حدث في أزمات سابقة.
وواصلت أسواق الأسهم الأوروبية خسائرها الفادحة، أمس، عقب انخفاضات حادة شهدتها الأسهم الآسيوية، إثر تبادل التهديدات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولين إيرانيين بشأن مضيق هرمز الحيوي. وحوالي الساعة 10:00 بتوقيت غرينتش، تراجعت بورصات باريس بنسبة 2.05%، ولندن بـ2.25%، وميلانو بـ2.54%، وفرانكفورت بـ2.16%.
وارتفعت أسعار النفط، أمس الإثنين، بعد أن حذّرت الولايات المتحدة وإسرائيل، في نهاية الأسبوع، من أن الحرب ضد إيران، التي عطّلت إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، ستستمر لعدة أسابيع أخرى.
وارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، وهو الخام القياسي الأميركي، تسليم شهر أيار، إلى أكثر بقليل من 100 دولار للبرميل خلال تداولات أمس. كما ارتفع سعر خام برنت بحر الشمال بأكثر من 1% ليصل إلى 113.90 دولارًا للبرميل.
وأكد رئيس غرفة صناعة الزرقاء، المهندس فارس حمودة، أن المملكة، منذ تأسيسها، تخطّت العديد من الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية التي تُعدّ أصعب من الأزمة الحالية، مثل أزمة جائحة كورونا وتبعاتها، والربيع العربي، والأزمة المالية العالمية في عام 2008، وحربي الخليج الأولى والثانية، وغيرها من الأزمات. وأشار إلى أن الدولة الأردنية أثبتت عمقها السياسي والاستراتيجي، كما أظهرت هذه الأزمات قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود وسرعة التكيف مع الأوضاع الإقليمية، إذ أصبح يمتلك المرونة الكافية لتحييد الآثار السلبية قدر الإمكان، وبما يتناسب مع حجم الاقتصاد الوطني.
وأكد حمودة أن الأردن قادر على تجاوز الأزمة الحالية، وذلك لمتانة الاقتصاد الأردني وملاءته، حيث إن استقرار أسعار الصرف منذ ثلاثة عقود، إلى جانب وجود مستويات عالية من السيولة والاحتياطيات النقدية القادرة على تمويل المستوردات لمدة عشرة أشهر، واستمرار النهج التصاعدي للصادرات الصناعية الأردنية، كلها مؤشرات على صلابة الاقتصاد الأردني، لا سيما في ظل الحرب الجارية حاليًا في الشرق الأوسط.
وأضاف حمودة، أنه في ظل التحديات الحالية، وعلى الرغم من بعض الآثار السلبية على منحنيات أسعار الطاقة والمواد الأولية وطرق الملاحة، فإن أثر أي ارتفاع في كلف الطاقة والمواد الأولية والشحن هو أثر عالمي يشمل جميع الدول، وقد يكون مؤقتًا ومقتصرًا على مدة استمرار الأزمة وموعد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. وأشار إلى أنه خلال الأزمات تظهر أيضًا فرص اقتصادية، لا سيما للصناعات الأردنية مثل صناعات الأسمدة والصناعات الغذائية والكيميائية وغيرها، خصوصًا في أسواق دول الخليج العربي، التي يجب البناء عليها على المدى القريب والمتوسط.
ولفت إلى أنه لا يمكن، على الإطلاق، منع الانعكاسات السلبية للأزمات، ولكن يمكن تحييدها بنسب عالية وتخفيف أثرها والتكيف معها. واستذكر حمودة أداء الاقتصاد الأردني خلال أزمة جائحة كورونا، حيث كانت سلاسل التوريد، من خلال الصناعات الأردنية، قادرة على تزويد المملكة باحتياجاتها من المواد الأساسية، في وقت كانت فيه دول متقدمة تعاني من عدم قدرتها على توفير هذه المواد لمواطنيها بسبب اضطراب سلاسل التوريد والإغلاقات.
وقال الخبير المالي والاقتصادي، الدكتور محمد الحدب، إن التصعيد العسكري الجاري في المنطقة يفرض ضغوطًا اقتصادية مباشرة على الأردن، خصوصًا عبر قنوات الطاقة والتجارة وكلف الشحن والتأمين، إلا أن الاقتصاد الوطني يمتلك أدوات صمود مهمة تعزز قدرته على احتواء الآثار السلبية، كما حدث في أزمات سابقة.
وأوضح الحدب أن أبرز مصادر الضغط الحالية تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، إذ تجاوز خام برنت مستوى 110 دولارات للبرميل في التداولات الأخيرة، وهو ما ينعكس على كلف النقل والإنتاج والتضخم في الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها الأردن. كما أن أي اضطراب ممتد في المنطقة يرفع كلف الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على أسعار السلع المستوردة.
وأشار إلى أن الأردن، بوصفه اقتصادًا منفتحًا ومستوردًا للطاقة، يتأثر بهذه التطورات، إلا أن تأثيرها لا يُقاس فقط بارتفاع فاتورة النفط، بل أيضًا بما تسببه من ضبابية في الأسواق، وتباطؤ في الاستثمار، وارتفاع كلف سلاسل الإمداد.
وبيّن الحدب أن عناصر القوة في الاقتصاد الأردني ما تزال واضحة، وفي مقدمتها احتياطيات أجنبية قوية لدى البنك المركزي بلغت نحو 28.1 مليار دولار، إلى جانب تضخم منخفض نسبيًا عند نحو 1.1% خلال الفترة الأخيرة، ما يعكس استمرار الاستقرار النقدي والقدرة على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية.
وأضاف إن الواقع التجاري الأردني يُظهر أيضًا قدرة على التكيف، إذ بلغت الصادرات الكلية خلال أول سبعة أشهر من عام 2025 نحو 5.8 مليار دينار، مقابل مستوردات بقيمة تقارب 11.3 مليار دينار، فيما ارتفعت نسبة تغطية الصادرات للمستوردات إلى نحو 51%، ما يعكس تحسنًا نسبيًا في قدرة الاقتصاد على التعامل مع الضغوط الخارجية.
وأكد الحدب أن التجربة الأردنية في التعامل مع الأزمات السابقة، سواء خلال جائحة كورونا أو التداعيات الإقليمية المرتبطة بحرب غزة، أثبتت وجود قدرة مؤسسية على إدارة الصدمات والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، من خلال سياسات متوازنة وإجراءات استباقية لحماية الأسواق المحلية وسلاسل التزويد.
وأشار إلى أن المطلوب في المرحلة الحالية هو استمرار النهج الاحترازي، من خلال تعزيز المخزون الاستراتيجي، ومواصلة مراقبة الأسواق، والحفاظ على انسياب السلع الأساسية، إلى جانب التوسع في بدائل الطاقة وتعزيز كفاءة الإنفاق، بما يحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي.
كما أشار الحدب إلى أن الدور الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، على المستويين الإقليمي والدولي، يشكل ركيزة أساسية في دعم الاستقرار الاقتصادي للأردن، في ظل شبكة علاقات استراتيجية واسعة، خاصة مع دول الخليج العربي، التي تمثل شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للمملكة. وأضاف أن هذه العلاقات تُترجم عمليًا في شكل استثمارات وتدفقات مالية وتعاون اقتصادي مستمر، ما يعزز قدرة الاقتصاد الأردني على امتصاص الصدمات الخارجية وتجاوز الأزمات بكفاءة.
وختم الحدب بالتأكيد على أن الأردن، رغم حساسية موقعه الجغرافي وتأثره الطبيعي بالتطورات الإقليمية، أثبت مرارًا قدرته على تجاوز الأزمات بكفاءة، وأن قوة مؤسساته النقدية والمالية، إلى جانب قيادته السياسية، تمثل عوامل حاسمة في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في هذه المرحلة الدقيقة.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن الاقتصاد الأردني قادر جزئيًا على مواجهة تداعيات استمرار النزاع العسكري في المنطقة، لكنه يظل اقتصادًا حساسًا للصدمات الخارجية بسبب محدودية موارده واعتماده على الاستيراد والطاقة والتجارة الإقليمية. لذلك، فإن قدرة الاقتصاد على الصمود تعتمد بدرجة كبيرة على سرعة الإجراءات الحكومية وإدارة المخاطر الاقتصادية.
وبحسب مخامرة، فإن الاقتصاد الأردني ما يزال يمتلك عناصر قوة تمنحه قدرة نسبية على الصمود ومعالجة هذا التوتر، من أبرزها حالة الاستقرار النقدي التي يتمتع بها، وانخفاض مستويات التضخم مقارنة بالعديد من الدول.
وأضاف أن هناك نموًا اقتصاديًا إيجابيًا يقارب 2.8% خلال عام 2025، رغم التحديات الإقليمية، إلى جانب وجود تنوع نسبي في القطاعات الاقتصادية، مثل الخدمات والسياحة والصناعة والزراعة، فضلًا عن الخبرة الأردنية في إدارة الأزمات الإقليمية السابقة، كأزمة كورونا، والحرب الأوكرانية، وأزمة غزة، ما يساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات قصيرة المدى.
ولفت إلى أن من أهم العوامل التي قد يتأثر من خلالها الاقتصاد الأردني ارتفاع أسعار الطاقة، إذ إن الأردن مستورد للطاقة، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار النفط يرفع كلفة الإنتاج والنقل. كما أن تراجع السياحة يعد عاملًا مهمًا، إذ إن عدم الاستقرار في المنطقة يؤثر مباشرة على حركة السياحة وإيراداتها.
وأضاف أنه قد يحدث اضطراب في التجارة وسلاسل التوريد، حيث تمر بعض الواردات الصناعية والغذائية عبر ممرات بحرية قد تتأثر بالتوترات العسكرية. كما أشار إلى أن الأردن يتمتع بدرجة جيدة من تنوع مصادر الطاقة، حيث يعتمد على مزيج يشمل النفط الخام والمشتقات النفطية ضمن مخزونات استراتيجية، إضافة إلى مخزون مطمئن من الغاز الطبيعي، إلى جانب مساهمة متنامية لمصادر الطاقة المحلية، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والصخر الزيتي، في مزيج الطاقة الوطني، وهو ما يعزز قدرة المملكة على التعامل مع تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
كما أشار إلى أن قدرة الاقتصاد الأردني على احتواء الضغوط التضخمية المحتملة ترتكز على عناصر استقرار نقدي ومالي قوية، أبرزها ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي إلى نحو 28.2 مليار دولار، وهو مستوى يوفر غطاءً للمستوردات لمدة تزيد على عشرة أشهر، إضافة إلى استقرار سعر صرف الدينار مقابل الدولار، وهو أحد أهم ركائز الثقة بالاقتصاد الوطني.
ولفت مخامرة إلى أن القطاع الصناعي المحلي يمتلك قدرة إنتاجية مهمة لتلبية جزء كبير من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب وجود قاعدة زراعية وطنية قادرة على المساهمة في تأمين السلع الغذائية الأساسية، الأمر الذي يخفف من أثر أي اضطرابات مؤقتة في سلاسل التزويد العالمية.