أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    08-Nov-2026

بوصلة رأس الدولة الاقتصادية*أحمد عوض

 الغد

يقدم خطاب العرش، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني الاثنين الماضي، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، أساسا واضحا لمقاربة اقتصادية ينبغي أن تحكم عمل الحكومات.
 
 
 
وتقوم هذه المقاربة على أن تُقاس التنمية بما يلمسه المواطن من تحسن في مستوى معيشته، وفرصه، وتعليمه، وعلاجه، ومستقبل أبنائه. ويضع هذا الفهم مسؤولية مباشرة على المؤسسات العامة، تتمثل في تحويل الأهداف الاقتصادية إلى نتائج اجتماعية محسوسة، وإتاحة المجال أمام المواطنين لمناقشة السياسات وتقييم آثارها وفق هذا المنظور.
 
 
تنطلق هذه المقاربة من اعتبار الإنسان غاية النشاط الاقتصادي. فالنمو والاستثمار وزيادة الإنتاج وتحسين المالية العامة ضرورات لتوسيع إمكانات الدولة والمجتمع، وتكتمل قيمتها عندما تنعكس على حياة الناس. لذلك، يتطلب تقييم الأداء الحكومي تتبع المسافة بين تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية وتحسن أحوال الناس، أفرادا وأسرا، وفهم الأسباب التي تجعل عوائد التقدم تصل إلى بعض الفئات والمناطق بوتيرة أسرع من غيرها.
 
 
وتتشكل هذه المسافة بفعل السياسات نفسها؛ من طبيعة القطاعات التي تنمو، ونوعية الوظائف التي توفرها، ومستويات الأجور، وعدالة النظام الضريبي، إلى كفاءة الخدمات العامة والحماية الاجتماعية. فانتقال ثمار النمو إلى المجتمع يحتاج إلى خيارات مقصودة ومؤسسات قادرة على تنفيذها. ومن هنا، تصبح العدالة في توزيع الفرص والعوائد جزءا من تصميم السياسة الاقتصادية منذ بدايتها، ومعيارا للحكم على نجاحها.
 
 
إن وضع مصلحة المواطنين في صلب القرارات يستدعي تجاوز التعامل معهم بوصفهم "متوسطا إحصائيا". فقد يبدو قرار ما محدود الكلفة عند قياسه بمتوسط الدخل، في حين يستنزف جزءا مؤثرا من دخل الأسر منخفضة الأجر.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن يبدأ قياس الأثر قبل اتخاذ القرار. فتحدد الحكومة المشكلة التي تريد معالجتها، والفئات المعنية، والنتائج المنتظرة، والكلفة والبدائل، ثم تعلن مؤشرات يمكن مراجعتها بعد التنفيذ. وفي سوق العمل، مثلا، تشمل هذه المؤشرات استقرار الوظائف وأجورها، ومدى شمول العاملين بالحماية الاجتماعية. أما في الخدمات العامة، فتشمل الجودة وكلفة الوصول ومدة الانتظار.
 
 
 
وبذلك يصبح القياس وسيلة لتصحيح السياسات وتطويرها.
 
 
وتمنح هذه المقاربة الملكية معنى أدق للدعوة إلى تسريع مشاريع التحديث الاقتصادي. فالسرعة مطلوبة لتقليل كلفة التأخير والاستجابة للحاجات الملحة، لكن ينبغي أن تقترن بوضوح المنفعة العامة، وكفاءة الإنفاق، وقدرة المشروع على دعم الإنتاج المحلي والتشغيل.
 
 
وتسري هذه الروح على التشريعات الاقتصادية والاجتماعية التي تخضع للتعديل حاليا، ومنها قوانين الضمان الاجتماعي والعمل والجمعيات وغيرها. فكل تشريع يعيد توزيع حقوق أو التزامات أو فرص يستحق أن يُناقش على أساس أثره المتوقع في حياة الناس والمؤسسات.
 
 
قد تفرض محدودية الموارد مفاضلات صعبة، وقد تتطلب الاستدامة قرارات لا تحقق مكاسب فورية للجميع. وهنا تظهر أهمية الإفصاح عن الكلفة وتوزيعها بعدالة، وحماية الفئات الأقل قدرة على تحملها. فالثقة تتعزز عندما يفهم المواطن أسباب القرار، ويرى أن البدائل دُرست، وأن التضحيات المطلوبة تقابلها مسؤولية واضحة عن النتائج.
 
 
ولهذا، يرتبط جوهر الفلسفة الاقتصادية في الخطاب الملكي بتأكيد حق التداول في الشأن العام. فحرية مناقشة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية شرط لتحسينها، وكشف آثار قد تغيب عن الحسابات الرسمية. ويتعين أن تتسع المساحة العامة للاعتراض والنقد واقتراح البدائل، من دون قيود غير مبررة أو حساسيات تعطل الحوار.
 
 
وتضع بوصلة رأس الدولة الاقتصادية أمام الحكومة اختبارا واضحا: ما الذي تغير في حياة الناس بفعل قراراتها؟ والإجابة المقنعة تحتاج إلى أثر يمكن قياسه، وإلى مواطن يستطيع مناقشة هذه القرارات بحرية والمشاركة في تصحيح مسارها.