جودة الاستثمار الحكومي.. خطوة لتعزيز النمو لتعظيم العائد الاقتصادي
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
في وقت تولي فيه الاقتصادات حول العالم اهتماما متزايدا برفع جودة الاستثمار الحكومي وتحسين كفاءة المشاريع العامة، لم يعد التوسع في الإنفاق الاستثماري هدفا كافيا لتعزيز النمو، إذ باتت جودة المشاريع واختيارها وفق أسس واضحة أكثر أهمية لضمان تحقيق أثر اقتصادي وتنموي مستدام، وزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل.
وفي هذا الاتجاه، أبدت الحكومة في الفترة الأخيرة توجها إلى إعادة تنظيم دورة الاستثمار الحكومي، بدءا من تحديد المشاريع واختيارها وتقييم جدواها، وصولا إلى إدراجها في الموازنة وتنفيذها، عبر منظومة تقودها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وتستند إلى السجل الوطني للمشروعات الحكومية الاستثمارية.
وفي هذا السياق، أكد خبراء اقتصاديون أن توجه الحكومة نحو إعادة تنظيم دورة الاستثمار الحكومي وزيادة جودة المشاريع، يمثل خطوة مهمة لتعظيم العائد الاقتصادي من الإنفاق العام وزيادة كفاءة استخدام الموارد، مؤكدين أن جودة الاستثمار لا تقل أهمية عن حجمه في دعم النمو وخلق فرص العمل، وتحفيز الاستثمار الخاص.
وأوضح هؤلاء في تصريحات لـ"الغد"، أن تحسين آليات اختيار المشاريع وتقييم جدواها، إلى جانب تعزيز قدرات الجهات الحكومية المعنية وإدارة المشاريع وفق أولويات واضحة، عوامل من شأنها الحد من الهدر والتأخير وتوجيه الإنفاق الرأسمالي نحو المشاريع الأكثر أثرا على الاقتصاد، في وقت يتطلب فيه الوضع المالي للمملكة تعظيم العائد من كل دينار عام.
ويرى الخبراء، أن الاستثمار الحكومي عالي الجودة يمكن أن يتحول إلى رافعة للاستثمار الخاص، خصوصا في قطاعات النقل، والطاقة، والمياه والبنية التحتية، من خلال خفض كلف ممارسة الأعمال وتحسين الإنتاجية والتنافسية، داعين إلى أن تقترن جهود إعادة تنظيم دورة الاستثمار بقياس فعلي للعائد الاقتصادي والتنموي للمشاريع، وعدم الاكتفاء بتحسين إجراءات اختيارها وتمويلها.
جهود حكومية
وكانت وحدة إدارة الاستثمارات الحكومية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، نظمت مؤخرا ورشة تدريبية لممثلي الوزارات والمؤسسات الحكومية حول إدارة الاستثمارات الحكومية وإعداد المشاريع الرأسمالية، ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وذلك بالتعاون مع البنك الدولي وبمشاركة ممثلين عن (28) وزارة وجهة حكومية.
وذلك في إطار جهود الوزارة لتعزيز كفاءة إدارة الاستثمارات الحكومية وتطوير قدرات الجهات الحكومية في إعداد وتقييم المشاريع الاستثمارية، بما ينسجم مع إصلاحات الإدارة المالية العامة، ويساهم في زيادة جودة المشاريع الحكومية وتعزيز جاهزيتها للتنفيذ، ولاسيما في ظل عمل جار على إعداد مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المالية 2027.
وهدفت الورشة، إلى تطوير كفاءة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية في إعداد المشاريع الاستثمارية، بما يشمل الجوانب المالية والفنية والتنموية، وبما يساهم في رفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين جودة المعلومات والبيانات المرتبطة بالمشاريع، وتعزيز جاهزية المشاريع الاستثمارية بما يتوافق مع متطلبات نظام السجل الوطني للمشروعات الحكومية الاستثمارية رقم (8) لسنة 2024، الذي ينظم عملية تقييم وتسجيل المشاريع الرأسمالية ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال الواجهة الإلكترونية لنظام السجل الوطني للمشروعات الحكومية الاستثمارية (NRIP). كما استعرضت الورشة دور وزارة التخطيط والتعاون الدولي في اعتماد المشاريع الجديدة ضمن إطار قانون التخطيط والتعاون الدولي رقم (10) لسنة 2024، وبما يراعي مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، والبرامج التنفيذية المنبثقة عنها، والخطط والإستراتيجيات القطاعية.
الاستثمار الحكومي عالي الجودة يمكن أن يكون رافعة للاستثمار الخاص
وقال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة: "إن توجه الحكومة نحو إعادة تنظيم دورة الاستثمار الحكومي ورفع جودة المشاريع، يمثل خطوة مهمة لتحسين كفاءة الإنفاق العام وتعظيم العائد الاقتصادي من الموارد المحدودة، خصوصا في ظل التحديات المالية التي يواجهها الأردن حاليا، في ظل تراجع المساعدات وارتفاع نسبة الدين الحكومي".
وبحسب المخامرة تكمن أهمية رفع جودة الاستثمار الحكومي في أن زيادة الإنفاق الحكومي على بعض المشاريع لا تعني بالضرورة زيادة النمو الأقتصادي؛ بل تتمثل في توجيه الإنفاق إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية واجتماعية عالية، لتحقق أثرا مستداما على الإنتاجية والتشغيل والبنية التحتية والخدمات.
وأوضح المخامرة أن الحكومة لديها إدراك بأن نجاح منظومة الاستثمار والمشاريع لا يتوقف على عدد المشاريع الحكومية، وإنما بقدرتها على رفع العائد من كل دينار يتم استثماره، وتسريع المشاريع ذات الأولوية، وتقليل الهدر والتأخير، وتحويل الاستثمار العام إلى محفز للنمو والاستثمار الخاص وخلق فرص العمل
ولفت المخامرة، إلى أن إعادة تنظيم دورة الاستثمار، بدءا من تحديد الحاجة ودراسة الجدوى والتقييم واختيار الأولويات، وصولا إلى التنفيذ والمتابعة وقياس النتائج، ستساعد على الحد من المشاريع منخفضة الجدوى، وتقلل التأخير وتجاوز الكلف، وتحسن إدارة الموارد العامة.
وأكد المخامرة أن الجهود الحكومية تشي بأنها تطمح إلى أن تضيف منظومة إدارة الاستثمارات الحكومية معايير أكثر وضوحا لاختيار المشاريع، تقوم على الأولوية الوطنية، والجدوى الاقتصادية، وجاهزية المشروع، والعائد المتوقع، والمخاطر، وقدرة الحكومة على تمويله وتشغيله مستقبلا. وهذا يعني الانتقال من إدارة المشاريع على أساس المخصصات المتاحة إلى إدارتها باعتبارها استثمارات يجب أن تحقق عائدا اقتصاديا وتنمويا.
وبين المخامرة أن الاستثمار الحكومي عالي الجودة يمكن أن يكون رافعة للاستثمار الخاص، خصوصا عندما يوجه إلى قطاعات مثل النقل، والطاقة، والمياه والبنية الرقمية، إذ يؤدي تحسين البنية التحتية إلى خفض تكاليف ممارسة الأعمال ورفع تنافسية الاقتصاد، ما يشجع القطاع الخاص على التوسع والاستثمار.
رفع جودة الاستثمار الحكومي ضرورة لتعزيز النمو والتنمية
بدوره قال أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري: "إن الاستثمار يمثل "دينامو" النمو والتنمية، ما يجعل رفع كفاءته وجودته، خصوصا في القطاع الحكومي، ضرورة ملحة في المرحلة الحالية، في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأردني، وفي مقدمتها المديونية والبطالة".
وأضاف الحموري أن المردود من الاستثمار الحكومي ظل لفترة طويلة دون مستوى الطموح، وتبدو الحكومة الحالية عازمة على النهوض بهذا الاستثمار، ويتضح ذلك بتوجهها إلى إعادة تنظيمه وتحسين آليات اختيار المشاريع وتقييمها، وعقد دورات تدريبية وتوعوية للإدرات العليا والمختصة في هذا المجال، بما يضمن تحقيق عوائد اقتصادية وتنموية أكبر من الإنفاق العام.
ويرى الحموري، أن تحسين إدارة الاستثمار الحكومي يمكن أن يساهم في بلورة خريطة استثمارية جديدة للأردن، تتضمن مشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص، فضلا عن تطوير أدوات تمويل مبتكرة لهذه المشاريع.
وأشار إلى أن الاستثمار يمكن أن يشكل أحد المخارج الأساسية لتعزيز النمو الاقتصادي في الأردن، لافتا إلى أن نجاح جهود رفع كفاءة الاستثمار الحكومي يتوقف على انعكاسها فعليا على الأداء، وعدم اقتصارها على عقد اللقاءات والورش التدريبية.
وأوضح أن تحقيق نتائج ملموسة سيظهر من خلال ارتفاع معدل العائد على الاستثمار الحكومي، وتغير آليات اختيار المشاريع الحكومية، إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص وزيادة عدد المشاريع المشتركة بينهما.
ولفت إلى إمكانية التفكير في إشراك المواطنين في تمويل بعض المشاريع الحكومية، من خلال فتح باب الاكتتاب العام في مشاريع محددة، خصوصا في قطاعات النقل والطاقة، بما يوفر مصادر تمويل إضافية، ويعزز مشاركة المجتمع في المشاريع الاقتصادية والتنموية.
التوسع في الاستثمار الحكومي يتطلب رفع كفاءة إدارة المشاريع وتعظيم عائد الإنفاق العام
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي منير دية، أن توجه الأردن نحو التوسع في الإنفاق الرأسمالي وتنفيذ المشاريع المنبثقة عن رؤية التحديث الاقتصادي، ولا سيما البرنامج التنفيذي الثاني للأعوام 2026-2029، يتطلب تعزيز قدرات الكوادر الحكومية المعنية بإدارة الاستثمارات والمشاريع الرأسمالية.
وقال دية: "إن الاقتصاد الأردني مقبل على تنفيذ مجموعة كبيرة من المشاريع الكبرى في قطاعات المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية، من بينها مشروع الناقل الوطني وسكك الحديد وغاز الريشة، إلى جانب مشاريع أخرى بالشراكة مع القطاع الخاص، الأمر الذي يستدعي رفع كفاءة العاملين في الوزارات والمؤسسات الحكومية المسؤولة عن التخطيط وإعداد الموازنات وإدارة الاستثمارات".
وأضاف أن تحسين كفاءة الجهاز الحكومي في التعامل مع هذا الحجم المتزايد من المشاريع، من شأنه أن يساهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وتحسين جودة المشاريع والمعلومات والبيانات المرتبطة بها، بما يضمن توجيه الإنفاق الرأسمالي نحو المشاريع الأكثر أثرا على الاقتصاد الوطني.
وأشار دية، إلى أهمية أن تركز المشاريع الرأسمالية على تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، من خلال رفع معدلات النمو وخفض البطالة وتعزيز تدفقات الاستثمارات المحلية والأجنبية، إلى جانب توسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع الكبرى.
وبين أن المرحلة الحالية، بالتزامن مع إعداد مشروع موازنة 2027، تتطلب مزيدا من التركيز على تقييم المشاريع الرأسمالية وتحديد أولوياتها وفق أثرها الاقتصادي والتنموي، لافتا إلى ضرورة تطوير آليات إشراك القطاع الخاص وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية لتنفيذ هذه المشاريع.
وقال: "إن حجم المشاريع المتوقع تنفيذها خلال السنوات المقبلة، الذي قد يصل إلى أكثر من 14 مليار دولار في عدد من القطاعات الرئيسية، يفرض على الجهات الحكومية المعنية امتلاك أدوات وقدرات أكبر لإدارة هذه الاستثمارات والتعامل معها بكفاءة.
وشدد دية على أهمية بناء قاعدة بيانات حكومية موحدة ومحكومة ودقيقة حول المشاريع الاستثمارية، حيث تتضمن معلومات موثوقة تساعد في اتخاذ القرارات وتقييم المشاريع وقياس نتائجها، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتقدير الآثار والنتائج المتوقعة للمشاريع بصورة أكثر دقة.