الغد- رهام زيدان
أكد خبراء في قطاع الطاقة أهمية التوجه لتخزين الكهرباء في الأردن، بوصفه أحد الحلول الاستراتيجية لتعزيز كفاءة المنظومة الكهربائية وزيادة الاعتماد على المصادر المحلية، خاصة مع التوسع الكبير في مشاريع الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة تزامنا مع تسارع التحولات العالمية.
يأتي هذا في وقت أتاح فيه قانون الكهرباء للعام الماضي، على مستوى المشاريع الكبرى الحكومية وغير الحكومية وللمواطنين تخزين الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة في أنظمة مخصصة لهذه الغاية (بطاريات)، ما يتيح استخدام الكهرباء المخزنة في أوقات أخرى، بينما لم يكن القانون السابق يتيح لهم ذلك.
وقال عضو هيئة التدريس في الجامعة الأردنية د. أحمد السلايمة "إن أهمية تخزين الطاقة في الأردن تبرز في ظل الأزمات الإقليمية الأخيرة واضطرابات الإمدادات العالمية"، مشيرا إلى أن التخزين أصبح ضرورة بصورة تدريجية ومدروسة.
وأوضح أن الأردن حقق خلال السنوات الـ15 الماضية انتقالا ملحوظا في قطاع الطاقة، مع ارتفاع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة، لا سيما الشمسية وطاقة الرياح، لتتجاوز 27 % من خليط الطاقة.
وبين السلايمة، أن هذا التوسع في الطاقة المتجددة رافقته تحديات فنية في الشبكة الكهربائية، أبرزها عدم التوافق بين أوقات الإنتاج والاستهلاك، إذ تُنتج الطاقة الشمسية خلال ساعات النهار، في حين يبلغ الطلب ذروته في المساء، مؤكدا أن هذا الخلل يجعل من تخزين الطاقة ضرورة ملحة، لتمكين الاستفادة من الفائض النهاري وضخه في أوقات الحاجة، بما يساهم في رفع كفاءة المنظومة الكهربائية.
وأضاف "تقنيات التخزين، سواء عبر البطاريات أو التخزين الكهرومائي، مثل المشروع المطروح على سد الموجب، تمثل حلولا عملية لتعزيز مساهمة الطاقة المتجددة في الأردن، كما أن هذه الحلول لا تقتصر على زيادة الاعتماد على المصادر النظيفة، بل تساهم أيضا في تعزيز أمن الطاقة وتحقيق استقرار الشبكة الكهربائية، إذ تعمل أنظمة التخزين، خاصة البطاريات، كعنصر موازن للأحمال".
وأشار السلايمة، إلى أن انخفاض أسعار البطاريات عالميا بنسبة تتجاوز 75 % خلال العقد الأخير يجعل الاستثمار في هذا المجال أكثر جدوى اليوم مقارنة بالسنوات الماضية.
ولفت، إلى أن القانون الكهربائي الجديد أتاح استخدام أنظمة التخزين للأنظمة الصغيرة، خاصة الطاقة الشمسية، على المدى القصير، في حين يتطلب المدى المتوسط تنفيذ مشاريع تخزين كبيرة، سواء عبر البطاريات الضخمة أو التخزين الكهرومائي، التي كانت كلفتها مرتفعة سابقا لكنها أصبحت اليوم أكثر قابلية للتطبيق.
وفيما يتعلق بالمدى الطويل، توقع السلايمة أن يتجه الأردن، أسوة بالاتجاهات العالمية، نحو تخزين الطاقة باستخدام الهيدروجين الأخضر، من خلال تحويل فائض الكهرباء إلى هيدروجين يستخدم لاحقا عند الحاجة، مؤكدا أن التطورات الأخيرة، مثل انقطاع إمدادات الغاز والتوترات الجيوسياسية، عززت أهمية الاعتماد على المصادر المحلية، سواء الطاقة المتجددة أو الصخر الزيتي أو الغاز المحلي من حقل الريشة، مشددا على أن المرحلة الحالية، تمثل بداية فعلية لدخول عصر التخزين، ولكن بوتيرة تدريجية تمتد من الحلول الصغيرة إلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
بدوره، قال مدير شركة قعوار للطاقة حنا زغلول "إن الوقت قد حان فعليا لاعتماد تقنيات تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات، رغم أن هذه التكنولوجيا ليست جديدة، لكنها لم تنتشر سابقا على نطاق واسع بسبب ارتفاع تكلفتها وغياب الأطر التشريعية المنظمة، خاصة على مستوى الاستخدامات المنزلية أو ما يُعرف بالأنظمة خلف العداد".
وأوضح زغلول أن المشهد تغير اليوم مع صدور قانون الكهرباء رقم (10) لسنة 2025، إلى جانب الانخفاض الملحوظ في أسعار البطاريات، ما أتاح إدماجها ضمن منظومة الكهرباء في الأردن، سواء على مستوى المنازل أو عبر ربطها بشبكات التوزيع والنقل، وفقا لاحتياجات النظام الكهربائي.
وبين أن إدخال البطاريات يوفر أداة فعالة للتحكم بالطاقة الكهربائية مكانيا وزمانيا، إذ يمكن تخزين الكهرباء في أوقات الفائض واستخدامها عند الحاجة، خاصة خلال فترات الذروة.
وأضاف أن "دمج هذه الأنظمة مع مشاريع الطاقة المتجددة يتيح التعامل معها كمصدر حمل أساسي لفترات محددة، ما يعزز كفاءة التشغيل".
وأشار زغلول، إلى أن هذا التوجه يساهم في خفض كلفة إنتاج الكهرباء، ويدعم الاعتماد على الموارد المحلية، بما يرفع مستوى الاعتماد على الذات في قطاع الطاقة، ويحد من التأثر بتقلبات أسعار الطاقة العالمية أو التطورات السياسية في المنطقة.
وأكد أن استخدام العدادات الذكية بالتقنيات الحديثة يفتح المجال لإدارة أكثر كفاءة للطاقة المخزنة في البطاريات المنزلية، إذ يمكن التحكم بها بشكل مرن ضمن منظومة الشبكة، ما ينعكس إيجابا على استقرار الشبكة الكهربائية ويعزز موثوقيتها على المديين القريب والمتوسط.
من جانبه، قال مدير برامج الطاقة والبيئة في بعثة الاتحاد الأوروبي عمر أبو عيد "إن مشاريع تخزين الطاقة باتت جزءا لا يتجزأ من منظومة الطاقة في الأردن، خاصة بعد التقدم الكبير الذي حققته المملكة في مجال الطاقة المتجددة".
وأوضح أن استكمال هذا التحول يتطلب إدماج التخزين لضمان استمرارية التزويد بالكهرباء، في ظل ارتباط مصادر الطاقة المتجددة بعوامل الطقس، مثل إنتاج الطاقة الشمسية نهارا وطاقة الرياح وفق ظروف محددة.
وبين أبو عيد، أن غياب التخزين يحد من الاستفادة المثلى من مشاريع الطاقة المتجددة، في حين أن إدخاله يتيح تعظيم الإنتاج وتحويله إلى مصدر مستقر يمكن الاعتماد عليه على مدار الساعة، بما يعزز مفهوم أمن التزويد بالطاقة.
وأضاف "هذا التوجه يصبح أكثر أهمية مع توسع الأردن في مشاريع تنموية كبرى في قطاعات المياه والصناعة والسياحة والتحول الرقمي والنقل، التي تتطلب جميعها إمدادات كهربائية مستقرة ومتواصلة".
وأشار، إلى أن ربط مشاريع الطاقة المتجددة بأنظمة التخزين يتيح توجيهها لتغذية مشاريع استراتيجية مثل مراكز البيانات ومشروعات التحول الرقمي، التي تحتاج إلى طاقة موثوقة على مدار الساعة.
كما لفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس بالتعاون مع وزارة الطاقة إمكانية استخدام بطاريات المركبات الكهربائية ضمن منظومة الطاقة، حيث تتحول هذه المركبات إلى وحدات تخزين متنقلة، تساهم في دعم الشبكة الكهربائية.
وأكد أبو عيد أن قطاع الصناعة، الذي يعاني من كلفة الطاقة، يمكن أن يستفيد بشكل كبير من هذا التحول عبر الاعتماد على الطاقة المتجددة المدعومة بالتخزين، ما يوفر طاقة مستقرة ويعزز تنافسيته، مشيرا إلى فرص تكامل إضافية، مثل استخدام السدود في توليد الكهرباء وتخزين الطاقة ضمن أنظمة كهرومائية مغلقة، بما يعكس تكامل قطاعات الطاقة والمياه ويعزز كفاءة استغلال الموارد.
وشدد على أن مشاريع التخزين تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية من خلال زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة وتقليل استخدام الوقود التقليدي، ما يدعم أهداف العمل المناخي في الأردن، مؤكدا أن التخزين لم يعد خيارا ثانويا، بل استثمارا مكملا لمشاريع الطاقة المتجددة، ينسجم مع السياسات الاقتصادية والبيئية والرؤية الوطنية للتحول الأخضر، ويعزز الاعتماد على الذات ويدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.