في اليوم العالمي لمكافحة التصحر.. هل يستعيد الأردن المراعي الخضراء؟
الغد-فرح عطيات
أراضٍ رعوية تفقد جزءاً من قدرتها على التجدد عاماً بعد آخر، وغطاء نباتي يتراجع تحت وطأة الجفاف والضغوط البشرية.. مشهد يعكس أحد أكثر التحديات البيئية تعقيداً في الأردن، حيث لم تعد قضية التصحر محصورة في حدود البيئة والطبيعة، بل امتدت آثارها إلى الاقتصاد والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
وحسابات التنمية، في بلد يعد من بين الأفقر مائياً في العالم، لم تعد تقتصر على إدارة الموارد المائية وحدها، بل باتت تشمل أيضاً كيفية حماية الأراضي المنتجة واستعادة النظم البيئية القادرة على توفير الغذاء وحفظ التربة وتعزيز التنوع الحيوي.
وفي هذا السياق، تبرز المراعي بوصفها أحد أهم الأصول الطبيعية التي يعتمد عليها التوازن البيئي في مناطق البادية والأرياف، لما تؤديه من أدوار تتجاوز توفير الأعلاف إلى تنظيم الدورة المائية وتخزين الكربون والحد من تدهور الأراضي.
أما شعار اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف لهذا العام “المراعي: الاعتراف بقيمتها، احترامها، استعادتها”، الذي يصادف اليوم، فيأتي منسجماً مع تحديات أردنية تتسع رقعتها عاماً بعد آخر.
فالمراعي التي كانت تاريخياً جزءاً من منظومة الإنتاج والحياة في البادية تواجه ضغوطاً متراكمة ناجمة عن تكرار مواسم الجفاف، وتراجع الهطل المطري، والرعي الجائر، والتوسع العمراني، ما انعكس على إنتاجيتها وقدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها البيئية والاقتصادية.
ولم تعد أهمية المراعي اليوم تقاس بمساحاتها فقط، بل بما تمثله من خط دفاع طبيعي في مواجهة التصحر والتغير المناخي، وبما توفره من حماية للتربة والتنوع الحيوي ودعم للثروة الحيوانية والأمن الغذائي.
ومن هنا تتعاظم الدعوات إلى التعامل معها باعتبارها قضية تنموية وإستراتيجية، تتطلب سياسات طويلة الأمد تعيد الاعتبار للأراضي الرعوية بوصفها استثماراً في مستقبل الموارد الطبيعية والاقتصاد المحلي، وقدرة الأردن على التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة.
أهمية المراعي الأردنية
في هذا الصدد، يؤكد أمين سر الجمعية الأردنية لمكافحة التصحر وتنمية البادية م. أسلام حمد المغايرة، أن شعار اليوم العالمي يحمل أهمية خاصة بالنسبة للأردن، نظراً لما تمثله المراعي من “ركيزة أساسية” للأمن البيئي والغذائي، ولدورها “الحيوي” في دعم سبل عيش العديد من المجتمعات المحلية، لا سيما في مناطق البادية.
كما تسهم المراعي، بحسبه، في الحفاظ على التنوع الحيوي، والحد من تدهور الأراضي، وتعزيز قدرة النظم البيئية والمجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغير المناخي، الأمر الذي يجعل حمايتها واستعادتها “أولوية وطنية” في مسار التنمية المستدامة.
ولفت لـ”الغد” إلى أن المراعي تواجه في الأردن “تحديات متزايدة” نتيجة الضغوط البيئية والبشرية المتراكمة على مدى عقود، ما أدى إلى تراجع إنتاجيتها، وتدهور الغطاء النباتي في أجزاء واسعة منها.
وعلى الرغم من الجهود الوطنية المبذولة في مجال إعادة تأهيل المراعي، وتعزيز إدارتها المستدامة، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لتوسيع نطاق هذه الجهود من خلال تبني برامج طويلة الأمد تقوم على الشراكة، والتكامل بين مختلف الجهات المعنية.
وتتمثل أبرز التهديدات التي تواجه المراعي في تكرار فترات الجفاف المرتبطة بالتغير المناخي، والرعي الجائر، والتوسع العمراني غير المنظم، والاستخدام غير المستدام للأراضي، إضافة إلى تراجع معدلات الهطل المطري، وازدياد شح الموارد المائية.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة، وفق قوله، إلى تسارع عمليات التصحر، وفقدان التنوع الحيوي، وتراجع قدرة النظم البيئية على الاستمرار في تقديم خدماتها الأساسية.
وينعكس تدهور المراعي بشكل مباشر على حياة المواطنين، ولا سيما الأسر التي تعتمد على تربية الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للدخل، في رأي المغايرة.
وأكمل قائلاً: “فمع انخفاض إنتاجية المراعي الطبيعية تتزايد كلف الأعلاف والإنتاج، الأمر الذي يؤثر على الأمن الغذائي ومستويات الدخل، كما يزيد من هشاشة المجتمعات الريفية والبدوية، ويحد من فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها”.
وتبرز أهمية المراعي من خلال مساهماتها الاقتصادية والبيئية والثقافية المتعددة، فهي توفر “مصدراً مهماً” لتغذية الثروة الحيوانية، وتدعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، وفقه، إذ إنها تسهم في حماية التربة من الانجراف، والمحافظة على التنوع الحيوي، وتنظيم الدورة المائية، وتخزين الكربون بما يساعد في التخفيف من آثار التغير المناخي.
وإلى جانب ذلك، ترتبط المراعي ارتباطاً وثيقاً بالهوية البدوية الأردنية، وبالمعارف التقليدية المتوارثة المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية، واستخدامها بشكل مستدام، كما أفاد.
وشدد على أن حماية المراعي واستعادتها تتطلب تبني “نهج وطني متكامل” يقوم على تعزيز الحوكمة الرشيدة للموارد الطبيعية، وتطبيق خطط الإدارة المستدامة للمراعي، وإشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار.
ولا بد أن يرافق ذلك، كما ذكر، دعم برامج إعادة التأهيل واستزراع الأنواع الرعوية المحلية، إلى جانب تعزيز البحث العلمي والتوعية البيئية، وتوفير التمويل اللازم للمبادرات الهادفة إلى مكافحة التصحر، واستعادة النظم البيئية المتدهورة.
وأكد أن مسؤولية حماية المراعي واستعادتها تتسم بأنها “مشتركة”، وتتطلب تضافر جهود المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، لضمان الحفاظ على هذه الموارد الحيوية للأجيال الحالية والقادمة.
وأضاف أن الاستثمار في استعادة المراعي ليس خياراً بيئياً فحسب، بل هو استثمار في الإنسان والاقتصاد والاستقرار المجتمعي، ومن خلال العمل المشترك يمكن للأردن تحويل تحديات التصحر والجفاف إلى “فرص حقيقية” لتعزيز القدرة على الصمود، وتحقيق التنمية المستدامة.
زيادة إنتاج الحليب
ومن وجهة نظر مدير عام اتحاد المزارعين م. محمود العوران، فإن المراعي تساهم في زيادة المسطحات الخضراء في ظل ظاهرة التغيرات المُناخية، والتي تصب في البعد البيئي وتعزيزه.
وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، فإن انتشار المراعي يخفف من تكلفة العلاجات البيطرية باعتبار أن النباتات الرعوية تتسم بأنها “طبية”، وتعد بمثابة علاج للمواشي من بعض الأمراض، مثل نبات الشيح، والجعدة، والكتلية، وغيرها، تبعاً له.
ولفت العوران لـ”الغد”، إلى أن المراعي كذلك “تقلل” من فاتورة شراء واستهلاك الأعلاف الجافية التي تستخدم كغذاء للماشية، وتزيد من فرص العمل، سواء لدى أصحاب المواشي وأسرهم، أو لأهالي المنطقة.
وأضاف أن الأردن لو امتلك مساحات من المراعي فإن إنتاج الحليب واللحوم سيزداد، ولم تكن لتغطي اللحوم الحمراء ما نسبته 30 % فقط من احتياجات السوق المحلي، علماً أن هذا الرقم لم يتغير منذ سنوات عدة.
وأمام الأردن فرصة تصديرية كبيرة للحوم الحمراء، خاصة من سلالة أغنام العواسي المحلية، والتي تلاقي رواجاً كبيراً لدى دول الجوار، لكن شريطة توافر مساحات أكبر من المراعي الخضراء، بحسبه.
وأشار إلى أن المراعي في الأردن ما تزال بحاجة إلى خطة وإستراتيجية وطنية للحفاظ عليها، في ظل تغير المُناخ، والزحف العمراني الذي يشكل “خطورة” عليها.
وشدد على أن هنالك حاجة إلى إجراء المزيد من البحث العلمي لزيادة نسب النباتات الرعوية في الأردن، وخاصة تلك التي تتكيف مع تأثيرات التغيرات المُناخية، من ارتفاع في درجات الحرارة، والتدني الحاد في الحرارة.
ودعا إلى إعادة تقييم ودراسة المراعي في الأردن، نظراً لقيمها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، في وقت يلعب فيه نظام الحوكمة المفتاح لتحقيق التوازن البيئي والتنوع الحيوي.
وطالب بتفعيل قانون استعمالات الأراضي، وتطبيق بنوده على أرض الواقع، والحد من الرعي الجائر، مع تفعيل صندوق التعويضات البيئية لإنتاج المزيد من أصناف النباتات الرعوية.
إنقاذ المراعي من الإهمال
وفي رأي رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (النوعي) عمر الشوشان، فإن اختيار شعار “المراعي: الاعتراف بقيمتها، احترامها، استعادتها” يعكس أهمية أحد أكثر النظم البيئية تعرضاً “للإهمال” رغم دورها الحيوي في مواجهة التغير المناخي.
وأضاف الشوشان لـ”الغد”، أن المراعي ليست مجرد مصدر للأعلاف والثروة الحيوانية، بل تمثل خط “الدفاع الأول” في مواجهة التصحر والجفاف، والعواصف الغبارية، وتسهم في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية والأنظمة البيئية على الصمود أمام التغيرات المناخية المتسارعة.
وحول العلاقة بين تدهور المراعي والانبعاثات، أشار إلى أن تدهور المراعي يؤدي إلى “فقدان” الغطاء النباتي، و”تراجع” قدرة التربة على احتجاز الكربون.
وأوضح أن الأراضي “المتدهورة” تتحول من مخزن طبيعي للكربون إلى مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، ما “يفاقم” التحديات المناخية ويزيد من مخاطر التصحر وفقدان التنوع الحيوي.
وأكد أن المراعي “الصحية” تؤدي دوراً مهماً في التخفيف من آثار التغير المناخي، إذ إن التربة في النظم الرعوية السليمة تخزن كميات كبيرة من الكربون في الجذور، والمواد العضوية، ما يجعل استعادة المراعي من أكثر الحلول الطبيعية “فعالية وأقلها” تكلفة لتعزيز جهود العمل المناخي.
وأوضح أن الأردن حقق “تجارب مهمة” في مجال إدارة المراعي، وتأهيل الأراضي المتدهورة، إلا أن التحديات ما تزال “قائمة” نتيجة الرعي الجائر والتغير المناخي، والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية.
وتابع قائلاً: “نحتاج اليوم إلى رؤية وطنية شاملة لإدارة المراعي تقوم على التأهيل المستدام، وتنظيم الرعي، وإشراك المجتمعات المحلية، وربط استعادة الأراضي المتدهورة ببرامج التمويل المناخي والاقتصاد الأخضر.”
وشدد على أن المراعي تمثل منظومة متكاملة تجمع بين البيئة والاقتصاد والمجتمع؛ فهي تحمي التربة والتنوع الحيوي، وتدعم الأمن الغذائي والثروة الحيوانية، وتحافظ على أنماط الحياة التقليدية في البادية.
ولذلك، وفق قوله، فإن الاستثمار في استعادتها هو استثمار في الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي للأردن.
وأضاف أنه في ظل التحديات المناخية المتزايدة، لم يعد ينظر إلى المراعي باعتبارها أراضي “مهمة”، بل باعتبارها “أصولاً طبيعية” إستراتيجية تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة الأردن على التكيف مع تغير المناخ، وحماية موارده للأجيال القادمة.