الثروات المعدنية.. مشاريع استثمارية وقيمة مضافة
الغد-رهام زيدان
لا يفتقر الأردن إلى تنوع الثروات المعدنية بقدر ما يواجه تحديا أكثر تعقيدا يتمثل في تحويل ما تزخر به أراضيه من مؤشرات واحتياطيات وخامات في باطن الأرض إلى مشاريع تعدين وصناعات تحويلية قائمة على أسس اقتصادية، وقادرة على تحقيق قيمة مضافة وتعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وتشير المعطيات الرسمية إلى وجود مؤشرات جيولوجية وجيوكيميائية مهمة لعدد من الخامات المعدنية في مناطق مختلفة من المملكة، إلا أن الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الاستثمار الفعلي لا يزال يتطلب استكمال الدراسات التفصيلية وإثبات الجدوى الاقتصادية للمشاريع، بالتوازي مع توفير التكنولوجيا والتمويل والطاقة والبنية التحتية، وتهيئة بيئة تشريعية وإدارية أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وفي هذا السياق، قال نقيب الجيولوجيين الأردنيين، خالد الشوابكة، إن الأراضي الأردنية تضم ما يصل إلى 35 معدنا وخاما طبيعيا قابلا للاستغلال على نطاق تجاري، إلا أن تسويق هذه الخامات ما يزال يشكل أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار الأمثل للثروات المعدنية والطبيعية في المملكة.
وأكد الشوابكة الحاجة إلى إعداد دراسات مستفيضة وتفصيلية تحدد مواقع وجود هذه الخامات، وتوضح الفرص الاستثمارية المتاحة فيها أمام المستثمرين المحليين والدوليين، مشيرا إلى أن عددا كبيرا منها قابل للاستثمار على نطاق تجاري.
وأوضح أن من بين أبرز هذه الخامات السيليكا والصخر الزيتي والنحاس والبازلت والحجر الجيري، إلى جانب غيرها من المعادن والثروات الطبيعية التي يمكن تطويرها واستثمارها اقتصاديا.
هيئة متخصصة لإدارة الثروة الجيولوجية
ودعا الشوابكة إلى أن تقود جهود استكشاف هذه الثروات وتسويقها جهة متخصصة، مثل هيئة مساحة جيولوجية، تضم خبرات وكوادر مؤهلة ومتخصصة في إدارة الثروات الطبيعية، مبينا أن هذا الدور كانت تقوم به سلطة المصادر الطبيعية قبل إلغائها في العام 2014.
وبين أن دول العالم، على اختلاف مستوياتها، سواء كانت دولا متقدمة أو نامية، لديها هيئات متخصصة لهذه الغاية، وتعمل تحت إشراف سلطات عليا، باعتبار أن الثروات الطبيعية تمثل مواد إستراتيجية، ولا سيما العناصر الأرضية النادرة.
وأشار الشوابكة إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي تضمنت إنشاء مؤسسة من هذا القبيل، غير أن ذلك لم يتم حتى الآن، مؤكدا أهمية وجود جهة متخصصة تتولى إدارة ملف الثروات الطبيعية، بما يعزز قدرة المملكة على استكشاف هذه الموارد وتقييمها وتسويقها وتحقيق الاستثمار الأمثل فيها.
من جهته، قال المدير الأسبق لسلطة المصادر الطبيعية، الدكتور ماهر حجازين، إن الأهم في تقييم الثروة المعدنية هو تركيزها في مناطق محددة بما يسمح باستخلاصها تجاريا، مبينا أن التركيز الأمثل لاستخلاص أي ثروة معدنية يعتمد على تكلفة تعدين الخام واستخلاصه، سواء من الناحية الرأسمالية أو التشغيلية، إلى جانب سعر الثروة المعدنية في الأسواق.
وأوضح حجازين أن دور الحكومة في هذا المجال يشمل توفير الدراسات الجيولوجية والمعلومات الفنية المساندة، بما فيها الخرائط الجيولوجية، ونوعية الخام، والفحوصات المخبرية المأخوذة من الآبار أو الخنادق، وتحديد الاحتياطيات التقديرية.
كما تشمل هذه المعلومات بيانات المياه الجوفية والسطحية، والبنية التحتية من طرق وكهرباء، والاحتياجات المحلية، والمواصفات القياسية، باعتبارها جميعا عناصر مؤثرة في تقييم جدوى مشاريع التعدين واتخاذ المستثمرين قراراتهم الاستثمارية.
التشريعات والطاقة والتمويل.. شروط لا غنى عنها
وأشار حجازين إلى أن تطوير قطاع التعدين يتطلب كذلك سياسات وتشريعات مستقرة تضمن حقوق المستثمر في مرحلتي الاستكشاف والتعدين، من دون بيروقراطية وبكل شفافية.
ورأى المختص في إدارة الثروات الطبيعية، الدكتور صخر النسور، أن النحاس ورماد السيليكا سيكونان الأقرب للتحول إلى مشروع إنتاج تجاري، داعيا إلى استثمار نتائج الزيارة الملكية إلى الصين والاستفادة من التكنولوجيات المتقدمة التي تمتلكها الصين، خصوصا في هذين المجالين.
إعفاءات وطاقة ومياه لتسريع الاستثمار
ودعا النسور إلى مزيد من الإعفاءات والتسهيلات، خصوصا في مجال توفير الطاقة ومصادر المياه، إلى جانب مزيد من الإعفاءات والتسهيلات الجمركية، معتبرا أن ذلك يساعد في جذب الاستثمارات وتسريع دخولها إلى القطاع.
وبالتوازي مع ذلك، شدد على أهمية توفير موارد بشرية تلائم هذه الصناعات، من خلال ربط مخرجات الجامعات بسوق العمل في بعض التخصصات التي تواكب هذه الصناعات وتلائم احتياجاتها.
وأوضح أن توفير هذه الكفاءات ليس بالضرورة أن يكون على مستوى درجة البكالوريوس، ففي الأغلب يمكن أن يكون على مستوى الدبلوم التقني، معتبرا أن هذا الأمر في غاية الأهمية لتلبية احتياجات مشاريع التعدين والصناعات المرتبطة بها.
الفوسفات والبوتاس.. قاعدة صناعية تحتاج إلى تعظيم القيمة المضافة
وعن الخامات التي يمكن أن تحقق للأردن أعلى قيمة اقتصادية مضافة، خصوصا من حيث الصادرات والاستثمار وفرص العمل، قال النسور إن الصدارة كانت وما تزال للفوسفات والبوتاس، في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة.
وأكد النسور أن الفوسفات والبوتاس من الصناعات الواعدة، إلى جانب النحاس، إذا ما تم استثمار الفرص المتاحة واستقطاب مستثمرين وتكنولوجيا حديثة، مشددا مرة أخرى على أهمية ترجمة مخرجات زيارة جلالة الملك إلى جمهورية الصين إلى استثمارات وتكنولوجيا على أرض الواقع.
الثروة المعدنية تحتاج إلى "تسويق" مثل أي منتج اقتصادي
ودعا النسور إلى التعامل مع الثروات الطبيعية باعتبارها منتجا يحتاج إلى التسويق، قائلا إن الأردن، كما يسوق للبرامج السياحية أو لأي منتج آخر، يجب أن يسوق لثرواته الطبيعية بمزيد من الدقة.
وأوضح أن ذلك يتطلب إعلان نتائج الكميات الموجودة ونوعياتها وأماكن وجودها، وتحديد الصناعات الملائمة لهذه الثروات الطبيعية، بحيث يتمكن المستثمر من بناء قراره على معلومات واضحة ودقيقة وقابلة للتقييم.
وشدد النسور على ضرورة معالجة العقبات التي تنفر الاستثمار من جذورها، وفي مقدمتها كلفة الطاقة العالية التي تؤثر على الصناعيين وقدرتهم على المنافسة في السوقين الإقليمية والعالمية.
الصناعات التحويلية.. الحلقة الأهم في تعظيم العوائد
وأكد النسور أن الأردن يمتلك ثروات طبيعية، وهو ما حددته رؤية التحديث الاقتصادي من خلال إفراد محور خاص بهذا القطاع، معربا عن أمله في أن يعود قطاع الصناعات التحويلية إلى سابق عهده، وأن تكون له مساهمة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي.
وقال إن تنشيط هذا القطاع سينعكس على تشغيل الأيدي العاملة، وما يكتسبه الشباب الأردني من معرفة وخبرة من العمل في هذه الصناعات، فضلا عن انعكاسه على العوائد الضريبية وحقوق التعدين وكل ما يتبعه، وتنشيط ما يسمى البيئة المستدامة، والعمل على توطين الصناعة في الأردن.
وأشار النسور إلى أن من عناصر القوة التي يمكن للأردن البناء عليها في هذا المجال الاستقرار، والبعد الجغرافي والاستقرار الجيوسياسي في الأردن، ووجود موارد بشرية، ووجود ثروات طبيعية بجدوى اقتصادية، إضافة إلى الموقع الجغرافي ضمن المحيط الإقليمي.
واعتبر أن هذه العناصر يمكن أن تكون من العلامات الفارقة لتسويق الثروات الطبيعية الأردنية وتوطين الصناعة داخل المملكة.
7 فرص استثمارية جديدة في الثروات المعدنية خلال 2026
وفي خطوة تعكس توجه المملكة نحو استثمار إمكاناتها الجيولوجية، كانت وزارة الطاقة والثروة المعدنية، من خلال مديرية الجيولوجيا والتعدين، قد طرحت 7 فرص استثمارية في الثروات المعدنية لعام 2026.
وتستهدف هذه الفرص استكشاف وتطوير خامات الذهب والنحاس والزنك والرصاص والفوسفات والعناصر الأرضية النادرة ورمال السيليكا عالية النقاء والبازلت، وذلك في إطار توجه لتعزيز الاستثمار في قطاع التعدين والاستفادة من الإمكانات الجيولوجية للمملكة، والانتقال من مرحلة استكشاف الموارد إلى تطوير مشاريع إنتاجية ذات قيمة مضافة.
وبحسب التقرير التعريفي للفرص الاستثمارية، تتوزع هذه الفرص في مناطق مختلفة من المملكة، وتستند إلى بيانات ودراسات جيولوجية وجيوكيميائية يمكن البناء عليها في عمليات الاستكشاف والتطوير.
مؤشرات واعدة على تراكيز معدنية مرتفعة
وتظهر النتائج الأولية مؤشرات على تراكيز مهمة من بعض الخامات، إذ وصلت تراكيز الزنك في بعض العينات إلى 6488 جزءا بالمليون، والرصاص إلى 546 جزءا بالمليون، فيما تشير نتائج أخرى إلى مؤشرات على تمعدنات النحاس والذهب والعناصر الأرضية النادرة.
وتشمل الفرص كذلك تطوير الفوسفات، الذي يستند إلى موارد قائمة وإمكانات للتوسع في الاستكشاف والصناعات المرتبطة به، إلى جانب رمال السيليكا عالية النقاء التي تصل نسبة ثاني أكسيد السيليكون فيها في بعض المناطق إلى أكثر من 99 بالمائة.
وتفتح هذه النسب المجال أمام تطوير صناعات متعددة، من بينها الزجاج والسيراميك والمواد الكاشطة والعوازل الحرارية، بما يسمح بالانتقال من تصدير الخام أو بيعه بصورته الأولية إلى تصنيع منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى.
البازلت من خام طبيعي إلى منتجات صناعية متقدمة
كما تشمل الفرص الاستثمارية تطوير البازلت وتحويله إلى منتجات صناعية متقدمة، مثل الصوف الصخري وألياف البازلت وبعض المنتجات الصناعية والإنشائية.
ويعكس هذا التوجه أهمية الصناعات التحويلية في رفع القيمة الاقتصادية للخامات المحلية، إذ لا تقتصر الاستفادة من الموارد الطبيعية على عمليات الاستخراج، وإنما تمتد إلى تصنيعها وتحويلها إلى منتجات تدخل في قطاعات صناعية متعددة.
الشراكة والتمويل والبنية التحتية.. طريق تحويل الإمكانات إلى مشاريع
ويطرح التقرير نماذج مختلفة لتطوير هذه الفرص، بينها الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتأسيس شركات ذات غرض خاص، مع الاستفادة من البنية التحتية القائمة وقرب بعض المواقع من شبكات النقل والموانئ والأسواق.
وتتمثل الفكرة الرئيسة في تحويل الإمكانات الجيولوجية المتاحة إلى مشاريع تعدين وصناعات مرتبطة بها، بما يعزز القيمة الاقتصادية للثروات الطبيعية الأردنية ويوسع قاعدة الاستثمار في القطاع.
وبذلك، تبدو المعادلة أمام الأردن واضحة: فامتلاك الخامات والمؤشرات الجيولوجية لا يمثل نهاية الطريق، وإنما يشكل نقطة البداية نحو بناء قطاع تعدين أكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحويل الموارد الطبيعية إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل.
ويبقى نجاح هذه المعادلة مرتبطا بقدرة المملكة على استكمال الدراسات وإثبات الجدوى الاقتصادية، وتوفير التكنولوجيا والتمويل والطاقة والبنية التحتية، وتبسيط الإجراءات واستقرار التشريعات، إلى جانب وجود جهة متخصصة تدير ملف الثروات الطبيعية وتسوق الفرص الاستثمارية بصورة احترافية.
وفي حال تلاقت هذه العناصر مع الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا العالمية، ولا سيما في مجالات النحاس والسيليكا، وتعظيم القيمة المضافة للفوسفات والبوتاس، فإن الثروات المعدنية الأردنية يمكن أن تنتقل من كونها إمكانات كامنة في باطن الأرض إلى محرك فعلي للتعدين والصناعة والصادرات والنمو الاقتصادي.