فرص لإنشاء مراكز تكنولوجية وتطوير حلول رقمية
الغد-إبراهيم المبيضين
الذكاء الاصطناعي والروبوتات في صدارة فرص التعاون التقني بين البلدين
أكد خبراء في الشان التقني بأن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تحمل أبعادا إستراتيجية حيوية لقطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الأردن. مشيرين إلى أنها تسهم في تحويل العلاقة الاقتصادية الثنائية من مجرد استيراد للمنتجات إلى شراكة استثمارية وعلمية متكاملة.
وقال الخبراء: إن الزيارة الملكية ستعزز الرؤية الجديدة على توطين المعرفة المتقدمة، ودعم مجالات البحث والتطوير المشترك، وبناء قدرات تقنية متينة تعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتصدير الابتكاري بالاستفادة من القوة التقنية للصين التي تعد اليوم القوة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة، وتتنافس بضراوة على الريادة المطلقة في مجالات الحوسبة المتقدمة والابتكار الرقمي.
وأكد الخبراء أن الزيارة الملكية للصين تكتسب توقيتا حاسما يربط بين الريادة الصينية في الذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي، وتطلعات الأردن لتطوير اقتصاده الرقمي وصادراته التقنية ضمن المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي. وتتجاوز اللقاءات المكثفة مع شركات الروبوتات، واللوجستيات، والسياحة الرقمية أطر التعاون التقليدية. تمنح هذه اللقاءات الزيارة بعدا عمليا تطبيقيا يسهم مباشرة في تنمية المهارات الوطنية وبناء شراكات تكنولوجية متقدمة.
رئيس هيئة المديرين في جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات "إنتاج" فادي قطيشات أكد مؤخرا أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية تمثل محطة إستراتيجية للارتقاء بالعلاقات الأردنية الصينية نحو جيل جديد من الشراكات القائمة على الابتكار والتطوير المشترك ونقل المعرفة، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي.
وقال قطيشات، إن الزيارة بعثت برسالة واضحة مفادها أن مستقبل الشراكة بين الأردن والصين يجب ألا يقتصر على شراء التكنولوجيا أو استخدامها، بل أن ينتقل إلى المشاركة في تطويرها وتوطين تطبيقاتها وبناء حلول مشتركة قابلة للتصدير إلى أسواق المنطقة والعالم.
وأشار إلى أن الاهتمام الملكي خلال الزيارة بالتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والروبوتات يعكس إدراكا عميقا للقطاعات التي ستقود اقتصادات المستقبل، ويؤكد ضرورة بناء تعاون تطبيقي يجمع الشركات والجامعات ومراكز البحث والتطوير، بدلا من الاكتفاء بالاطلاع على التكنولوجيا أو استيرادها.
ويرى ممثل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في غرفة تجارة الأردن المهندس هيثم الرواجبة أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تحمل أهمية كبيرة للأردن، وخصوصا في هذه المرحلة التي أصبحت فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة عناصر أساسية في قوة الاقتصادات وقدرتها على المنافسة.
وقال الرواجبة إن اللافت في الزيارة أنها لم تقتصر على الجانب السياسي أو التجاري التقليدي، بل تضمنت اهتماما واضحا بالتكنولوجيا والروبوتات والبحث والتطوير والابتكار والتحول الرقمي. وهذا مهم جدا؛ لأن الفرصة الحقيقية أمام الأردن ليست فقط في استيراد التكنولوجيا الصينية، وإنما في نقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء شراكات إنتاجية حقيقية داخل الأردن.
وأوضح الرواجبة أن الصين تتميز اليوم بأنها تمتلك منظومة تقنية وصناعية متكاملة؛ فهي لا تتفوق فقط في تطوير التكنولوجيا، وإنما تمتلك القدرة على تحويل الابتكار بسرعة إلى منتج، ثم تصنيعه بكميات ضخمة وبكلفة تنافسية. ونرى ذلك بوضوح في مجالات الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، المركبات الكهربائية، الطائرات المسيرة، الأتمتة الصناعية، الطاقة المتجددة، الخدمات اللوجستية الذكية والصناعات الإلكترونية المتقدمة.
وأضاف: "وهنا أرى فرصة مهمة جدا أمام الشركات الأردنية. المطلوب ألا تكون العلاقة مستقبلا علاقة "مستورد ومورّد" فقط، وإنما الانتقال إلى مشروعات مشتركة (Joint Ventures)، ومراكز بحث وتطوير، وتجميع وتصنيع محلي، ونقل التكنولوجيا، وتدريب المهندسين الأردنيين، وربط الشركات الصينية بالجامعات والشركات الناشئة الأردنية".
وأشار إلى أنه يمكن أن ينعكس ذلك على قطاعات كثيرة في الأردن؛ فالصناعة يمكن أن تستفيد من الروبوتات والأتمتة، والقطاع اللوجستي من تقنيات التوصيل والنقل الذكي، والزراعة من الذكاء الاصطناعي والزراعة الدقيقة، والصحة من التقنيات الطبية والذكاء الاصطناعي، وقطاع الطاقة والمياه من الطاقة الشمسية والتخزين والتقنيات الحديثة، إضافة إلى النقل والسياحة والمدن الذكية.
وأكد أن الأردن أيضا لديه ما يقدمه في هذه الشراكة. لدينا كوادر بشرية مؤهلة، وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) وريادة أعمال جيدة، واستقرار وبيئة أعمال، إضافة إلى موقع إستراتيجي يمكن أن يجعل الأردن منصة للشركات الصينية التي ترغب في الوصول إلى أسواق المنطقة. لذلك يمكن أن يكون النموذج الناجح هو تكنولوجيا ورأس مال وخبرة صناعية من الصين، يقابلها كفاءات أردنية ومعرفة بالمنطقة وقدرة على تطوير حلول تناسب السوق العربي.
وقال الرواجبة: "وأعتقد أن أهم نتيجة نحتاج إلى البناء عليها بعد الزيارة هي تحويل هذه اللقاءات إلى مشروعات فعلية: شركات مشتركة، ومصانع ومراكز تكنولوجية، ومختبرات للروبوتات والذكاء الاصطناعي في الجامعات، وبرامج لنقل المعرفة إلى القطاع الخاص الأردني".
وأضاف قائلا: "إذا استطعنا تحقيق ذلك، فالزيارة يمكن أن تكون فرصة للانتقال بالعلاقة الأردنية الصينية من التبادل التجاري إلى شراكة تكنولوجية وصناعية طويلة الأمد، تخلق وظائف نوعية وتساعد الأردن على أن يكون مركزا إقليميا للتكنولوجيا والصناعات المتقدمة".
وقال الخبير في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، المهندس هاني البطش، إن الزيارة تمثل فرصة إستراتيجية لتعزيز الشراكة الأردنية–الصينية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، والانتقال من استيراد التكنولوجيا إلى نقل المعرفة والتطوير المشترك. كما تنسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، وتدعم استقطاب الاستثمارات وبناء القدرات الوطنية في التقنيات المتقدمة.
وقال: "تعد الصين من أبرز القوى العالمية في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتصنيع الذكي، والحوسبة السحابية، والجيل الخامس، والمدن الذكية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن قيمة صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوزت 1.2 تريليون يوان (نحو 174 مليار دولار) في عام 2025، مع أكثر من 6200 شركة تعمل في القطاع، إضافة إلى ريادتها العالمية في الروبوتات الصناعية".
وأضاف البطش: "تمتلك الشركات الأردنية كفاءات متميزة في البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات. ويمكن أن تسهم الشراكات مع الشركات الصينية في إنشاء مراكز بحث وتطوير، ونقل التكنولوجيا، وتطوير حلول مشتركة قابلة للتصدير إلى أسواق المنطقة، بما يعزز تنافسية الشركات الأردنية".
وأشار البطش إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل الزخم السياسي إلى مشروعات عملية، من خلال إنشاء مختبرات مشتركة، وربط الجامعات بالشركات، وتحفيز البحث والتطوير، وتأهيل الكفاءات، واستقطاب الاستثمارات الصينية، بما يجعل الأردن شريكا في تطوير التكنولوجيا، وليس مجرد مستهلك لها.
وأكد البطش قائلا: "الزيارة الملكية للصين تمثل فرصة تاريخية لتعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار. والنجاح لن يقاس بعدد الاتفاقيات، بل بقدرتنا على تحويلها إلى استثمارات، ومشروعات مشتركة، ونقل معرفة، وفرص عمل نوعية، وصادرات تقنية ذات قيمة مضافة".
ويرى الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تكتسب أهمية استراتيجية خاصة لقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الأردن، لأنها تفتح المجال أمام الانتقال من علاقة تجارية تتركز بدرجة كبيرة على استيراد المنتجات الصينية إلى شراكة قائمة على التكنولوجيا والاستثمار والبحث والتطوير ونقل المعرفة والتصدير.
وقال الصفدي إن الزيارة تأتي في توقيت مهم، إذ أصبحت الصين من أبرز مراكز التطوير والتطبيق الصناعي للذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع الذكي، بينما يسعى الأردن إلى تعزيز الاقتصاد الرقمي وتنمية المهارات والصادرات التقنية ضمن المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي. كما أن اللقاءات التي شملت شركات الروبوتات والتكنولوجيا واللوجستيات والسياحة الرقمية تعطي الزيارة بُعدا عمليا يتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي.
وأوضح الصفدي أن الصين تتميز في القطاع التقني بوجود منظومة متكاملة تجمع البحث والتطوير والتصنيع ورأس المال وسلاسل التوريد والقدرة على نشر التكنولوجيا على نطاق واسع. وتبرز قوتها بصورة خاصة في الروبوتات الصناعية، والتصنيع الذكي، والاتصالات، والبنية التحتية الرقمية، والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. وتكمن أهمية ذلك للأردن في أن الصين تستطيع توفير التكنولوجيا والمعدات والخبرة الصناعية والقدرة التصنيعية، بينما يمتلك الأردن عناصر مكملة تتمثل في الكفاءات الهندسية والبرمجية، والقدرة على تطوير التطبيقات العربية، وفهم الأسواق العربية، والموقع الذي يمكن أن يجعله قاعدة إقليمية للشركات الصينية.
وأشار الصفدي إلى أن الفرصة الأكبر للشركات الأردنية لا تتمثل في منافسة الشركات الصينية في تصنيع الأجهزة أو بناء نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة، وإنما في الدخول في سلاسل القيمة المحيطة بهذه التقنيات. ويمكن بناء شراكات في تطوير البرمجيات والتطبيقات العربية، والروبوتات والأتمتة، والتصنيع الذكي، والأمن السيبراني، ومراكز البحث والتطوير، إضافة إلى إنشاء مراكز إقليمية لشركات صينية في الأردن. كما يمكن توظيف هذه الشراكة في قطاعات محلية ذات أولوية، مثل المياه والطاقة والصناعة والصحة والزراعة والنقل والسياحة، بحيث تتحول التكنولوجيا من منتج مستورد إلى أداة لرفع الإنتاجية وحل تحديات وطنية وتطوير منتجات قابلة للتصدير.
وأكد الصفدي أن الأهم هو أن نجاح الزيارة يجب أن يقاس بالنتائج، وليس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. والمطلوب هو تحويل الزخم السياسي إلى مشروعات محددة، مثل مركز أردني صيني للذكاء الاصطناعي التطبيقي، ومركز للروبوتات والأتمتة، ومراكز تطوير صينية في الأردن، ومشروعات للمصانع الذكية والمياه والسياحة الرقمية، وبرامج لتدريب المهندسين. ويمكن قياس النجاح من خلال مؤشرات واضحة، مثل عدد الشركات الصينية التي تنشئ مراكز في الأردن، وقيمة الاستثمارات التقنية، وعدد المشروعات المشتركة، والمهندسين المدربين، والمنتجات المطورة، والوظائف الجديدة، وحجم الصادرات الناتجة عن هذه الشراكات. وبذلك تصبح الصين شريكا في تطوير الاقتصاد التكنولوجي الأردني والوصول إلى الأسواق الإقليمية، وليس فقط مصدرا للتكنولوجيا والمنتجات.