سوق العمل.. تداعيات التباطؤ الإقليمي تحت ضغط الأزمات
الغد-هبة العيساوي
لم تعد تداعيات أزمة الشرق الأوسط تقتصر على اضطراب أسواق الطاقة والتجارة، بل امتدت بصورة متزايدة لأسواق العمل بالمنطقة، بما فيها الأردن، الذي يندرج ضمن مجموعة الدول العربية غير الخليجية الأكثر تأثرًا بتباطؤ النمو والتوترات الإقليمية.
ويكشف أحدث تحديث صادر عن منظمة العمل الدولية حول اتجاهات التوظيف والعمل الاجتماعي لعام 2026 عن تحديات متزايدة تواجه اقتصادات المنطقة، في وقت تتداخل فيه آثار النزاعات الجيوسياسية مع تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة تعيد رسم ملامح سوق العمل.
ورغم أن التقرير لا يخصص فصلًا مستقلًا للأردن، فإن المؤشرات الخاصة بالدول العربية غير الخليجية تعكس صورة قريبة من واقع سوق العمل المحلي، في ظل ارتباط الاقتصاد الأردني بالتطورات الإقليمية وتأثره بمستويات الاستثمار والتجارة والنشاط الاقتصادي بالمنطقة.
وبحسب التقرير، سجلت اقتصادات الدول العربية غير الخليجية نموًا اقتصاديًا بلغ 0.7 % خلال عام 2025، مقارنة بانكماش وصل إلى 1.3 % في العام السابق، إلا أن هذا التحسن بقي محدودًا وأقل من المستويات المطلوبة لتوليد فرص عمل كافية ومستدامة.
ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي يضغط على قدرة الاقتصادات على خلق الوظائف، إذ تؤثر التوترات السياسية والأمنية في ثقة الأعمال وقرارات التوسع والاستثمار، ما ينعكس بصورة مباشرة على معدلات التوظيف وفرص الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وتبرز المشاركة الاقتصادية باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول العربية غير الخليجية.
وبلغ معدل المشاركة في القوى العاملة 38.3 % خلال عام 2025، وهو مستوى منخفض مقارنة بالمعدلات العالمية، ويعكس وجود نسبة واسعة من السكان خارج النشاط الاقتصادي الرسمي.
كما تسجل المنطقة فجوة واضحة بين مشاركة الرجال والنساء في سوق العمل؛ إذ بلغت نسبة مشاركة الرجال 66.1 % مقابل 10.8 % فقط للنساء، ما يشير إلى استمرار التحديات المرتبطة بدمج النساء اقتصاديًا وتوسيع فرص العمل المتاحة أمامهن.
وفي الأردن، تحضر هذه القضية بصورة لافتة ضمن النقاشات الاقتصادية والتنموية، باعتبار أن انخفاض مشاركة النساء لا يرتبط فقط بفرص العمل، بل ينعكس كذلك على مستويات الإنتاجية والدخل والنمو الاقتصادي بصورة عامة.
ولا تقتصر التحديات على محدودية المشاركة الاقتصادية، بل تمتد لطبيعة الوظائف نفسها. فوفق التقرير، يعمل أقل من ثلث العاملين في الدول العربية غير الخليجية ضمن وظائف رسمية، فيما يصل معدل العمل غير المنظم إلى 70.6 %، وهو ما يعني غياب الحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي لشريحة واسعة من العاملين.
ويظهر التقرير كذلك أن أكثر من ربع العاملين في هذه الدول يعيشون تحت مستوى ما يعرف بـ"الفقر المعتدل"، رغم امتلاكهم وظائف، بنسبة تبلغ 28.6 %، ما يعكس فجوة بين العمل والدخل الكافي لتأمين مستويات معيشة مستقرة.
وفي المقابل، تبدو الصورة مختلفة في دول الخليج العربية، التي استفادت من تحسن إنتاج النفط وتوسع الأنشطة غير النفطية، ما رفع معدل نموها الاقتصادي إلى 3.9 % خلال 2025، مع توقعات ببلوغه 4.3 % في عام 2026.
ويعزو التقرير هذا الأداء إلى ارتفاع الإيرادات النفطية وزيادة الاستثمارات والقدرة على تعزيز الاحتياطيات الأجنبية، وهي عوامل منحت اقتصادات الخليج هامشًا أكبر لدعم أسواق العمل وخلق فرص تشغيل جديدة مقارنة بالدول العربية غير الخليجية.
لكن تداعيات الأزمة، بحسب منظمة العمل الدولية، لا تتوقف عند حدود المنطقة العربية. فالتوترات في الشرق الأوسط تحولت إلى صدمة ذات امتدادات عالمية عبر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب النقل وسلاسل الإمداد وتراجع ثقة الأسواق، ما أثر في مستويات التشغيل والاستثمار في عدد من الاقتصادات حول العالم.
وفي موازاة هذه الضغوط، يلفت التقرير إلى تحولات أخرى تفرض نفسها على مستقبل العمل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، اللذان يحملان فرصًا لرفع الإنتاجية وخلق وظائف جديدة، لكنهما يفرضان في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتأهيل العمالة وتطوير المهارات المطلوبة في سوق العمل الحديث.
ويرى التقرير أن الدول النامية، ومنها اقتصادات المنطقة العربية غير الخليجية، تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في التعامل مع الضغوط الاقتصادية الحالية والاستعداد في الوقت ذاته لتحولات مستقبلية قد تغير طبيعة الوظائف ومتطلبات التشغيل خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى سياسات اقتصادية وسوق عمل أكثر قدرة على تعزيز النمو المنتج، وتوسيع قاعدة العمل الرسمي، ورفع المشاركة الاقتصادية، بما يحد من هشاشة الوظائف ويزيد قدرة الاقتصادات على مواجهة الأزمات المتلاحقة.