الدستور - رندا حتامله
أكد مهتمون في الشأن الزراعي ان الأمن الغذائي في المملكة أظهر تحسنا مع ارتفاع نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي في العديد من السلع الزراعية في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعكس تحقيق نموا في الانتاج الزراعي وخاصة مع اتساع قاعدة السلع الغذائية التي تحقق فائضا انتاجيا، لافتين إلى ان هذا الارتفاع يشكل مؤشرا إيجابيا لتحسن بعض مكونات الأمن الغذائي الوطني.
كما أكدوا أن القطاع الزراعي أظهر قدرة على التكيف وزيادة الإنتاج، داعين إلى أهمية توفير حزمة اجراءات تتضمن التوسع في تقنيات الزراعة الذكية واستخدام المياه المعالجة للري وتطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف، وبناء مخزونات استراتيجية من السلع الساسية والاهتمام بالثروة الحيوانية.
ويبرز قطاع الزيتون كنموذج نجاح مستقر، حيث حقق نسبة اكتفاء ذاتي بلغت 100%، فيما وصلت نسبة الاكتفاء من زيت الزيتون إلى 114%، ما يعكس قدرة هذا القطاع على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة واستدامة إنتاجية، في حين يسجل قطاع الإنتاج الحيواني نتائج متفاوتة، إذ حقق الاكتفاء الكامل في الحليب الطازج ونسبة اكتفاء من بيض المائدة بنسبة 108%، ولحوم الدجاج بنسبة 83%.
ويرى وزير الزراعة الأسبق الدكتور رضا الخوالدة أن الارتفاع في نسبة الاكتفاء الذاتي يمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن بعض مكونات الأمن الغذائي الوطني، خاصة مع ارتفاع عدد المنتجات الزراعية التي تحقق فائضاً إنتاجياً من 22 إلى 28 منتجاً خلال الفترة الأخيرة، إلا أنه يحذر من اعتبار هذا التحسن دليلاً على تحول هيكلي شامل، مشيراً إلى أن جزء منه يعود إلى فائض انتاج في محاصيل الخضروات والفواكه ذات الطابع التصديري.
بدوره يصف المحلل الاقتصادي الدكتور رعد التل هذه المعطيات بأنها تعكس «تطوراً مهماً لكنه غير مكتمل»، موضحاً أن القطاع الزراعي أظهر قدرة على التكيف وزيادة الإنتاج، إلا أن هذا النمو لم ينعكس على تقليص الاعتماد على الخارج، مبينا أن المعادلة الحالية تجمع بين نجاح تصديري في بعض السلع مقابل ضعف في توفير سلع أساسية محليا.
ويجمع خبراء أن تعزيز الأمن الغذائي يتطلب حزمة من السياسات، تشمل التوسع في تقنيات الزراعة الذكية، واستخدام المياه المعالجة، وتطوير أصناف مقاومة للجفاف، وتحسين كفاءة سلاسل القيمة، إضافة إلى دعم قطاع الثروة الحيوانية وبناء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية.
وأظهرت أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة عن تحسن ملموس في مؤشرات الأمن الغذائي في الأردن، مع ارتفاع نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي إلى 61.4% عام 2024، بزيادة بلغت 4.1 نقطة مئوية خلال أربع سنوات. ويعكس هذا المؤشر نمواً في الإنتاج المحلي واتساع قاعدة السلع الزراعية التي تحقق فائضاً إنتاجيا.
وبحسب البيانات، ارتفع إجمالي الإنتاج الغذائي في المملكة إلى نحو 4.0 ملايين طن عام 2024، بنمو نسبته 11.4%. كما ارتفعت الصادرات الغذائية إلى نحو 900 ألف طن، ما يشير إلى تحسن القدرة التنافسية للقطاع الزراعي. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تقابلها زيادة في الواردات الغذائية التي بلغت نحو 3.4 ملايين طن، ما يؤكد استمرار الفجوة الغذائية والإعتماد على الإستيراد لتأمين جزء من الاحتياجات الأساسية.
وتدعم الأرقام هذا الطرح، إذ ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي للخضروات إلى 137% مقارنة مع 121% عام 2020، كما ارتفعت نسبة الاكتفاء للمحاصيل الشجرية من 75% إلى 89%. وسجلت بعض المحاصيل فوائض كبيرة، أبرزها الشمام والمشمش والكوسا والبندورة والتمر الطازج، وهي مؤشرات تعكس تركّز النمو في سلع موجهة للتصدير أكثر من كونها مكونات أساسية في السلة الغذائية.
ومن زاوية أخرى، يشكل الفاقد والمهدر الغذائي عاملاً ضاغطاً على منظومة الأمن الغذائي، إذ تشير التقديرات إلى أن الفرد في الأردن يهدر نحو 81.3 كيلوغراماً من الغذاء سنوياً، وهو ما يعني أن تحسين كفاءة الاستهلاك يمكن أن يرفع مستويات الاكتفاء الذاتي دون الحاجة إلى زيادات كبيرة في الإنتاج.
وفي ما يتعلق بالسياسات الزراعية، فإن التوجه نحو المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية العالية يبدو مبرراً في ظل القيود الهيكلية التي يواجهها القطاع، وعلى رأسها شح المياه ومحدودية الأراضي وارتفاع كلف الإنتاج، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة توازن بين العائد الاقتصادي ومتطلبات الأمن الغذائي، خاصة في السلع الاستراتيجية.
وخلاصة المشهد، أن الأردن حقق تقدماً واضحاً في جانب «التوافر الغذائي» وزيادة الإنتاج، إلا أن هذا التقدم لم يتحول بعد إلى أمن غذائي شامل، فالتحدي الحقيقي يكمن في معالجة الاختلالات وبناء منظومة غذائية أكثر توازناً واستدامة، قادرة على الصمود أمام الأزمات والتغيرات المناخية والاقتصادية في السنوات المقبلة.