أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    18-Sep-2026

بين ذاكرة السكان ورهانات المشروع الجديد.. قطار الجنوب يستعد للعودة

 الغد-أحمد الرواشدة

العقبة- بعد أكثر من عشرة أعوام على توقف حركة القطارات بين معان والعقبة، بدأت أعمال إزالة أجزاء من الخط القديم تمهيدا لإنشاء شبكة سكك حديدية حديثة تربط مواقع إنتاج الفوسفات والبوتاس بميناء العقبة، ضمن مشروع أردني إماراتي تبلغ استثماراته نحو 2.3 مليار دولار.
 
 
وتعيد أعمال الإزالة إلى الواجهة ذاكرة القطار الذي ظل لعقود جزءا من الحياة اليومية في مدن وقرى الجنوب، وفي مقدمتها العقبة ومعان والمناطق الواقعة على امتداد مساره. ففي الوقت الذي ينظر فيه السكان إلى القضبان القديمة باعتبارها جزءا من ذاكرتهم، يتطلعون إلى أن تنقل الشبكة الجديدة المنطقة إلى مرحلة مختلفة من النقل والخدمات اللوجستية وفرص العمل.
وكان القطار ينقل أكثر من 33 عربة محملة بالفوسفات بين المناجم في الجنوب وميناء العقبة، فيما اعتاد سكان مناطق عدة سماع صوته ومشاهدة العربات وهي تتجه نحو الميناء.
في العقبة، كان مرور القطار مألوفا في أحياء التاسعة والخامسة والشلالة والخزان، حيث كان السكان يلاحظون مروره بشكل يومي، كما امتد المشهد إلى مناطق رم والديسة وعلى الطريق الصحراوي.
ويقول المواطن محمد ياسين إن صوت القطار في ساعات الفجر كان مؤشرا إلى بدء يوم جديد من العمل في المناجم والميناء، مشيرا إلى أن توقفه ترك فراغا لدى السكان الذين اعتادوا على مشهد العربات وهي تعبر المدينة باتجاه الميناء.
ويضيف أن الأهالي، رغم اضطرارهم أحيانا للانتظار عند الحواجز بسبب طول القطار وبطء مروره، لم يكونوا ينظرون إلى ذلك باعتباره عبئا، إذ كان الأطفال يتابعون المشهد، فيما كان القطار بالنسبة للكبار جزءا من صورة العقبة باعتبارها ميناء رئيسا للصادرات الوطنية.
وأثارت إزالة أجزاء من الخط مخاوف لدى بعض الأهالي بشأن مصير المكونات المرتبطة بتاريخ سكة حديد الحجاز، إلا أن شركة العقبة للسكك الحديدية تؤكد أن الأعمال الحالية لا تشمل الخط التاريخي.
متطلبات فنية وهندسية
حول ذلك، يقول مدير عام شركة العقبة للسكك الحديدية ياسر كريشان إن الخط الذي تجري إزالته تابع للشركة وليس جزءا من سكة حديد الحجاز، موضحا أن أجزاء منه توقفت عن العمل منذ سنوات ولم تعد تتوافق مع المتطلبات الفنية والهندسية للشبكة الجديدة.
وبحسب كريشان، يتولى الجانب الإماراتي تطوير ما بين 65 و70 % من المشروع، بينما تشمل الأعمال الأردنية إزالة الخطوط الواقعة ضمن نطاق المشروع، نظرا إلى عدم ملاءمتها للمواصفات الجديدة.
ويشير إلى أن بعض أجزاء الخط القديم يزيد عمرها على 40 عاما، كما أن توقف الخط ارتبط بنقل عمليات الميناء إلى الشاطئ الجنوبي، ما جعل إعادة استخدام البنية القائمة ضمن الشبكة الجديدة غير ممكنة من الناحية الفنية.
وجاءت أعمال الإزالة بعد طرح عطاء تنافست عليه شركات عدة، قبل إحالته إلى العرض الأفضل. وتعاملت الأعمال مع القضبان المزالة باعتبارها حديدا انتهى عمره التشغيلي، وليس سككا جاهزة لإعادة الاستخدام.
وفي المقابل، يطرح ذلك فرصة للحفاظ على جانب من ذاكرة السكك الحديدية في الجنوب من خلال توثيق الخط القديم بالصور والخرائط والشهادات، والاحتفاظ بنماذج من القضبان والإشارات أو قاطرة وعربات لأغراض ثقافية وسياحية ومتحفية.
ولا تنفصل ذاكرة خط العقبة عن تاريخ أطول للسكك الحديدية في الأردن، إذ بدأ إنشاء الخط الذي يخترق أراضي المملكة من الشمال إلى الجنوب عام 1900 خلال العهد العثماني، وكان جزءا من الخط الحديدي الحجازي الذي ربط الأراضي العثمانية بالمدينة المنورة مرورا بعمان.
ومع نمو قطاع التعدين، برزت الحاجة إلى وسيلة نقل قادرة على نقل كميات كبيرة من الخامات بكلفة مناسبة، خصوصا مع تحول الفوسفات إلى أحد مصادر الدخل الرئيسة للمملكة.
وفي هذا السياق، جرى تقوية الجزء الممتد من مناجم الحسا إلى محطة بطن الغول، ثم إنشاء خط جديد من بطن الغول إلى ميناء العقبة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1972.
وافتتح الخط رسميا عام 1975، وأسندت إدارته إلى مؤسسة مستقلة حملت اسم مؤسسة سكة حديد العقبة. وفي عام 1982، جرى ربط مناجم الفوسفات في وادي الأبيض بالخط عند تفرع الحسا عبر مسار بطول 22 كيلومترا، ليصل إجمالي طول المنظومة إلى نحو 293.341 كيلومترا.
وخلال سنوات التشغيل، نقلت السكة ملايين الأطنان من الفوسفات إلى العقبة، ووفرت وظائف وخبرات مرتبطة بقيادة القاطرات وصيانتها وإدارة المحطات والإشارات ومراقبة الخطوط.
ويستذكر المتقاعد من سكة الحديد علي الرواشدة تلك المرحلة، قائلا إن العمل في القطار كان يتطلب مسؤولية كبيرة بسبب طبيعة الحمولة والمسافات الطويلة والظروف المناخية التي كانت تواجه فرق التشغيل.
ويشير إلى أن كل رحلة كانت تحتاج إلى تنسيق بين المحطات والتزام بإجراءات السلامة، باعتبار أن العاملين كانوا يتعاملون مع نقل أحد أهم الصادرات الأردنية.
ويرى الرواشدة أن توقف الخط كان مؤلما للعاملين والسكان، لكنه يعد أن الحفاظ على إرث القطار لا يعني الإبقاء على خط متوقف، وإنما الاستفادة من الخبرات المتراكمة في إنشاء شبكة جديدة تفتح المجال أمام مهندسين وفنيين وعاملين جدد.
خدمة قطاعي الفوسفات والبوتاس
ويختلف المشروع الجديد عن الخط السابق في نطاقه وقدرته التشغيلية. فمشروع سكة حديد ميناء العقبة يقوم على شراكة مناصفة بين الأردن والإمارات، ويمثل الجانب الأردني فيه كل من شركة مناجم الفوسفات الأردنية، وشركة البوتاس العربية، وشركة إدارة الاستثمارات الحكومية، وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
ويمثل الجانب الإماراتي شركة لِعماد القابضة، وهي منصة استثمارية سيادية تابعة لحكومة أبوظبي.
وتقدر قيمة الاستثمار الأردني الإماراتي في المشروع بنحو 2.3 مليار دولار، ويشمل إنشاء شبكة يبلغ طولها قرابة 360 كيلومترا، إلى جانب الأنفاق والجسور والمنشآت التشغيلية والفنية.
وستربط الشبكة الجديدة مواقع إنتاج الفوسفات والبوتاس بالميناء الصناعي في العقبة عبر مسارين رئيسيين يخدمان مناطق الإنتاج في الشيدية وغور الصافي.
ويعني ذلك أن المشروع لن يقتصر على نقل الفوسفات كما كان الحال في المنظومة السابقة، وإنما سيخدم اثنين من القطاعات التصديرية الرئيسية في المملكة، هما الفوسفات والبوتاس.
ومن المتوقع أن تصل الطاقة السنوية للشبكة إلى نحو 16 مليون طن من الخامات، منها قرابة 13 مليون طن من الفوسفات و2.6 مليون طن من البوتاس، ما يوفر لشركات التعدين وسيلة نقل أكثر قدرة على التعامل مع الكميات الكبيرة وبجداول تشغيل منتظمة.
ووفق أستاذ الاقتصاد إبراهيم النعيمات، فإن النقل بالقطارات يوفر قدرة أكبر على نقل كميات كبيرة من الخامات بصورة منتظمة، ويمكن أن يساعد في تخفيف الضغط عن الطرق وتقليل استهلاك الشاحنات والوقود وتكاليف صيانة الطرق المرتبطة بحركة النقل الثقيل.
ويرى النعيمات أن الأثر الاقتصادي للمشروع يمكن أن يتجاوز نقل الخامات، إذا تطورت حوله خدمات مرتبطة بالنقل والتخزين والصيانة والتدريب، مشيرا إلى أن تشغيل الشبكة سيحتاج إلى سائقين وعمال تشغيل ومهندسين وفنيين وخبراء في الاتصالات وأنظمة التحكم والسلامة.
وأضاف أنه بحسب هذا التصور، يمكن أن يوفر المشروع فرصا جديدة لشباب الجنوب، خصوصا إذا رافق تنفيذ الشبكة برنامج للتدريب والتشغيل المحلي. كما يمكن أن ينعكس انتظام نقل الخامات بين مواقع الإنتاج والميناء على كلفة المنتجات التعدينية وقدرة الشركات على التخطيط للإنتاج والتصدير، إلى جانب تقليل الاعتماد على الشاحنات لمسافات طويلة.
وبالنسبة لسكان معان والعقبة، لا تتوقف التطلعات عند عودة القطارات إلى مساراتها. فالسكان يريدون أن ينعكس المشروع على حياتهم من خلال الوظائف والتدريب والعقود المحلية وتحسين الخدمات والبنية التحتية.
ويقول المواطن عبدالله آل خطاب إن إزالة الخط القديم لا تعني بالضرورة نهاية دور السكك الحديدية في الجنوب، بل تمثل انتقالا من منظومة صممت في ظروف اقتصادية وفنية مختلفة إلى شبكة تستجيب لاحتياجات الصناعة الحالية.
ويشير إلى أن الشبكة الجديدة يمكن أن تسهم في خفض كلف الشحن ورفع تنافسية الصادرات وتحسين موثوقية سلاسل الإمداد.
ويقول الشاب طلال الجازي إن أبناء المحافظات الجنوبية لا يعارضون إزالة خط انتهى عمره التشغيلي إذا كان البديل شبكة أكثر كفاءة وأمانا، لكنه يشدد على أهمية أن يروا آثار الاستثمار في مناطقهم.
ويطالب الجازي بربط المشروع بمعاهد وبرامج تدريب متخصصة في السكك الحديدية، وتوفير وظائف مستدامة، وإقامة خدمات ومحطات مرتبطة بالشبكة، إلى جانب إتاحة فرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مجالات الصيانة والنقل والخدمات المساندة.