أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    19-Aug-2026

الاقتصاد التعليمي.. هل يحول الأردن الطلبة الدوليين إلى مصدر للنمو والعملات الأجنبية؟

 دعوات لتعزيز تنافسية المملكة كوجهة تعليمة

الغد-عبدالرحمن الخوالدة
 يتسابق العالم اليوم على توسيع الاستفادة من "الاقتصاد التعليمي"، عبر بناء بيئات تعليمية جاذبة للطلبة الدوليين، واستقطاب المؤسسات والفعاليات العلمية، وتحويل التعليم العالي من خدمة معرفية إلى قطاع اقتصادي قادر على توليد الإيرادات، واستقطاب العملات الأجنبية، وتنشيط قطاعات اقتصادية موازية.
وفي خضم هذه المنافسة، يمتلك الأردن مقومات تؤهله لتعزيز موقعه على خريطة التعليم الإقليمي، في ظل استقطابه آلاف الطلبة الدوليين، وتمتعه بسمعة تعليمية جيدة، إلى جانب ما توفره المملكة من استقرار وموقع جغرافي وكلفة تنافسية مقارنة بوجهات تعليمية أخرى.
وتعززت مكانة المملكة مؤخرا مع تصدر العاصمة عمان قائمة أفضل المدن الطلابية في الوطن العربي، وفق تصنيف "كيو إس" العالمي لأفضل المدن الطلابية للعام  الدراسي 2026. 2027، وحلولها في المرتبة الثانية على مستوى الشرق الأوسط والـ69 عالميا.
ومع صعود تخصصات جديدة تتمحور حول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، تبرز أمام الأردن فرصة لإعادة تعريف التعليم الدولي باعتباره قطاعا اقتصاديا متكاملا، لا يقتصر أثره على الرسوم الجامعية، وإنما يمتد إلى السكن والنقل والمطاعم والاتصالات والرعاية الصحية والترفيه والسياحة، بما يخلق دورة إنفاق متكاملة داخل الاقتصاد الوطني.
 
55 ألف طالب دولي.. و700 مليون دينار إنفاق سنوي
بلغ عدد الطلبة الوافدين غير الأردنيين الدارسين في الجامعات الأردنية، مطلع العام الجامعي 2025-2026، نحو 55,410 طلاب من 119 دولة، يشكلون ما نسبته 11.5 % من إجمالي عدد الطلبة الجامعيين البالغ نحو 480 ألف طالب، وفقا لبيانات وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية "التعليم العالي والبحث العلمي سابقا".
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الإنفاق السنوي للطلبة الدوليين في الاقتصاد الوطني يصل إلى نحو 700 مليون دينار، وهو رقم يعكس حجم الفرصة الاقتصادية الكامنة وراء قطاع التعليم الدولي، خصوصا إذا ما جرى توسيع قاعدة الطلبة وتعظيم متوسط إنفاق الطالب خلال فترة إقامته في المملكة.
ولا تتوقف العوائد عند الجامعات، إذ يوزع الطالب الدولي إنفاقه على مجموعة واسعة من الأنشطة والخدمات، من السكن والغذاء والمواصلات إلى الاتصالات والرعاية الصحية والترفيه والسياحة، ما يجعل التعليم الدولي أقرب إلى قطاع لتصدير الخدمات واستقطاب العملات الأجنبية.
 عمان تتصدر المدن الطلابية عربيا
جاء تصنيف عمان كأفضل مدينة طلابية في الوطن العربي ليضيف بعدا جديدا إلى الفرصة الاقتصادية التي يمتلكها الأردن.
فوفقا لتصنيف "كيو إس" العالمي لأفضل المدن الطلابية للعام  الدراسي 2026. 2027، جاءت عمان في المرتبة 69 عالميا، والثانية في الشرق الأوسط، والأولى عربيا، متقدمة على عدد من المدن الإقليمية الكبرى.
ويعتمد التصنيف على مجموعة من المعايير، من بينها جودة الجامعات وسمعتها الأكاديمية، وتنوع جنسيات الطلبة ونسبة الطلبة الدوليين، ومستوى الأمان وجودة الحياة، وتكاليف المعيشة والدراسة، وآراء الطلبة، إلى جانب قوة سمعة الخريجين في سوق العمل.
ويرى خبراء أن هذا الحضور الدولي يمكن أن يشكل رافعة تسويقية للأردن، إذا ما جرى توظيفه ضمن إستراتيجية متكاملة تستهدف استقطاب الطلبة من أسواق جديدة وتعظيم الأثر الاقتصادي لإقامتهم في المملكة.
 الطالب الدولي ليس مجرد مصدر للرسوم
يقول مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أحمد عوض، إن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتحويل استقطاب الطلبة الدوليين من ميزة تعليمية إلى قطاع اقتصادي واعد، خصوصا مع تزايد أعداد الطلبة القادمين للدراسة في المملكة وتعزيز مكانة عمان كمدينة طلابية جاذبة إقليميا.
ويؤكد عوض أن النظر إلى الطالب الدولي باعتباره مصدرا للرسوم الجامعية فقط يقلل من القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا القطاع، فالطالب ينفق خلال سنوات دراسته على السكن والنقل والغذاء والاتصالات والرعاية الصحية والترفيه والسياحة، ما يوسع دائرة المستفيدين من وجوده داخل الاقتصاد المحلي. ويضيف أن التعليم الدولي يمكن اعتباره أحد أشكال تصدير الخدمات، باعتبار أن المستهلك يأتي إلى الأردن للحصول على الخدمة التعليمية وينفق جزءا كبيرا من دخله داخل المملكة.
ويرى عوض أن الارتقاء بالتعليم العالي إلى قطاع اقتصادي وإنتاجي يتطلب تجاوز قياس الأداء بعدد الطلبة فقط، ليشمل حجم إنفاقهم، والقيمة المضافة التي يولدها القطاع، وفرص العمل التي يخلقها، ومستويات جودة التعليم ورضا الطلبة.
من زيادة الأعداد إلى تعظيم القيمة
ويشير عوض إلى أن الأردن يمتلك عددا من المقومات المهمة، أبرزها السمعة الجيدة نسبيا للتعليم العالي، والموقع الجغرافي، والاستقرار، والبيئة الاجتماعية المنفتحة، إضافة إلى الكلفة التنافسية مقارنة بعدد من الوجهات التعليمية.
إلا أنه يرى أن هذه المقومات لم تتحول بعد إلى منظومة اقتصادية متكاملة، داعيا إلى الانتقال من سياسة تركز على زيادة أعداد الطلبة إلى إستراتيجية أشمل لبناء "اقتصاد تعليمي" يربط الجامعات بقطاعات السياحة والسكن والنقل والاستثمار وسوق العمل.
كما يدعو إلى تنويع الأسواق المستهدفة، وتطوير برامج في الدراسات العليا واللغة العربية للناطقين بغيرها والتعليم الطبي والمهني والبرامج القصيرة والتبادل الأكاديمي.
ويؤكد أن تعزيز جاذبية عمان كمدينة طلابية يتطلب أيضا تحسين النقل العام، وتوفير سكن طلابي منظم ومناسب، وتطوير الخدمات الرقمية والثقافية والترفيهية.
 السياحة التعليمية تتوسع.. لكن البيانات ما تزال تحديا
بدوره، يرى أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري أن "الاقتصاد التعليمي"، أو ما يعرف أحيانا بالسياحة التعليمية، يتجاوز استقطاب الطلبة الدوليين ليشمل مختلف الآثار الاقتصادية المترتبة على وجودهم في الجامعات الأردنية.
ويشير إلى أن هذا القطاع يشهد توسعا مستمرا، وإن كان يتركز بدرجة أكبر في العاصمة عمان، وهو أمر طبيعي، بحسبه، نظرا إلى تركّز الخدمات وتنوعها في العاصمة مقارنة بالمدن الأخرى.
ويؤكد الحموري أن التعليم الدولي ما يزال قطاعا فاعلا ومهما للاقتصاد الأردني، رغم التراجع الذي شهده خلال الفترة الماضية، لافتا إلى أن هذا التراجع كان أقل حدة مما شهده قطاع السياحة العلاجية. ويضيف أن الطلبة الدوليين يمتلكون في الغالب قدرة إنفاق تفوق متوسط دخل الفرد في المملكة، ما ينعكس على قطاعات السكن، من خلال استئجار الشقق والاستوديوهات والغرف، إضافة إلى المطاعم والنقل ومختلف الخدمات المرتبطة بحياة الطلبة.
ويشدد الحموري على ضرورة توفير بيانات أكثر شمولا حول أعداد الطلبة الدوليين ومتوسط إنفاق الطالب سنويا، بما يسمح بتحديد الحجم الحقيقي للإنفاق الذي يولده القطاع للاقتصاد الوطني وقياس أثره بصورة أكثر دقة. كما يؤكد أهمية الاستفادة من تنوع الجامعات الأردنية من حيث التخصصات والمواقع الجغرافية، إلى جانب السمعة التعليمية التي تتمتع بها المملكة، مع الحاجة إلى مزيد من التنظيم والتنسيق، وتعزيز التعاون مع الملحقيات الثقافية للدول التي يتواجد طلبتها في الأردن.
المعركة المقبلة ليست على العدد.. بل على قيمة الطالب
من جهته، يعد الخبير الاقتصادي موسى الساكت أن التعليم الدولي يمكن أن يكون قطاعا اقتصاديا فاعلا وقابلا للنمو بدرجة كبيرة، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى "القطاع الاقتصادي المنظم والمستقل" من حيث قياس مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات.
ويبين الساكت أن استقطاب الطلبة الدوليين يمثل عمليا أحد أشكال تصدير الخدمات وجذب الإنفاق والعملات الأجنبية إلى المملكة، فضلا عن دوره في تعزيز تنافسية الجامعات الأردنية ورفع حضورها إقليميا. ويرى أن تحويل هذه الميزة إلى قطاع اقتصادي واعد يتطلب توسيع مفهوم التعليم الدولي ليشمل حزمة متكاملة من الخدمات والمنتجات التعليمية المساندة، مع التركيز على البرامج ذات القيمة المضافة المرتفعة، خصوصا في تخصصات الطب والهندسة والتكنولوجيا والدراسات العليا.
ويختصر الساكت التحدي المقبل في الانتقال من استقطاب أعداد أكبر من الطلبة إلى تعظيم العائد الاقتصادي من كل طالب دولي، وذلك عبر قياس حجم إنفاقهم وأثره في القطاعات المختلفة، وتطوير خدمات السكن والنقل والتأمين والأنشطة والسياحة، إلى جانب تسهيل استثمارات القطاع الخاص في الخدمات التعليمية المساندة.
  فرصة اقتصادية تحتاج إلى منظومة متكاملة
وبينما يمتلك الأردن قاعدة تعليمية واسعة وسمعة إقليمية وموقعا جغرافيا جاذبا، فإن تحويل هذه المزايا إلى قطاع اقتصادي مستدام يتطلب أكثر من رفع أعداد الطلبة الدوليين.
فالفرصة الحقيقية تكمن في بناء منظومة اقتصاد تعليمي تجعل من الطالب الدولي محركا لسلسلة من الأنشطة الاقتصادية، وتربط التعليم العالي بقطاعات السكن والنقل والسياحة والخدمات والتكنولوجيا وسوق العمل.
ومع وجود أكثر من 55 ألف طالب دولي وإنفاق سنوي مقدر بنحو 700 مليون دينار، تبدو القاعدة الاقتصادية للقطاع قائمة بالفعل؛ إلا أن التحدي يتمثل في تنظيمها وقياسها وتعظيم عوائدها، بما يحول التعليم الدولي من نشاط اقتصادي متفرق إلى قطاع تصديري قادر على جذب العملات الأجنبية وتوفير فرص العمل وتعزيز النمو.
وبذلك، فإن تصدر عمان قائمة المدن الطلابية عربيا لا ينبغي أن يكون مجرد إنجاز تصنيفي، بل فرصة لتسويق المملكة تعليميا واقتصاديا، وترجمة جاذبية المدينة والجامعات الأردنية إلى قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني.