تعاني الشركات من وجود فجوة باستخدام الذكاء الاصطناعي
الغد-نديم منصور
تتشابه كل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة في هيكليتها. بنية تحتية رقمية، وتحول حكومي، وتعليم، وريادة أعمال، وقطاعات متعددة تُدرج جميعها في وثيقة واحدة طموحة. والأردن ليس استثناءً، فالاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي تحمل بين طياتها عشرات المشاريع والمبادرات الموزعة على قطاعات متفرقة. هذا النهج مفهوم ومبرر من حيث المبدأ، لكن بالنسبة للأردن فهو يحدّ من فرص النجاح بدلاً من أن يعزز فرص إحداث طفرة اقتصادية مطلوبة. إن إضاعة الجهد على جبهات متعددة في مواجهة دول تمتلك من رأس المال ما لا يملكه الأردن سيشكل ضربة قاضية لما يمكن أن يكون نهضة شاملة لهذا البلد.
المملكة لا تحتاج أن تنافس دول المنطقة في بناء مراكز بيانات عملاقة أو نماذج لغوية ضخمة. هذه معركة خاسرة سلفاً بحكم الفارق في الموارد. لكن الأردن يمتلك شيئاً أثمن من رأس المال الفائض: سمعة وموثوقية تراكمت عبر عقود في قطاعات نوعية. والسؤال الذي يجب أن تطرحه القيادة السياسية والاقتصادية اليوم ليس: "كيف نتبنى الذكاء الاصطناعي؟"، بل: "أين نمتلك ميزة حقيقية تجعلنا مصدّرين لهذه التقنية لا مجرد مستهلكين لها؟".
حينما نتحدث عن الطب في الأردن، فنحن لا نتحدث عن قطاع ناشئ يبحث عن هوية، بل عن إرث عميق من الكفاءة الطبية والصناعة الدوائية المرموقة امتد لعقود وصنع سمعة يعترف بها العالم. إرث كهذا هو ما يجب أن يُبنى عليه، بصفته قاعدة صناعية وبحثية تُنتج تقنية ذكاء اصطناعي طبية تُصدَّر إلى أنظمة صحية في العالم بأسره.
القطاع الدوائي على سبيل المثال يمتلك خبرة استثمارية وصناعية عميقة قادرة على إنشاء محرك محلي يستولد شركات أردنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي. شركة الحكمة الدوائية كانت قد أسست ذراعاً استثمارية (Hikma Ventures) متخصصة تحديداً في دعم قطاعات الصحة الرقمية والتقنيات الحيوية. ومن أبرز استثمارات هذه الذراع شركة (Altoida)، التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز للتشخيص المبكر لمرض ألزهايمر بدقة تتجاوز أربعة وتسعين بالمائة، وقبل سنوات من بدء ظهور الأعراض.
هذا النموذج يمثل دليلاً على امتلاك المؤسسات الأردنية لرأس المال والخبرة اللازمين لابتكار تقنيات طبية ذكية ذات معايير عالمية، بالإضافة إلى جاهزية البيئة المحلية للانتقال من مرحلة الاستثمار الخارجي إلى مرحلة التأسيس والإنتاج.
وبالتوازي مع الرعاية الصحية، تبرز قطاعات أخرى فرضتها الجغرافيا والحاجة، مثل "إدارة الموارد المائية والزراعة الذكية في البيئات الجافة" نظراً لشح المياه المزمن في الأردن، وقطاع "التطوير المهني والتعليم الرقمي" الذي يمتلك فيه الأردن تجارب رائدة. هذه المجالات تحظى اليوم باهتمام وعناية عالميين فائقين مع تزايد أزمات المناخ والانفجار السكاني، وتوظيف الذكاء الاصطناعي فيها يمنح الأردن فرصة لتقديم حلول حقيقية قابلة للتصدير.
إن إنجاح هذه المعادلة وتحويل الأردن إلى بلد مصدّر لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة يتطلب سرعة في التنفيذ، وإرادة حقيقية، وشراكة مرنة تتجاوز جدار البيروقراطية الحكومية التقليدية. وهنا تظهر القيمة المضافة للتجربة الأردنية في الفارق الواضح في سرعة الإنجاز بين المبادرات المرتبطة بالمؤسسات شبه الحكومية وتلك التابعة للأجهزة التقليدية.
على سبيل المثال، نجحت "مؤسسة ولي العهد" (التي تأسست عام 2015) في تمويل جامعة الحسين التقنية ودعم برامج التدريب النوعي للشباب لسنواتٍ قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي حديث الساعة عالمياً. وبالمثل، استطاع "المجلس الوطني لتقنيات المستقبل" -الذي أُسس مطلع عام 2025 بتوجيه ملكي ويشرف عليه ولي العهد مباشرة بمشاركة خبراء القطاع الخاص- إطلاق منصة "سراج" التعليمية التي تفاعل معها أكثر من 1.33 مليون مستخدم خلال عام واحد، إلى جانب تأسيس "مركز الأردن الرقمي للصحة" في مدينة السلط.
هذا النمط الناجح ليس مصادفة؛ فالمؤسسات المرتبطة بالديوان الملكي تتحرك بمرونة أكبر، بعيداً عن الروتين البيروقراطي وتبدل الأولويات مع التغييرات الوزارية المستمرة. والدرس المستفاد هنا واضح: أي استراتيجية جادة للذكاء الاصطناعي تركز على قطاعات محددة يجب أن تقودها مظلة مؤسسية مرنة، قادرة على تجاوز التعقيدات الإدارية، وتعمل كشريك فعلي وموثوق يلعب دوراً قيادياً صريحاً مع القطاع الخاص، لا دوراً رمزياً أو داعماً فحسب.
الأردن لا يحتاج إلى استراتيجية ذكاء اصطناعي تحاكي طموحات جيرانه الأكبر حجماً وثراءً؛ بل يحتاج إلى استراتيجية واقعية تعترف بحدود الموارد وتراهن بثقة على القطاعات التي يمتلك فيها ميزة تراكمية حقيقية. التقنية الطبية والدوائية تأتي في مقدمة هذه القطاعات، مدعومة بإرث وثقة دولية، وبمؤسسات أثبتت قدرتها على الإنجاز السريع متى ما مُنحت الصلاحية والمرونة. لن يكون اختراق هذا السوق سهلاً أو منخفض التكلفة، لكن تركيز البوصلة بدقة والمثابرة العلمية هو الرهان الوحيد الفائز في عالم يكافئ الابتكار التخصصي. إن بناء منظومة متكاملة تجمع المؤسسات البحثية والشركات الدوائية والجهات التنظيمية لتطوير حلول الحوسبة الحيوية والتشخيص الذكي هو المحرك الحقيقي للتحول؛ فالذكاء الاصطناعي الموجه للقطاع الطبي والدوائي ليس مجرد تجربة تكنولوجية، بل هو نافذة الأردن الأبرز للعبور نحو قائمة الدول المصدرة للمجالات المعرفية المتقدمة".