الأمان البيئي.. بين الدولي والوطني*د. ابراهيم بدران
الغد
احتفل العالم يوم الجمعة الماضي 5/6 باليوم العالمي للبيئة تحت شعار “العمل من أجل المناخ”. وقد تحدد هذا اليوم بناء على القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15/12/1972، في ختام “مؤتمر ستوكهولم حول البيئة البشرية”. ومنذ ذلك التاريخ أي منذ 54 سنة وحتى اليوم تفاقمت المشكلات البيئية في مختلف مناطق العالم، وغدت التغيرات المناخية بآثارها السلبية على البيئة مصدر تهديد وجودي لكثير من الكائنات الحية بما في ذلك بعض المجتمعات وخاصة الشرائح الأقل دخلا في الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وعلى ضوء ذلك تصاعد الاهتمام الدولي بالعمل على إيقاف التدهور البيئي ومواجهة التغيرات المناخية بالإجراءات المتعددة والتي تهدف إلى الحد من الانبعاثات الكربونية والحرارية أولا، والتي تنتج عن استعمال الوقود التقليدي “الأحفوري” من فحم ومشتقات نفطية وغاز طبيعي في تشغيل قطاعات عديدة في مقدمتها قطاع النقل بأشكاله المختلفة والمسؤول عن 27 % من مجمل الانبعاثات الكربونية، وقطاع الكهرباء إذ يبتعث 21 % من الغازات الكربونية وقطاع الزراعة الحيوانية والنباتية والمسؤول عن 11 % من الابتعاثات الغازية وقطاع الصناعة 15 % وغيرها. ومع أن الدول الصناعية هي الأكثر مساهمة في الخلل البيئي والانبعاثات الكربونية والحرارية وفي مقدمتها الصين إذ تبتعث 29.18 % من ثاني أكسيد الكربون العالم والولايات المتحدة التي تبتعث 14 % من ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي فالدول الصناعية هي الأكثر دفعا باتجاه ارتفاع درجة حرارة الأرض واختلال نظام الأمطار وموجات الجفاف والحرارة، إلا أن التأثير السلبي يشمل العالم بأسره ودون تمييز أو التوقف عند الحدود.
والسؤال هنا: في إطار المسؤولية الدولية العامة، ما هي مسؤولية الدولة الوطنية؟ وما هي الإجراءات التي ينبغي على الدولة اتخاذها من أجل ضمان الأمن البيئي لديها قبل أن تقع كوارث مناخية مدمرة للبيئة إلى درجة لا يمكن احتمالها؟ وهنا لا بد من التأكيد أن المنطقة العربية ونحن في قلبها من أكثر المناطق تأثرا بالتغيرات المناخية باتجاه قلة المياه واستفحال الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يزعزع من الأمن البيئي إلى درجة يصعب احتمالها. وهذا يقودنا إلى عدد من النقاط لها أهميتها من منظور وطني وعلى النحو التالي:
أولا: إن زراعة الغابات أو التخضير واحدة من أهم الوسائل لتحسين الظروف المناخية وخاصة تقليص التلوث الكربوني وتخفيف الجفاف وتلطيف درجات الحرارة. ومع أن الأردن قد تنبه إلى ضرورة التخضير منذ أكثر من 60 سنة وبادر في الستينيات والسبعينيات إلى إنشاء العديد من الغابات ورفعت حكومات متعاقبة شعار الأردن الأخضر ليكون عام 2000، إلا أن الإنجاز الشمولي في هذا المجال لا زال أقل من المتوقع، فالغابات لدينا لا تغطي أكثر من 1.1 % من مساحة الأردن، على الرغم من الجهود الطيبة التي تبذلها كل من وزارة الزراعة ووزارة البيئة والبلديات ومنظمات المجتمع المدني. وهذا يستدعي أن تكون هناك برامج وطنية سنوية يتم فيها زراعة كميات كبيرة من الأشجار بعشرات الآلاف وبالأنواع الملائمة.
ثانيا: ضرورة تكثيف الوعي البيئي المجتمعي ووسائل المواجهة وتحسين المفردات البيئية بداية من تخطيط المدن والأحياء مرورا بتصاميم المباني باتجاه المباني الخضراء الذكية، وانتهاء بالإفادة من طلبة المدارس والجامعات وشباب النوادي الشبابية والثقافية والرياضية للمساهمة بشكل منظم ومتواصل في حماية البيئة وبشكل خاص استعمالات المياه وزراعة الأشجار الحرجية وخاصة تلك الأكثر احتمالا للحرارة والجفاف، وأن تكون الأشهر الثلاثة من فصلي الشتاء والصيف هي الأكثر نشاطا في هذا الاتجاه.
ثالثا: وضع البرامج اللازمة لتحويل المدارس والجامعات والمعاهد والمواقع الأثرية التاريخية إلى مؤسسات ومواقع خضراء من خلال ترتيب الزراعة حولها إضافة إلى إعادة تدوير المياه المستعملة لتكون مصدرا لري الأشجار وخاصة في السنوات الأولى.
رابعا: الإفادة الجادة المبرمجة من تجربة الصين وبعض الدول الأخرى في زراعة وتخضير المناطق الجافة بما فيها الصحاري والبوادي، خاصة وأن الصين حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال من خلال المشاركة الطلابية والمجتمعية وبتكاليف مقبولة ودون آليات كبيرة ومعقدة.
خامسا: إعطاء الطاقة المتجددة وخاصة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر اهتماما أكبر لتصبح جزءا من منظومة الطاقة المجتمعية من خلال تسهيل الإجراءات الإدارية والمالية أولا، وتعميم استخدام السخانات الشمسية ثانيا والتي لا تزال نسبة استعمالها لدينا لا تتعدى 20 % من المنازل. هذا في حين أن بلدا مثل قبرص تصل نسبة استخدام السخانات الشمسية فيه إلى 90 %. هذا مع ملاحظة أن كلفة تسخين المياه تصل بالمتوسط إلى 15 % من فاتورة الطاقة المنزلية.
سادسا: إن شح المياه يشكل نقطة ضعف كبيرة في المنظومة البيئية في الأردن. ومع أن الشروع في تنفيذ الناقل الوطني، بعد 20 سنة من التأخير، يعطي فرصة لسد الاحتياجات المائية بشكل نسبي، وتستحق الدولة ووزارة المياه الثناء على جهودها، إلا أننا بحاجة إلى مشاريع مائية كثيرة وفي تكنولوجيات متعددة منها التحلية والاستمطار وتوليد المياه من الهواء والسدود الترابية والحفائر والآبار المنزلية والحصاد المائي وغيرها، حتى يرتفع نصيب الفرد من المياه من وضعه الحالي 60 مترا مكعبا في السنة إلى 120 مترا مكعبا في السنة على الأقل خلال بضع سنوات. وهنا يصبح تطوير أساليب الزراعة المتحملة للحرارة والجفاف ووفق برامج وطنية محددة وممولة من الحكومة ضرورة بيئية ومجتمعية واقتصادية وصحية بالغة الأهمية.
وأخيرا فإن موضوع الأمن البيئي ومواجهة التغير المناخي بالنسبة لنا في الأردن ليس مجرد تغيرات هنا وهناك، وإنما هو تأثير فاعل في صميم البناء الوطني والحياة المجتمعية في جوانبها المعيشية والصحية والإعمارية والاقتصادية. وإن انتظار المساعدات والمنح للمواجهة سوف يكون بطيئا جدا ولا يحدث التغير المطلوب في الوقت الصحيح. وبالتالي فعلى الدولة أن تعتبر قطاع البيئة والمناخ واحدا من القطاعات التي تخصص لها موازنات كافية لا تقل عن 25 دينارا للفرد سنويا تتشارك فيها المؤسسات الرسمية مع القطاع الأهلي مع الشركات والبنوك والمواطنين، وأن يكون للعلم والتكنولوجيا والإبداع دور فعال في كل ذلك.