العقد الاجتماعي الرقمي في الأردن.. كيف تعيد البيانات تشكيل الدولة*د. حمزه العكاليك
الغد
لم يعد التحول الرقمي في الأردن خياراً تقنياً لتحسين الكفاءة الإدارية فحسب، بل صار ضرورة أمنية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى حماية كرامة المواطن وتعزيز موقع المملكة على الخريطة العالمية. فالتركيز المكثف لسمو ولي العهد على نظام البيانات الوطني، يعكس إدراكاً استراتيجياً عميقاً بأن القوة الحقيقية للدول في القرن الحادي والعشرين تكمن في قدرتها على إدارة أصولها المعلوماتية وتحويلها إلى خدمات استباقية، تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر.
فاليوم، نقف أمام استحقاق وطني يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة وهو ما يتجسد في العقد الاجتماعي الرقمي الذي يضع الإنسان في مركز العملية التقنية. هذا العقد ليس مجرد نصوص قانونية، بل هو منظومة متكاملة تضمن أن التكنولوجيا تعمل لخدمة البشرية وهو ما تظهره الرؤية الملكية التي تصر على أن التطور التقني، يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع حماية الحقوق والحريات.
وفي العام الحالي، كشف المشهد الرقمي الأردني عن مفارقة إحصائية تستحق التحليل؛ فالأردن يمتلك بنية تحتية رقمية متطورة للغاية ومع ذلك، تظل هناك فجوات في الثقة الرقمية والقيمة المضافة التي تدفع المواطن نحو الانخراط الكامل في المنظومة الرقمية. فالفجوة تكمن في القيمة المضافة التي يلمسها المواطن. والعقد الاجتماعي الرقمي الجديد يهدف إلى ردم هذه الفجوة، عبر تحويل التطبيقات الحكومية من خزائن وثائق إلى مساعدين أذكياء يستبقون احتياجات المواطن.
ويعتبر نظام البيانات الوطني، القلب النابض لعملية التحول الرقمي الناجحة في الأردن. حيث شدد سمو ولي العهد على أهمية ربط قواعد البيانات الحكومية وتوحيدها. فهذا التوجه ينهي عصر الجزر الرقمية المنعزلة، حيث تتبادل المؤسسات البيانات بسلاسة لتقديم خدمة متكاملة للمواطن.
ويرتكز العقد الرقمي، على مبدأ أن البيانات هي تمثيل لمالكها وليست مجرد سلع للبيع أو مدخلات تقنية محايدة. فالبيانات الشخصية هي جزء من كيان الإنسان وحمايتها تعد حقاً أساسياً من حقوق الإنسان. ومن هنا، تأتي أهمية حوكمة البيانات التي تضمن دقة التسجيل وتجويد الخدمات وهو ما أكد عليه سمو ولي العهد، لضمان تسهيل إجراءات وصول المواطنين للخدمات الإلكترونية.
ولقد أدرك الأردن أن بناء الذكاء الاصطناعي فوق قواعد بيانات مشتتة أو غير دقيقة، هو بناء محكوم بالفشل؛ لذا فإن التركيز الملكي على برنامج البيانات الوطني هو قمة الاحترافية الاستراتيجية. فحوكمة البيانات تضمن السيادة الرقمية للأردن وتدعم اتخاذ القرار المبني على الحقائق لا التخمينات، مما يحمي الدولة والمواطن من مخاطر التلاعب الخوارزمي.
يقدم العقد الاجتماعي الرقمي مفهوماً ثورياً يقوم على دمج الشفافية والعدالة والرقابة البشرية في صلب الهندسة التقنية والخوارزميات منذ البداية. هذا المبدأ يعني أن الأنظمة الرقمية للدولة يجب أن تُصمم بطريقة تضمن عدم انتهاك حقوق الأفراد، أو ممارسة التمييز ضدهم.
ووفقاً للنموذج الاستراتيجي للعقد الاجتماعي الرقمي، فعلى الدولة الالتزام بتطبيق حوكمة سداسية الأبعاد لضمان نجاح العقد الاجتماعي الرقمي: ابتداء من البعد التقني الذي يضمن تطبيق شفافية التقنيات المعززة للخصوصية في المشاريع الحكومية كافة. مرورا بالبعد القانوني الذي يوفر ضمانات حقوقية رقمية فعالة وقيودا صارمة على استخراج البيانات ومعالجتها. وصولا إلى البعد الاقتصادي، الذي يعمل على إعادة توزيع القيمة الناتجة عن البيانات ومعالجة احتكار المنصات الكبرى لضمان العدالة الاقتصادية. والبعد السياسي المؤسسي، الذي يعزز الشرعية السياسية عبر حوكمة متعددة الأطراف، تضمن مشاركة الفرد في صنع القرار الرقمي. والبعد الاجتماعي والثقافي الذي يحمي التماسك الاجتماعي ويعزز المشاعات الرقمية كفضاء آمن للجميع. وانتهاء بالبعد الرقابي الذي يضمن رقابة بشرية ذات معنى على القرارات المؤتمتة، ومنع الأتمتة الكاملة للقرارات المصيرية.
وتتكامل هذه الأبعاد، لترسيم حدود حمراء غير قابلة للتفاوض، مثل حظر أنماط التصميم المخادعة التي تتلاعب بالموافقة، ومنع استغلال البيانات الحساسة لأغراض تجارية بحتة من دون ضرورة.
ولا يكفي تحويل المعاملات الورقية إلى إلكترونية؛ بل تجب إعادة هندسة الإجراءات جذرياً. فرقمنة البيروقراطية المعقدة لن تؤدي إلا إلى بيروقراطية إلكترونية أسرع قليلاً. فالمطلوب هو بناء مسارات إدارية رشيقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي التنبؤي لتقديم الخدمة للمواطن قبل أن يطلبها.
ويجب أن تظل البيانات الأردنية تحت السيادة الوطنية الكاملة. فإنشاء مركز البيانات الوطني، خطوة استراتيجية لحماية بيانات المواطنين من الاختراق أو الاستغلال الخارجي. كما يتوجب على الدولة الاستمرار في تطوير الإطار الوطني للأمن السيبراني لحماية البنية التحتية الحساسة. كما يجب ضمان وصول هذه الخدمات إلى جميع المحافظات وعدم حصرها في العاصمة، لضمان العدالة الرقمية. ويجب على الدولة وضع أطر واضحة لاعتماد وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع ضمان الشفافية والمساءلة.
إن العقد الاجتماعي الرقمي الجديد في الأردن، كما رسم ملامحه سمو ولي العهد، عهد سيادي يعزز كرامة الإنسان يرسخ العدالة والكفاءة. ولقد كانت رسالة سموه من داخل وزارة الاقتصاد الرقمي واضحة: "الخدمة الحكومية يجب أن تذهب للمواطن قبل أن يأتي هو إليها".